ربط الفكر الإنساني مفهوم الحرية الذي عُدّ من أهم حقوق الإنسان بمفهوم التعددية والاختلاف الفكري والنوعي بين بني البشر، ولطالما احترم الإسلام الحنيف هذه التعددية بأغلب أشكالها وأقسامها، بل أن القران الكريم بيّن أن الله تعالى موجد لهذه التعددية ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات : 13)، ولتعددية الأفكار الإنسانية في النص القرآني مساحة واسعة من تسليط الضوء النص القرآني منسجم مع طبيعة الخَلقية للإنسان ومع ما اودع الله فيه من ملكة التفكير التي تنسجم مع أهداف الإنسان وغاياته، وهذا الانسجام فرع تأكيد الإسلام على قبول عنوان الأنسنة في آيات عديدة يخاطب فيها عامة الناس في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ..﴾، ومن المعلوم أن الألف واللام هنا تفيد استغراق جنس الانسان.
ومن مقارنة ظاهرة التنوع الفكري والاعتقادي وتعدد أنماط التفكير لدى البشر، مع ظاهرة تنوع وتعدد مظاهر الخلق المادي في المحيط الكوني الذي أوجده الخالق تبارك وتعالى، تتكون ظاهرة طبيعية جديدة مؤلفة من الإنسان وبيئته ، فيؤثر احدهما بالأخر كما هي طبيعة الحال . وهذا التنوع في عالم المخلوقات أو عالم الطبيعة –كما يشاء البعض تسميته- لم يحدث صدفة، كما لم يحدث بطبيعة الحال خارج الإرادة الإلهية ، بل دلَّ القران الكريم على أن هذا التنوّع من مظاهر الخلق الكبرى، ومن مظاهر الإعجاز والابداع في الخلق، قال تعالى :﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (سورة الاسراء : 70)، وتكريم الله تعالى لبني آدم متجسد في تفضيلهم بما منحهم من قدرات ، كقدرتهم على النطق واختلاف ألسنتهم وألوانهم ومعتقداتهم الفكرية والعلمية ، وبما منحهم من طاقات كبيرة وقدرات واسعة، وفي مقدمتها القدرة العقلية الفكرية والإرادة الحرة.
ومفهوم هذه الإرادة الحرة في الإسلام الحنيف هو الاعتقاد الحر بالمعتقدات والعمل بلا إكراه في الوظائف الشرعيّة ، والمؤمن في اطار هذه المفاهيم يعمل بحريّة بوظيفته من غير إلزام جبري في هذه الحدود التي رسمها الشارع المقدس ، إلّا ما فُرض عليه تطوعاً منه، قال تعالى : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة : 256) فالواجبات والمحرمات التي كلف بها او يمنع عنها المسلم قيود من الله تعالى لا يجوز للمؤمن أن يتعداها ويتجاوزها تطوعاً ولهذا سميت طاعة لله تعالى، وهذا ما بنيت عليه أسس الشرائع التي جاء بها المرسلون (عليهم السلام)، قال تعالى : ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (سورة البقرة : 213)، ويتضح من هذه الآية الكريمة وغيرها الكثير مما جاء في القران الكريم من آيات كريمة توضح أن الشرائع السماوية التي بشّر بها الأنبياء والمرسلون ،فكانت دعوتهم تبلغ عن طريق الإرشاد والمحاججة الفكرية ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل 125).
فكلمة الحرية على ما يراد بها من المعنى في الإسلام لا تتفق بالمعنى مع ما متعارف على الألسن بين عموم الناس وخاصة في المفاهيم الثقافية الغربية، والفارق بين المفهومين الإسلامي وبين المفهوم الغربي ، أن الأنسان الغربي لما كان جزءاً من المجتمع غير إيماني يحاول إدخال إرادته وفعله في مقدرات الكون فصار هو الواضع لقانون الحياة وإرادته التي لا ضابط لها فقانون الطبيعة الذي يعتقد به هو الذي أعطاه إطلاق الإرادة ، وفي هذا مغالطة كبيرة ، قال تعالى : ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (سورة يوسف : 40).
و عارض الدين الإسلامي الحنيف مثل هذا الوضع وعدّه إساءة لفهم الحرية الفكرية ، حيث ان الإرادة قد وضعت من قبل الشريعة التي راعت بشكل مطلق المنفعة لبني الأنسان لذلك منحته الحرية في العمل والتفكير والتطور الفكري التعلّمي في اكثر جوانب الحياة ، وقيدت فعله بضوابط أخلاقية وعبادية لتهذيب أفعاله ولضمان ان يكون سلوكه آمن على طريق الخير والفضيلة .
وأما قوانين الإسلام الحنيف فقد وضعت على أسس التوحيد والإخلاص في العبادات والمعاملات على أساس الأخلاق الفاضلة والتربية السليمة وجلب المنفعة للإنسان فلا شيء مما يتعلق بالإنسان أو يتعلق به الأنسان إلا وللشرع الإسلامي فيه أثر.
فمنح الإسلام للإنسان الحرية عن قيد عبودية غير الله سبحانه وتعالى وهذا المعنى وسيع جداً عند من بحث الفكر الإسلامي ، وكذلك من حيث الأحكام فهنالك فسحة كبيرة من الحرية فيما أباحه الله من طيبات الأرزاق ومزايا الحياة المعتدلة ، قال تعالى : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (سورة البقرة : 29) ، وقال تعالى : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (سورة الجاثية : 13 )، فالإسلام بشريعته السمحاء يفي بإسعاد الأنسان في هذه الحياة ويضمن له حريته التي لا يستطيع ان يسلبها عنه احد ، و الإسلام يضمن إيصال المجتمع في كل العصر إلى سعادة الحقيقية ويحقق لجميع افراد المجتمع أمانيهم المشروعة . وقد سخّر الله تعالى للإنسان الكثير من الخلوقات بما أودع فيه من قدرات عقلية فيكتشف ما يشاء مما في الأفاق ،ويستفيد منه كيف يريد ، فيكوّن الحضارة و يجدد أطوارها بالزراعة والصناعة والتعامل التجاري والمعرفي وغيرها بمطلق الحرية ، وكلما أفسح أمام الإنسان مجال الحرية الاستفادة من بيئته، ازداد الاختلاف بين بني البشر نتيجة اختلاف المصالح ، فتتكون المجتمعات متباينة، فإذا تعارفوا وتواصلوا وتعاونوا ضمن الضوابط الشرعية تنعموا بهذه الحرية الممنوحة لهم .
وقد شجع النص القرآني الإنسان على التحرر وخوض معركة التحرر مع النفس وتحطيم أصنام الرغبات التي تسلبه حريته وتجعله عبداً لرغباته الفردية والاجتماعية الغير منضبطة ويتحرر من عبوديتها ، ويقضي على عبادة الإنسان للإنسان ، قال تعالى : ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران : 64).







السيد رياض الفاضلي
منذ 46 دقيقة
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
العيد في زمن كورونا
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN