يُعدّ الانشطار النووي من أبرز الظواهر الفيزيائية التي أسهمت في إحداث ثورة علمية وتقنية في القرن العشرين، إذ كشف عن إمكانية استغلال الطاقة الكامنة في نواة الذرة وإطلاقها بكميات هائلة تفوق بكثير الطاقة الناتجة عن التفاعلات الكيميائية التقليدية. وقد شكّل هذا الاكتشاف أساسًا لتطور الطاقة النووية وتطبيقاتها السلمية والعسكرية، الأمر الذي جعل الانشطار النووي محور اهتمام علمي وأخلاقي واسع.
يقوم الانشطار النووي على انقسام نواة ذرة ثقيلة وغير مستقرة مثل اليورانيوم-235 أو البلوتونيوم-239 عند امتصاصها نيوترونًا بطيئًا، فتدخل النواة في حالة إثارة وعدم استقرار يؤديان إلى انقسامها إلى نواتين أخف وزنًا، يرافق ذلك انبعاث طاقة كبيرة وتحرر عدة نيوترونات جديدة. وتنتج هذه الطاقة عن تحوّل جزء صغير جدًا من كتلة النواة إلى طاقة وفق معادلة أينشتاين الشهيرة التي تربط الكتلة بالطاقة، وهو ما يفسر ضخامة الطاقة المتحررة مقارنة بكمية المادة المستخدمة.
تُعد النيوترونات المنبعثة من عملية الانشطار عنصرًا حاسمًا في استمرار التفاعل النووي، إذ يمكنها أن تصطدم بنوى أخرى وتسبب انشطارها، مكوّنة ما يُعرف بالتفاعل المتسلسل. وإذا تُرك هذا التفاعل دون سيطرة، فإنه يؤدي إلى إطلاق طاقة مدمرة خلال زمن قصير جدًا كما يحدث في الأسلحة النووية. أما في المفاعلات النووية السلمية فيتم التحكم في التفاعل المتسلسل بدقة عالية باستخدام أنظمة هندسية معقدة تهدف إلى امتصاص النيوترونات الزائدة وإبطاء سرعتها والمحافظة على استقرار التفاعل ضمن حدود آمنة.
يُستخدم الانشطار النووي في محطات الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، حيث تتحول الطاقة النووية الناتجة عن الانشطار إلى طاقة حرارية تُستغل في تسخين الماء وتحويله إلى بخار عالي الضغط يقوم بتدوير التوربينات المتصلة بالمولدات الكهربائية. وتمتاز هذه الطريقة بكفاءة عالية في إنتاج الطاقة وبانخفاض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري مقارنة بمحطات الوقود الأحفوري، مما يجعل الطاقة النووية خيارًا استراتيجيًا في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة مع الحد من التلوث البيئي.
ولا تقتصر فوائد الانشطار النووي على إنتاج الكهرباء فقط، بل تمتد إلى مجالات أخرى مهمة مثل الطب النووي حيث تُنتج النظائر المشعة المستخدمة في تشخيص الأمراض وعلاج الأورام، وكذلك في الصناعة لفحص المواد والكشف عن العيوب الداخلية، وفي الزراعة لتحسين المحاصيل ومكافحة الآفات، إضافة إلى دوره الكبير في البحث العلمي ودراسة بنية المادة والتفاعلات النووية.
ورغم هذه الفوائد المتعددة، فإن الانشطار النووي يواجه تحديات ومخاطر جدية تتطلب حذرًا كبيرًا في التعامل معه، ومن أبرز هذه التحديات مشكلة النفايات النووية المشعة التي تبقى خطرة لمدد زمنية طويلة جدًا وتحتاج إلى حلول تخزين آمنة ومعقدة، إضافة إلى مخاطر الحوادث النووية التي قد تنجم عن أعطال تقنية أو أخطاء بشرية، فضلًا عن القلق العالمي من انتشار الأسلحة النووية وإمكانية إساءة استخدام التكنولوجيا النووية.
في الختام، يمثل الانشطار النووي إنجازًا علميًا بالغ الأهمية يعكس قدرة الإنسان على فهم أعماق المادة وتسخير قوانين الطبيعة، إلا أن هذا الإنجاز يحمل في طياته مسؤولية كبيرة تتطلب التزامًا صارمًا بالمعايير العلمية والأخلاقية والرقابة الدولية. إن الاستخدام السلمي والآمن للانشطار النووي يمكن أن يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتوفير الطاقة للأجيال القادمة، بينما يؤدي سوء استخدامه إلى عواقب وخيمة على الإنسان والبيئة على حد سواء.







د.أمل الأسدي
منذ 22 دقيقة
هل كان الشيخ الوائلي يعلم؟!
بين الجامعة والوسط الأدبي
العيد في زمن كورونا
EN