في كل مدينة هناك أسماء تُولد لتبقى، حتى لو غابت أجساد أصحابها. في البصرة، ولدت بان زياد طارق لتكون طبيبةً للنفس، ولتداوي الجراح الخفية التي لا يراها أحد. لكن بان نفسها تحولت فجأة إلى جرح مفتوح، جرح في جسد مدينة كاملة، جرح في ضمير وطنٍ تعب من دفن أبنائه ثم دفن قضاياه معهم.
رحلت بان في ظروف غامضة، لكن الغموض لم يطفئ ملامحها بل أشعلها في قلوب الناس. لم يعد الشارع العراقي يتداول خبرًا عن حادثة "انتحار" كما أراد المسؤولون، بل رفع صورة بان بوجهٍ مبتسم، وبدأ يسأل: من الذي أراد أن يُسكت ابتسامتها من الذي قرر أن يغلق الملف بجملة باردة فيما الحزن يصرخ في كل بيت
صوت الشعب
الموقف الشعبي لم يكن صدىً عابرًا بل كان انفجارًا داخليًا. خرجت الأمهات بعيون دامعة كأنهن يودعن بناتهن، خرج الأطباء كأنهم يودعون زميلة من العائلة، وخرج الشباب لأنهم رأوا في بان مستقبلهم المخنوق. صار الناس يكتبون على جدران المدينة: "بان لم تنتحر"، صاروا يصنعون الحقيقة بأصواتهم بعد أن فقدوا الثقة بكل صوت رسمي.
لقد فقد الشعب إيمانه بوعود الساسة، فحوّلوا صمت المؤسسات إلى احتجاج علني. وبدل أن تكون بان مجرد ضحية جديدة، أصبحت رمزًا للكرامة المسلوبة، وأيقونة تقول: لسنا أرقامًا في نشرات الأخبار، نحن بشر نحلم ونعيش ونُقتل ونصرخ حتى بعد موتنا.
صدى العالم
لكن صدى الحكاية لم يتوقف عند حدود البصرة. وصل الخبر إلى العالم، إلى المنظمات الحقوقية التي تعرف أن قتل الحقيقة لا يقل جرمًا عن قتل الإنسان. الصحافة العالمية كتبت: "طبيبة عراقية ترحل في ظروف غامضة"، لكنها كانت تقرأ ما بين السطور: أن هذه البلاد تعيش معركة يومية بين النور والظلام، بين الشفافية والتستر.
في العواصم البعيدة، لم تكن بان مجرد اسم، بل كانت رمزًا لمعركة النساء في الشرق الأوسط، ورمزًا للكفاءات التي تغتالها أيادٍ مجهولة أو تُدفن خلف عناوين باردة. بالنسبة للمجتمع الدولي، القضية ليست حدثًا محليًا بل اختبارًا: هل يستطيع العراق أن يقدّم للعالم تحقيقًا نزيهًا أم أنه سيبقى يدور في دوامة التبرير والإنكار
بان بين الضمير والذاكرة
بان اليوم لم تعد مجرد طبيبة نفسية من البصرة. صارت ضميرًا يتجول بين الناس، يسكن في صور الفتيات، في أصوات الطلاب، في احتجاجات الأطباء، وفي مقالات الصحف العالمية. صارت سؤالًا يطارد الجميع: هل نحن أمة قادرة على حماية بناتها هل نحن وطن يحفظ كرامة كفاءاته أم أننا اعتدنا أن ندفن الحقيقة قبل أن تكتمل
بان لم تُقتل مرة واحدة. قُتلت حين توقفت أنفاسها، ثم قُتلت حين حاولوا أن يغطوا جراحها بعبارة "انتحار". لكنها عاشت مرتين: عاشت حين حملها الناس في قلوبهم، وعاشت حين تحولت قصتها إلى قضية لا يعرف العالم كيف يسكت عنها.
خاتمة
إن الموقف الشعبي الصادق، والرأي الدولي المتعاطف، يلتقيان عند نقطة واحدة: لا مستقبل لوطن يدفن الحقيقة. دم بان صار وعدًا جديدًا بأن العراقيين لم يعودوا يرضون بالصمت، وأن العالم لم يعد يقبل التبريرات السطحية. هذه ليست قضية فرد، بل قضية وطن بأكمله.
بان لم تعد غائبة، فهي تحضر في كل سؤال يُطرح على الساسة، وفي كل لافتة يرفعها الشعب، وفي كل تقرير يكتبه صحفي بعيد. إنها حية لأن الحقيقة لا تُدفن، وإن حاولوا.







وائل الوائلي
منذ يومين
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN