من سوء الطالع في تاريخنا نحن ــ العراقيين ــ أن يضطهد ابنُ الريف العراقي مرّتين , مرّة على يد الحكومات المتعاقبة ومرّة أخرى على يد أبناء جلدته , فقد أهملت الحكومات المتعاقبة الريف إهمالا بيِّنا حتى وصلت نسبة الأميّة هناك إلى ما يقارب السبعين بالمائة من سكانه فيما بلغ الفقر والعوز المادي مبلغه , وعُدِمتْ الخدماتُ جميعا حتى تقطَّعت السبل بهذه الشرائح الهامّة , وسُلِّط عليهم من لا يرحمهم دهورا , وكان من جرّاء ذلك تلك الهجرة الهائلة من الريف إلى المدن بحثا عن لقمة العيش وسعيا نحو ما تجود به المدينة من خدمات , ومن جهة أخرى تقاصر الإنصاف ــ ومازال ــ حتى بُخست حقوقُّ هذه الشرائح أيَّما بخس على يد عدد من كتّاب الدراما والفنانين العراقيين , فمنذ سنوات عمدت الدراما العراقيّة إلى تقديم أعمال تمثيليّة تدور أحداثها في الريف العراقي يُراد منها ظاهرا تصوير الواقع الاجتماعي والتاريخي والثقافي لأبناء الأرياف , لكنّ الملاحظ على الصورة التي قدمتها تلك الأعمال الدرامية السطحية والهزال المتعمدين , حتّى أن المتابع ليظن أن ما يُقدَّم في هذه الأعمال لأناس لا علاقة لهم بأبناء الريف أبدا, ولا تعكس سجاياهم في الغيرة والكرم والحسجة والطيبة والنخوة , فلم نجد حكمة الريف العراقي أبدا في تلك الأعمال , بل تبدو الإساءة مقصودة من خلال المبالغة في تسطيح شخصية ابن الريف العراقي وتتفيهه , والأكثر من ذلك يظهر هؤلاء الممثلون جهلا تامّا بخفايا لهجة أبناء الريف وطرق كلامهم وحسجتهم في كلِّ ذلك , ويظهرون غباءً لا حدَّ له في سبر شخصيته , فضلا على ركاكة جليّة في الأفكار والموضوعات التي تقدم وتناقضات فنية لا حصر لها .
وبغض النظر عن أسباب هذا الاضطهاد والتجاهل بله الإساءةَ المتعمدةَ أحيانا , فإنه من الفرية التجنِّي على شعب بأكمله , أو الغض من قدره , فتاريخ العراق هو تاريخ أبناء الريف , فهؤلاء هم من حرّك الساكن حين ركدت الهمم سنوات أثناء الاحتلالات المتعاقبة : العثماني والبريطاني والأمريكي , وكان هؤلاء اليد الضاربة بيد السلطتين الدينية والرسمية وقت تخبط الشدائد عشواء , فضلا على أن الريف العراقي يمثل الينبوع الثرّ للثقافة والمثقفين العراقيين , وما ذكرتهُ موسوعات أعلام العراق خير شاهد على ذلك , فبأمجاد هؤلاء ندرِّس التاريخ لأبنائنا , ومازلنا نفخر بأنفسنا لو امتلكنا سجيّة من سجاياهم في الكرم والنخوة والطيبة , ومن منّا مَنْ لا يمتدُّ جذرُه في عمق الريف ؟
ثم دعونا نتكلم بصراحة هل يختلف ابن الريف العراقي عن ابن المدنية كل هذا الاختلاف الذي تظهره المسلسلات العراقية حين تصور أبناء الريف وكأنهم شعب آخر متناسية أن العراق من البلدان التي تكاد الفوارق اللهجيّة والسلوكية تختفي بين أبنائه , ثم أنَّ المدينة العراقية على رأي علي الوردي ليست مدينة خالصة تماما فمدننا في واقع الأمر تمثل خليطا كبيرا من أبناء الأرياف , وهذا أمر واضح لا ينكره إلا معاند .
العتب كل العتب على المثقفين من الفنانين العراقيين لانسياقهم مع هذه الأعمال الهزيلة .







د.فاضل حسن شريف
منذ 22 ساعة
منهجية الإصلاح وتقويم الأمم
أدباء المنصة
رؤية المؤسسات الدولية للحوزة العلمية في النجف الأشرف
EN