سلسلة في مفاهيم الفيزياء
الجزء الخامس عشر: الموجة التي جمعت بين الاحتمالين
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
24/6/2025
سوف ننظر الآن في الوصف النظري الكمومي للتجربة الثانية من تجارب الحاجز المحتمل التي نوقشت في مقالات سابقة. في هذه التجربة، وكما نتذكر، وُضعت مرايا يمكنها أن تعيد كلاً من الجسيمات المنعكسة والمنقولة إلى نفس مجموعة الكواشف.
نبدأ بالحالة الابتدائية ذاتها. وفي هذه المرحلة، وبدرجة جيدة من التقريب، يمكن اعتبار الدالة الموجية بمثابة مجموع دالتين موجيتين: إحداهما تمثّل القيمة اليسرى، والأخرى تمثّل القيمة اليمنى.
لاحظ أن عملية جمع الدالتين الموجيتين تُعد بسيطة في هذه المرحلة، إذ إنه في كل نقطة في الفضاء، إما أن تكون إحدى الدالتين غير صفرية أو الأخرى، وليس كلاهما معًا. وبالتالي، في الحركة اللاحقة، ستتطوّر كل قيمة بشكل مستقل، بل إن حركتها ستشبه إلى حدّ بعيد الحركة الكلاسيكية لجسيم حر. (ولا أهمية هنا لكون القيمة الكلية للدالة لا تساوي الواحد.)
في نهاية المطاف، إذا كانت المرايا موجودة، ستلتقي الموجتان في منطقة الكواشف. عند هذه المرحلة، لم تعد عملية الجمع بسيطة، لأن كلتا الدالتين الموجيتين تكونان غير صفريتين في نفس النقطة. وهذا يعني أن الظاهرة التي أُشير إليها سابقًا تصبح ذات صلة، وأن الاحتمال الناتج عن جمع الدالتين الموجيتين لا يساوي مجموع الاحتمالين المرتبطين بكل دالة على حدة.
نكون بذلك أمام مثال على ظاهرة فيزيائية بالغة الأهمية تُعرف باسم "التداخل". وهي تحدث في نطاق واسع من الظواهر الفيزيائية التي تكون فيها التأثيرات الكمومية ذات صلة.
كمثال توضيحي، يمكننا تخيّل حصاتين تُرمى على سطح بركة ساكنة. ستنتشر التموجات من نقطتي الاصطدام. في بعض المواقع على سطح البركة، سيتزامن "الارتفاع" الناتج من الموجتين، مما يؤدي إلى تضخيم التأثير، وفي مواقع أخرى، ستتزامن "الارتفاعات" من إحدى الموجتين مع "الانخفاضات" من الأخرى، مما يؤدي إلى إلغاء التأثير، ويبقى سطح الماء ساكنًا.
أما في مسائل التداخل الكمومي، فالوضع يكون أكثر تعقيدًا، لأننا لا نجمع مجرد أرقام، بل نضيف دوالًا موجية يمكن أن تكون موجبة أو سالبة، وتعتمد على "الزوايا بين الخطوط". وهذا يعني أن الشكل الدقيق للدوال الموجية التي يتم جمعها يعتمد على طول المسار إلى كل كاشف محدد. ومن ثم، فإن طبيعة التداخل الذي نلاحظه تعتمد على الكاشف الذي نأخذه في الاعتبار.
ومن المؤكد، بشكل عام، أن الاحتمال الناتج عن مجموع الدالتين الموجيتين سيكون مختلفًا عن مجموع الاحتمالات الناتجة عن كل دالة على حدة.
من الممكن، بالطبع، إجراء حسابات تفصيلية تؤدي إلى نتائج دقيقة. كما يمكن تنفيذ حسابات مشابهة لحالات أخرى تحدث فيها ظواهر التداخل الكمومي، حيث يمكن التحقق من النتائج من خلال التجارب.
ومن بين هذه الحالات، تكتسب التجارب التي يُبعث فيها الإلكترون من البلورات أهمية خاصة؛ ففي هذه التجارب يحدث التداخل بين أجزاء من الدالة الموجية المتناثرة من مواضع مختلفة داخل البلورة. إن مقارنة النتائج التجريبية مع التنبؤات المحسوبة توفّر معلومات عن البنية البلورية.
ومن المفيد هنا التطرّق بإيجاز إلى خلفية تاريخية.
لقد دار صراع طويل الأمد بين نظرية جسيمية للضوء (التي ناصرها إسحاق نيوتن) ونظرية موجية. وكان الاعتقاد السائد أن الموجات قد انتصرت بعد رصد ظاهرة التداخل عند مرور الضوء من خلال شقين. فالتداخل يستلزم وجود موجات. ولذلك، كان من الصادم حين ظهر أن الإلكترونات، والتي طالما اعتُبرت جسيمات، تبدي أيضًا آثارًا تداخلية.
وقد أصبحت هذه السلوكيات الازدواجية تُعرف باسم "ازدواجية الموجةالجسيم". وتنطبق هذه الازدواجية نفسها على الإشعاع الكهرومغناطيسي، والذي يُعد الضوء مثالًا عليه. فجسيمات الضوء تُعرف بالفوتونات.
في مثال حاجز الجهد المحتمل الذي تناولناه، تظهر الطبيعة الجسيمية بشكل أوضح في الجزء الأول من التجربة، حيث يُرصد الجسيم إما على أنه قد نُقل أو انعكس. أما الطبيعة الموجية فتظهر في الجزء الثاني، حيث تُلاحظ آثار التداخل.
وتنجح نظرية الكم في دمج كلا الجانبين معًا، كما تتيح حساب الظواهر المجهرية كافة، بما في ذلك تلك التي تنطوي على تأثيرات نسبية.
وسيُعرض في مقالات لاحقة لمحة عن بعض أنجح هذه النظريات وهي ميكانيكا الكم النسبية التي توضح مدى تطور هذا المجال.
يتبع في الجزء السادس عشر







محمد عبد السلام
منذ 4 ساعات
جاهزية الاستعداد لشهر رمضان
بغداد فرحة العرب
العمل التطوعي لمجتمعٍ متراحم
EN