سلسلة في مفاهيم الفيزياء
الجزء الرابع عشر: الموجة التي لا تُرصد، والجسيم الذي يُرصد
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
23/06/2025
نأخذ نموذج حاجز الجهد الذي تكلمنا عنه في مقالات سابقة. نحن نحتاج في هذا النموذج إلى حالة ابتدائية تتوافق قدر الإمكان مع الحالة الكلاسيكية، أي جسيم يقع على يمين الحاجز ويتحرّك باتجاهه بسرعة معروفة. ولتحقيق ذلك، نختار دالة موجية ذات مقدار كبير في جوار الموضع الابتدائي، وتتسم بتذبذب زاوي بحيث يكون متوسط السرعة مساويًا لسرعة الجسيم.
ومن الطبيعي أن يكون هناك عدم يقين في الموضع والسرعة، وفقًا للنظرية الكمية. تمثل القيم الممكنة لمربع مقدار الدالة الموجية الاحتمال، وبما أننا نتعامل مع جسيم واحد، فإن مجموع هذه القيم يساوي واحدًا.
تحدد معادلة شرودنغر السلوك اللاحق لهذه الدالة الموجية. نحن لن نناقش طريقة حل المعادلة، بل سنعرض فقط النتائج. يتحرّك الجسيم بشكل دالة موجية نحو الحاجز بسرعة تقريبية مساوية للسرعة الابتدائية، وهو ما يشبه الحركة الكلاسيكية لجسيم في منطقة لا توجد فيها قوى. ويطرأ، بالإضافة إلى ذلك، تغيير طفيف في شكل الدالة الموجية مع مرور الوقت.
وعندما تصل الدالة إلى الحاجز، حيث يبدأ تأثير القوة في الظهور، تنتشر الدالة بشكل أسرع، ثم تنقسم إلى دالتين تتحركان في اتجاهين متعاكسين: إحداهما منعكسة، والأخرى منقولة عبر الحاجز.
ومن النتائج المترتبة على معادلة شرودنغر أن المساحة الكلية تحت منحنى مربع مقدار الدالة الموجية تظل ثابتة طوال الحركة، وهو ما يجب أن يكون صحيحًا من منظور تفسير الاحتمالية إذ لا بد للجسيم أن يوجد في مكان ما دائمًا. يُعطى احتمال وجود الجسيم على الجانب الأيمن من الحاجز (أي أنه تم نقله) من خلال الدالة اليمنى، بينما يمثل احتمال الانعكاس بالدالة اليسرى. تتيح لنا هذه الحسابات التنبؤ بالاحتمالات، ومقارنتها بالنتائج التجريبية. وفي جميع الحالات التي تمت فيها مقارنة حسابات معادلة شرودنغر مع التجربة، كان التوافق مثاليًا. ومن الجدير بالذكر أن النتائج الكمومية تتفق مع النتائج الكلاسيكية عندما يكون الحاجز منخفضًا جدًا أو عاليًا جدًا أي عندما يكون احتمال الانعكاس أو النقل قريبًا من 100.
لكن يجب أن ننظر بشكل أعمق إلى ما تخبرنا به تجربة الحاجز الكمومي فعليًا. بعد اصطدام الدالة الموجية بالحاجز، تصبح الاحتمالية، ومن ثم دالة الكثافة الاحتمالية، موزعة بين قيمتين. نحن هنا نتجاهل حقيقة أن القيمتين غير مفصولتين تمامًا، إذ تبقى الدالة الموجية غير معدومة بينهما، ولكنها صغيرة جدًا.
فماذا يحدث عندما نجري عملية رصد تخبرنا ما إذا كان الجسيم قد انعكس أم لا بوضوح، نحن "نختار" إحدى القيمتين في الدالة الموجية. وبعبارة أخرى، نقول إن الدالة الموجية قد انتقلت فجأة من حالة بها قيمتان إلى حالة بها قيمة واحدة فقط. وتُعرف هذه العملية باسم "اختزال الحزمة الموجية". ما تعنيه هذه العملية، ومتى وأين تحدث، هي مواضيع سنعود إليها لاحقًا.
وختامًا، نؤكد أن الدالة الموجية تتحدد بالكامل من الشروط الابتدائية بطريقة حتمية تمامًا. فإذا عرفنا الدالة الموجية الابتدائية بدقة، يمكننا حساب تطورها في أي وقت لاحق بدقة مماثلة، وبالتالي معرفة احتمالات الانعكاس أو النقل. أما السلوك الاحتمالي غير الحتمي لتجربة الحاجز الكمومي، فلا يرجع إلى دالة الموجة بحد ذاتها، بل إلى حقيقة أننا لا نرصد الدالة الموجية، بل نرصد موضع جسيم منفرد تفاعل معها.
يتبع في الجزء الخامس عشر







محمد عبد السلام
منذ 4 ساعات
الشيخ المقدسي (رحمه الله)
عراق الحسين (ع) - من وحي الأربعينية
حوار من عالم آخر مع احد الناجين من "فيروس كورونا"
EN