قال تعالى : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65] .
المقدمة :
يعد الحكيم وسيلة مهمة للفصل في النزاعات عرفتها البشرية منذ القدم ، وطريقة فعالة للفصل في مختلف النزاعات وذلك بعد اتفاق الخصوم عليه ، ونصت عليها مختلف التشريعات السماوية ومنها الدين الاسلامي في اكثر من مناسبة ، وقد اكتسب التحكيم في العصور المتأخرة اهمية كبيرة خصوصا على المستوى الدولي فظهرت التشريعات الداخلية التي نظمت التحكيم وتناولت احكامه المختلفة والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها اغلب الدول ومراكز التحكيم المختلفة التي تتناول التحكيم في جوانب متعددة ، فاصبح ضرورة من ضروريات التجارة الدولية بعد ان اكتسب قبولا عالميا وازداد لجوء الاشخاص والدول اليه لحل مختلف المنازعات .
ولتمييز معنى هذا المفهوم فقد قمنا بالبحث فيه من جوانب فقهية وتشريعية وقضائية بين عدة دول لنعالج بذلك اي غموض ممكن ان ينطوي على هذا المصلح .
ولأجل دراسة التعريف من مختلف جوانبه سيتم تقسيم الموضوع كما يلي :
اولا : التعريف الفقهي للتحكيم :
لم يتفق الفقه على تعريف محدد للتحكيم وتنوعت التعاريف باختلاف الباحثين ، وسنقتصر على ثلاثة تعاريف وكما يلي :
- يعرف الفقيه الفرنسي "Robert" التحكيم بأنه نظام للقضاء الخاص تقصى فيه خصومة عن اختصاص القضاء العادي ويعهد بها إلى أشخاص يختارون للفصل فيها (1) .
- ويعرفه الدكتور محسن شفيق بأنه: "طريق لفض المنازعات وملزم لأطرافها" (2) .
- ويعرفه الدكتور رضوان أبو زيد بأنه "نظام لتسوية المنازعات عن طريق أفراد عاديين يختارهم الخصوم إما مباشرة أو عن طريق وسيلة أخرى يرتضونها" (3) (4) .
ويؤخذ على التعريف الاول والثالث انهما لم يبينا الصفة الالزامية للتحكيم ، والثاني عدم تمييزه عن القضاء العادي لذلك يمكن تعريفه : (نظام اتفاقي قضائي لرفع المنازعات بالواسطة) .
ثانيا : التعريف التشريعي للتحكيم :
سنبين الموقف التشريعي من خلال ما يلي :
1- العراق : لم يعرف قانون المرافعات المدنية العراقي رقم (83) لسنة (1969) التحكيم بالرغم من تناول أحكامه في المواد 251 الى 276، اما مقترح قانون التحكيم التجاري العراقي لسنة 2011، فقد عرفت المادة-1- اولا التحكيم بانه : اسلوب يختاره اطراف النزاع لحله من محكم او اكثر بدلاً من اللجوء للقضاء .
2- مصر : عرف قانون ٢٧ لسنة ١٩٩٤ اتفاق التحكيم في المادة ١٠ بأنه : اتفاق الطرفين على الالتجاء إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة سواء كانت عقدية أو غير عقدية (5) .
3- المغرب : عرف قانون المسطرة المدنية المغربي التحكيم في الفصل 306 يراد بالتحكيم حل نزاع من لدن هيئة تحكيمية تتلقى من الأطراف مهمة الفصل في النزاع بناء على اتفاق تحكيم (6).
ثالثا : التعريف القضائي للتحكيم :
- عرفت محكمة النقض المصرية التحكيم بانه : طريق استثنائي لفض المنازعات والخروج عن طرق التقاضي العادية ولا يتعلق شرط التحكيم بالنظام العام ويجب التمسك به أمام المحكمة فهي لا تعنى بإعماله من تلقاء نفسها ويجوز التنازل عنه صراحة أو ضمنًا ويسقط الحق فيه بعد التكلم في الموضوع (7) .
- كما عرفته محكمة التمييز الأردنية "بأنه احتكام الخصوم إلى شخص واحد أو أكثر لفصل النزاع بينهم "(8) (9) .
1 - محمود الكيلاني، عقود التجارة الدولية في نقل التكنولوجيا، مجموعة الرسائل العلمية، عبير الكتاب القاهرة، 1988 ، ص503 .
2 - ناريمان عبد القادر، اتفاق التحكيم، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة- 1984، ص25 .
3 - عبد الحميد المنشاوي، التحكيم الدولي الداخلي، منشأة المعارف، الاسكندرية، 1995م، ص7 .
4 - انقسم الفقه في التعريف الى اتجاهين موسع وهو اتحاه فرنسي لاتيني ويتزعمه ( Gaillard) حيث يوسع هذا الاتجاه في قرارات التحكيم فيشمل كل إجراء من شانه الفصل في النزاع كليا أو جزئيا مثل ما يتعلق بصحة العقد والقانون الواجب التطبيق ، وبالتالي يمكن الطعن بها على اعتبار أنها أحكام تحكيمية ، ومضيق وتزعمه عدد من الفقهاء السويسريين حيث ذهب هذا الاتجاه الي ان القرارات الصادرة عن هيئة التحكيم التي تفصل في النزاع كليا أو جزئيا تعتبر قرارات تحكيمية وبالتالي فان أي قرار يصدر عن هيئة التحكيم ولا يفصل في طلب محدد لا يعتبر قرارا تحكيميا (رامي وليد عبابنه ، الطبيعة القانونية لقرارات التحكيم التجاري الدولي وتنفيذها ، رسالة ماجستير ، الاردن ، جامعة آل البيت ، كلية القانون ، سنة 2005 ، ص29-33) .
5 - المستشار عبد الراضي السيد حجازي ، موسوعة التحكيم الدولي التحكيم الفيديك (FIDIC) والبري والبحري والجوي ، ج1 ، ص23.
6 - انظر القانون رقم 08.05 القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية الصادر الأمر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.07.169 بتاريخ 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر2007)، الجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 25 ذو القعدة 1428 (6 ديسمبر 2007)، ص 3894 .
7 - محكة النقض ٨٦ / ٧٠ ق جلسة ، ٢٠٠١/١١/ ٢٦
8 - قرار محكمة التمييز الأردنية رقم 37/72 لسنة 1972م، ص380مجلة نقابة المحامين الأردنيين العددان الخامس والسادس .
9 - اما تعريف الاتفاقيات الدولية فقد عرفت اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري لعام 1987عرفت التحكيم بالمادة الاولى بانه : إتفاق التحكيم هو إتفاق الأطراف كتابة على اللجوء الى التحكيم سواء قبل نشوء النزاع أو بعده ، وعرف القانون النموذجى للتحكيم التجارى الدولى (UNCITRAL) عام (1985) في الفصل الثانى المادة 7 اتفاق التحكيم ( هو اتفاق بين الطرفين على ان يحيلا الى التحكيم جميع او بعض المنازعات المحددة التي نشأت او قد تنشأ بينهما بشان علاقة قانونية محددة تعاقدية كانت او غير تعاقدية ويجوز ان يكون اتفاق التحكيم في صورة شرط تحكيم وارد في عقد او فى صورة اتفاق منفصل) ، فيحين لم تعرفه معاهدة نيويورك لعام 1958 المتعلقة بالاعتراف بالقرارات التحكيمية وبتنفيذها.







وائل الوائلي
منذ 1 يوم
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN