زارت مدينة كربلاء المقدسة الرحالة البريطانية الليدي درور مؤلفة كتاب (المندائيون في العراق) وكتاب (على ضفاف دجلة والفرات )الحائزة على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة اكسفورد ، ووصلت للعراق في مطلع تشكيل الحكومة العراقية في العهد الملكي وقامت بنشر رحلتها في كتاب نشر عام 1923 وقد خصصت الكاتبة فصلاً كاملاً عن المدينة اخترنا منه هذه السطور :
كربلاء : وتلي كربلاء – عند الشيعة – ( النجف ) من حيث الأهمية ، وفي مقدور المرء أن يزورها من النجف أو الحلة . ولا يسلك الطريق الصحراوي الذي يربطها بالنجف إلا لماماً ، لكن الزوار ، على الرغم من ذلك ، يسلكون الطريقين دوماً . ولو ترك المرء ( النجف ) وسلك هذا السبيل فإنه يشاهد أولاً الكثير من القبور ، ومنها ما تعلوه القباب المغشاة بالقاشاني المموه ..
وبين النجف وكربلاء قاع صفصف رملي وآثار الطريق المتيهة التي تربط المدينتين سريعة المحو ، ولا سيما عند هبوب العجاج لذلك ، كثيراً ما يضل السالكون الطريق . إن طولها 40 ميلاً ، وليس فيها من المعالم شيء ، وقد تغور عجلات السيارة في كثيب ...
وكان يوماً فاختي اللون من أيام شباط عندما سلكت هذا الطريق ... وقنابر الصحراء ، وهي ليست بذات عرف ، دائبة الشدو والغناء . ولا تعدم الصحراء هذه ، على الرغم من الملوحة الظاهرة عليها ، شيئاً من النبت ، وفيها زهرات لا عهد لي بها من قبل . وقطفت منها زهيرة خشاش أرجوانية اللون وعذقاً من زهيرات برية غريبة أخرى . إن أرضها مسطحة محصاة ، ومهما بلغ تسكاب المطر عليها من شدة فهي باقية كبلقع مهجور . وما إن يقترب المسافر منها إلا وتتلاشى الخضرة التي تتراءى في الأفق ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ) . وتنبت فيها الأعشاب متباعدة ، لذلك تظهر الأرض وكأنها جرداء رمادية .
ومررنا في طريقنا ب( خان المصلى ) وهو على بعد 12 ميلاً من النجف . وتوجد من مثل هذا الخان ثلاثة ، إنها على الطريق بين كربلاء والنجف ، وهي محصنة جميعاً . وفي مقدور الزوار أن يجدوا فيها المأكل والمشرب والمأوى . ووقفت بنا السيارة عند خان حماد وهو في منتصف الطريق تماماً . إنها قرية ذات أسوار عالية ، وفيها بيوت ، ودكاكين واسبلات وأجنحة خاصة بالزوار . وهؤلاء يخشون أبناء العشائر كثيراً ولعل هذه الملاجئ المحصنة خير دريئة تقيهم أخطار مكان منعزل كهذا الطريق ...وفي سرع سريع انطلقت السيارة بنا نحو كربلاء ، ولم نزر في طريقنا إليها ( خان النخيلة ) . وتلتقي الصحراء بالمدينة على حين غرة ، وعلى مسافة تقرب من ميل ، خارج كربلاء نفسها ، ومن بعيد تتراءى قباب كربلاء ومنائرها بين النخل . إن شذى زهور الباقلاء هو أول ما تستروحه في مسرى نسماتها الحلوة العليلة ... وأنت مقبل على المدينة . ويتكاثف الشجر ، ويطالعك بعده منظر ساحر فتان . هذا نور كثير من أنوار اللوز والتفاح ، إنه يتلألأ بين النخيل ، وتتدلى أغصان شجره القائم على ضفاف ( الحسينية ) فوق صفحة مائها الصافي الرقراق . وهذا طريق آخر بين الجنائن ويفضي الى المدينة نفسها .
وبعد النجف – وخططها جامدة على ما رأيت – تطالعك كربلاء فتنة للناظرين . فشوارع الجزء الحديث من المدينة مفتوحة مستقيمة ، وكأنها هندمت بالقدة والفادن والبركار .... لقد خلفنا الصحراء المقفرة المالحة ظهرياً ، فنحن الآن في أرض رسوبية خصبة . وبيوت القسم القديم من المدينة تحيط بمساجه . إن شوارع هذا القسم ملتوية ، ولا حظ لها من انتظام . ولكربلاء مقبرة في (وادي الأمان) وإليها تنقل أجداث الموتى من كل بلد ناء سحيق . إن كانت النجف هي الرأس المفكر عند الشيعة فالقلب كربلاء .. فمجرد ذكر اسم (الحسين) الذي تضم تربتها رفاته يثير في نفوس الشيعة أقوى أحاسيس الولاء له . وتبكي نسوة العراق اليوم الحسين كما بكت بابل تموز في الماضي القديم . وسرد قصة ما عاناه الشهيد يثير فيهن الأسى فتقطع منهن نياط القلوب . وعلى مقربة من موقع كربلاء اليوم حاصر هراطقة الخليفة وجنده الحسين بن علي ومنعوا عنه الماء ، ثم أجهزوا عليه . إنها أفجع مآسي تاريخ الإسلام طراً . والقصاص في شهر محرم ، يروونها وتمثل وقائعها كمأساة : فهناك رجال يرتدون ملابس خاصة ليمثلوا شخصياتها الرئيسة . إنهم يسيرون في موكب يطوف بالمدينة ، وبينهم الفرنجي – وقد ألبسوه قبعة شمسية وملابس أوروبية – وتروي الأساطير أنه أسدى للحسين معروفاً .
إنهم يحتفلون بذكرى الفاجعة في جميع الأمكنة التي يحلون فيها ، وكربلاء دوماً في المقدمة منها . ذلك أن جثمان الشهيد مقبور فيها تحت قبة ( الحضرة الكبيرة ) – وهي أشد العتبات المقدسة حرمة وأكثرها ثروة . وإن شهر محرم هو الشهر المفضل أداء الزيارات إليها . وفي كربلاء مسجد آخر تعلوه قبة مغشاة بالقاشاني ومنائر ذهبية ويضم رفات الإمام العباس ، وهو أخ للحسين من أبيه . ولو أقسم الشيعي حانثاً بالحسين لما ناله عقاب ، فالإمام وديع يصفح ، لكن العباس عصبي المزاج وعسكري صارم ، يؤمن بالضبط والربط ، لذلك لن يجسر أحد على أن يقسم به حانثاً . ألم تر في سقف مسجد الإمام العباس رأس رجل معلق به ؟! قيل إنه أقسم بإسم الإمام زوراً ، فما كان من الرأس إلا أن يطير عن الجسد ويلتصق بالسقف . فإن أقسم أمرؤ بالعباس زوراً فلا معدى من أن يصيبه مثل هذا .
وكربلاء غنية بالأركان الملونة الجميلة ، وجمالها ليس كجمال النجف ، لكن الشارع العظيم المستقيم المؤدي الى المسجد الكبير له حظ من الخلابة أو الجدة . وتنتهي أسواقها المتعرجة دوماً بأبواب تعلوها طوق مغشاة بالقاشاني . ومن هذه الأبواب يصار الى مرقد الحسين البهيج ...
والدكاكين في أسواق كربلاء مغرية ، وفيها كثير من العطارين . ولو سألتهم أن يسمحوا لك بشم إحدى قناني الروائح العطرية الصفراء ، أو اختبار ما تريد شراءه منها لما وقفوا دون ذلك . وفيها باعة الأحجار الكريمة والمجوهرات يعرضون عليك الحلي الذهبية والصناديق التي تحفظ فيها التعاويذ ، أو جزءاً من القرآن الكريم ، والحجول ، ذهبية وفضية ، وما هو مخصص منها للأطفال ذو أجراس ، كذلك الأقراط الفارسية وهي جميلة الصنع ومموهة . وفي مقدورك أن تشتري السبح من كل نوع أيضاً ، ومنها ما صنع من خشب الزيتون ، أو من الكهرمان أو غيره ... ومنها ما هو مصنوع من الزجاج الرخيص أيضاً .
وتختص كربلاء بنوعين من الحرف : إعداد الأكفان للموتى ، وإنك لتجد على هذه الأكفان سوراً من القرآن ، وصنع ( الترب ) من طين المدينة وتزيينها بالزخرف . وفي مقدور الزائر ، لذلك ، أن يرجع الى بلده ، ومعه الكفن الذي يدخره ليوم موته ، وتربة يسجد عليها كل يوم عند صلاته .
هذا والفواكه والخضر في كربلاء موفورة ، ومنها التمور ، على أنواعها ، والبرتقال والليمون ، والباذنجان ، والخس ، والباقلاء ، وما الى ذلك ... وشاهدت فيها السلال مليئة باللوز والجوز . وفي دكاكين الحلواتية كثير من الحلوى الإيرانية ، وفطائر وولائق ذات ألوان فاتحة ، وفيها اللقم التركي .
ويرتدي أهل المدينة الكفافي أو يعتمون بالعمائم . ولعل شوارعها اليوم هي نفس الشوارع التي شهدتها أيام الإسلام الأولى . وللتعصب فوائد ، ولا سيما من الوجهة الجمالية .
وهناك صناعة أخرى تجعل السوق فتنة للناظرين – تلك هي صناعة السلال الملونة ، تحاك في المدينة ، ويشتريها كثير من زوارها .
وتعنى بزوار كربلاء ، شأن باقي زوار العتبات المقدسة ، طائفة محترفة خاصة من الناس . ولدى كل فرد منها منهج مرسوم لزيارة المساجد ، وإقامة الصلاة ، وإرسال الدعاء ، وهم يحصلون لقاء ذلك على شيء من الأجور والعطايا . وفي داخل المسجد لوحات دونت عليها أدعية خاصة يرددها الزائر التقي ، كما أن فيه طائفة من الناس تعيش على نفحاته . وفي مقدمة ما يلتزم الزائر به الطواف حول المرقد .
ويقال إن مرقد الحسين على شيء كبير من النفاسة والجمال ، وعلى الرغم من أن الهبات والعطايا لبتي تنثال عليه لا تضاهي ما ينثال منها على مرقد النجف ، فهي كثيرة نسبياً . ونفائس المرقد مخبأة ويعنى بها قيمه (الكليدار) .
وعدد المقاهي في كربلاء أكبر من عددها في النجف . إنها تكسب شوارع المدينة مسحة محببة . ولا تستنكر الشيعة ، على غرار ما يفعله السنيون والوهابيون ( المتطهرون ) رسم الصور البشرية ، لذلك فإنك تجد جدران المقاهي مزدانة بالصور . ولقد لحظت منها سلسلة تمثل قصة ( رستم وسوهراب ) ووقائع حربية ، ومناظر في الحريم وما الى ذلك . كما أني رأيت صورة طير كبير له رأس امرأة ، ولعله ( سمرك ) المذكور في الأساطير الفارسية . وهناك صور أخرى مستوحاة من الأساطير والتاريخ أيضاً .
وعلى مقربة من باب الحلة مقهى يختلف إليه كثير من السادة . إنهم يجلسون فيه بعمائمهم الخضراء الزاهية ويحتسون القهوة ... وفوق رؤوسهم بلبل يشدو في قفص ... إنه منظر يمتع الناظرين .







د.أمل الأسدي
منذ اسبوعين
أكثر من حجة في ذي الحجة
العنوان سرّ الكتاب
لماذا كان الزلزال في تركيا وسوريا من أقوى الزلازل في التاريخ؟
EN