الحديث الثامن والثلاثون: [نحن المثاني]
ما رويناه بالأسانيد السابقة عن عليّ بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن الباقر (عليه السلام) قال: «نحن المثاني التي أعطاها اللَّه نبيّنا صلى الله عليه وآله)، ونحن وجه اللَّه نتقلّب في الأرض بين أظهركم، عرفنا من عرفنا، وجهلنا من جهلنا، من عرفنا فأمامه اليقين، ومن جهلنا فأمامه السعير» (1).
إيضاح:
قوله (عليه السلام): «نحن المثاني» إشارة إلى قوله تعالى مخاطباً لنبيّه (صلى الله عليه وآله): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]، والمعروف بين المفسّرين أنّ السبع المثاني سورة الفاتحة، وقيل: هي السور السبع الطوال، وقيل: مجموع القرآن، لقسمته أسباعاً، و«من المثاني» بيان للسبع، وهي من التثنية، أو الثناء، فإنّ كلّ ذلك مثنّى تكرّر قراءته وألفاظه وقصصه ومواعظه، أو مثنّى بالبلاغة والإعجاز، أو مثنٍ على اللَّه بما هو أهله من صفاته العظمى، وأسمائه الحسنى.
ويمكن أن يراد بالمثاني القرآن، أو كتب اللَّه كلّها، فتكون لفظة «من» للتبعيض، وقوله: «والقرآن العظيم» من عطف العام على الخاص، أو الكلّ على الجزء، إن أريد ب «السبع» الآيات، أو السور، وإن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر. هذا ما يتعلّق بالآية بحسب ما قاله المفسّرون.
وأمّا على ما فسّره (عليه السلام) من أنّ المراد بالمثاني هم (عليهم السلام) فيمكن أن يكون مأخوذاً من التثنية؛ لكونهم (عليهم السلام) قرنوا بالكتاب وجعلوا ثاني اثنين بالنسبة إليه في قوله (صلى الله عليه وآله): «إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي» (2).
أو لكونهم (عليهم السلام) قرنوا ثانياً بالنبيّ؛ لأنّه (صلى الله عليه وآله) هو الحجّة الأولى، وهم الحجّة الثانية؛ لكونهم خلفاءه وأوصياءه.
أو لأنّ لهم (عليهم السلام) جهتين: جهة روحانيّة متّصلة بعالم القدس والعلوّ والارتباط بذاته تعالى، وجهة بشريّة مرتبطة بالمخلوقين، أو من الثناء، أي من الذين يثنون على اللَّه حقّ الثناء. هذا كلّه لتوجيه المثاني.
وأمّا بالنسبة إلى توجيه (السبع) فيمكن من حيث أنّ المعصومين ما عدى النبيّ أسماؤهم سبعة والباقي متكرّر، فيكون معنى الآية: ولقد آتيناك يا أحمد من النسل سبعاً، أي سبعة أسماء الذين هم فاطمة وعليّ ونسلهما الغرر، وفيه نوع من التغليب.
أو يكون المعنى: قد أعطيناكَ من تقرّ بهم عينك من الحجج سبعة أسماء، فلا تغليب.
ويحتمل أن يكون الوجه فتخصيص السبع لانتشار العلم من سبعة منهم (عليهم السلام).
ويحتمل أن يكون معنى كونهم سبعاً من المثاني سبعاً مثنّاة، أي متكرّرات مرّتين، فيكونون أربعة عشر، وهم أربعة عشر بناءً على عدم التغاير بين المعطي والمعطى له.
أو يكون ما عدى النبيّ وبضميمة القرآن أربعة عشر بجعل الواو في القرآن العظيم للمعيّة.
ويحتمل أن يكون المراد: نحن المقصودون الممدوحون في السبع المثاني التي هي الفاتحة؛ لأنّها مشتملة على وصفهم ومدحهم ومدح طريقتهم وذمّ أعدائهم وطريقتهم في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7].
وقوله (عليه السلام): «فأمامه اليقين» أي الموت، فإنّه المراد بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، ويكون إشارة إلى حضورهم (عليهم السلام) عند الموت لدى أوليائهم وبشارتهم لهم بالجنّة، ووصيّتهم ملك الموت بالرفق بهم كما ورد في جملة من الأخبار.
أو يكون المراد أنّ معرفته بنا تنكشف له عند الموت وتكون يقيناً.
ومعنى كونهم (عليهم السلام) وجه اللَّه أنّهم يتوجّه بهم إلى اللَّه تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير القمّي، ج 1، ص 377، في تفسير الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 24، ص 114، ح 1.
(2) تحف العقول، ص 425؛ الأمالي للصدوق، ص 522، المجلس 79، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 188، ح 33565.