العلوم الزائفة وحدود المعرفة العلمية –الأرض المسطحة
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص62
2026-06-10
9
على الرغم من أن تلك العلوم المناهضة للعلم المؤسسي تستمر في جذب أنصارٍ، فإنه من النادر أن ينمو أيٌّ منها. على النقيض من ذلك، برزت نظريات الأرض المسطحة من أعماق اللاوعي الجمعي الغامضة لثقافتنا لتكتسب بعض الزخم. كشفت دراسة استقصائية أُجريَت عام 2018 أن واحدًا من بين كل ستة أمريكيين غير مقتنعٍ تمامًا بكروية الأرض، وفي عام 2019، أشارت دراسة أخرى إلى أن 7 في المائة من البالغين البرازيليين يرفضون هذه الفكرة من أساسها. ولكن ثمة مفارقة هنا. في الخطاب الشعبي، يُنظر إلى فكرة أن «الأرض مسطحة» على أنها ارتدادٌ إلى القرون الوسطى، ورفض كل ما هو حديث. في الواقع، منذ أيام أفلاطون وأرسطو على أقل تقدير، التزم الفكر الغربي بإيمانٍ راسخٍ بكروية الأرض. لم يكن الجدل المحتدم يدور حول شكل الأرض، بل ما إذا كانت خطوط العرض الجنوبية مأهولة (أو حتى قابلة للسُّكنى). ومع استثناءات محدودة للغاية — كالكاتبَين المسيحيَّين القديمين لاكتانتيوس وكوزماس إنديكوبليوستس، اللذين نشرا كتاباتهما بين القرنين الثالث والسادس — كان المفكرون الطبيعيون المسيحيون والمسلمون في العصور الوسطى يستهجنون فكرة الأرض المسطحة، ويرونها ضربًا من الهُراء. ترجع فكرة اعتقاد «مفكري العصور الوسطى» بأن الأرض مسطحة بشكلٍ كبيرٍ إلى كتابات الكاتب الأمريكي واشنطن إرفينج في القرن التاسع عشر، الذي طرح هذه الفكرة ليوحي بأن كريستوفر كولومبوس كان ثوريًّا علميًّا عندما أبحر غربًا عبر المحيط الأطلنطي. و«إعادة إحياء» هذه الفكرة في القرن الحادي والعشرين لا تُعَد إعادة إحياء من الأساس، بل بدعة حداثية (أو ما بعد حداثية).
كما وثَّق الفيلم الوثائقي الحديث «خلف المنحنى» (بيهايند ذا كيرف) الذي أخرجه دانيال جيه كلارك، 2018، تزايد الاهتمام بفكرة أن الأرض مسطحة، مع جغرافيا مركزها القطب الشمالي، ويحيط بها جدار جليدي على الحافة. برع الفيلم في تصوير الخلافات داخل الحركة، فضلًا عن مؤتمرها الأول، الذي يمثِّل البدايات الأولى لتكوين علم مناهض للعلم المؤسسي. تستند هذه الأفكار، في الغالب دون الاعتراف بذلك، إلى أفكار ويلبر جلين فوليفا، الذي ادَّعى عام 1914 أن الأرض مسطحة، وأن الشمس يبلغ عرضها اثنين وثلاثين ميلًا، وتبعد عن الأرض مسافة ثلاثة آلاف ميل فقط. (كان هذا هو رده على نظريات الأرض المجوفة التي أطلقها العلم الهامشي في القرن السابق، والتي كانت تستلزم أرضًا كروية.) وظلت المذاهب الجغرافية البديلة، كالإيمان بالقارتَين المفقودتَين أطلانطس وليموريا، ركنًا راسخًا في العلوم الهامشية. (ولكنها لم تكن كذلك تمامًا؛ فقد كتب أفلاطون عن قارة أطلانطس.).
ينتشر فكر نظريات المؤامرة بين المؤمنين بنظرية الأرض المسطحة، ربما حتى أكثر من المؤمنين بعلم الأجسام الطائرة المجهولة. ولكن، كيف يمكن تفسير الإجماع الساحق على كروية الأرض، والذي يُدرَّس حرفيًّا في كل قاعة دراسية في العالم؟ وكيف يمكن أيضًا تفسير الصور المتعددة التي التقطتها بعثات الفضاء الدولية، والتي تُظهِر الكرة الأرضية معلقة في الفضاء الخارجي؟ لا بد من أنها مؤامرة مدبَّرة لإخفاء الحقيقة عن الجمهور. في الواقع، هذا هو الزعم الرئيسي للمؤمنين بأن الأرض مسطحة. وجهود هذه المجموعة البحثية موجَّهة بشكل حصري لكشف زيف نظرية كروية الأرض وفضح المؤامرة.
ثمة أمر آخر مشترك بين الحركات المناهضة للعلم المؤسسي: ثمة حضور ذكوري هائل بها (رغم عدم اقتصارها عليهم). وكحقيقة تجريبية، ينجذب الرجال إلى تلك الحركات غير التقليدية بنسبة أكبر من النساء. قد يرجع ذلك جزئيًّا إلى المجالات الاجتماعية المرتبطة بالنوع المنبثقة منها تلك الحركات — في حالة بيج فوت، الصيادون والحطابون — كما أنها أيضًا سِمة مشتركة بين واضعي نظريات المؤامرة. ولكن قد يرجع على الأقل جزء من السبب إلى سِمة المحاكاة التي تتمتع بها العلوم المناهضة للعلم المؤسسي. فقد بُنيت هذه المؤسسات حول تصور عن كيفية أداء العلم، وحتى وقت قريب، كانت المؤسسة العلمية السائدة تهمِّش النساء بشدة. هل من المفاجئ أن نرى هذا الجانب أيضًا ينعكس في مرآة العلوم غير التقليدية؟

شكل 1 يصور هذا التمثيل لنموذج الأرض المسطحة القطب الشمالي في المركز، والقطب الجنوبي كحلقة جليدية خارجية، وقد أصبح هذا هو الرأي السائد بين مؤيدي هذه الحركة، رغم وجود اختلافات كبيرة بينهم حول التفاصيل.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء والفلسفة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة