التمييز بعد بوبر
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة: مقدمة قصيرة جدًّا
الجزء والصفحة:
ص18
2026-06-09
47
أي عام 1983، شنَّ لاري لودان هجومًا على التمييز كموضوعٍ للبحث الفلسفي، مدفوعًا بغضبه من استدعاء روز لمعيار قابلية الدحض لبوبر، رغم ما يحمله من عيوبٍ واضحة. لكن اعتبار لودان أن جميع محاولات التمييز ليست سوى «مشكلات زائفة»، أثار بدوره ردودَ أفعال غاضبة من فلاسفة أكدوا أن التمييز لا يزال يمثِّل قضية جوهرية. في واقع الأمر، التمييز شيء «حتمي». يمتلك العلماء وقتًا محدودًا للدراسة؛ لذا يجب أن يحددوا الموضوعات التي تستحق العمل عليها، وتلك التي لا تستحق ذلك، وهذا يتطلب ضمنًا نوعًا من التمييز. كما يبدو أن هناك إجماعًا كبيرًا على النظريات التي تُعد غريبة، رغم استمرارية الجدل حول النظريات الضبابية. وحتى مع الاعتراف بأن لودان كان محقًّا في أن معايير التمييز الواضح مثل معيار بوبر ليست مفيدة، فقد تحقِّق مقاربات أخرى نجاحًا أكبر.
فعلى سبيل المثال، اقترح الفيلسوف (وأستاذ علم الأحياء السابق) ماسيمو بيليوتشي أن مشكلة الدحوضية تكمن في أنها أحادية البُعد. وعلى الرغم من أن الفصل الواضح قد لا يكون ممكنًا، فربما كان في مقدورنا أن نضيف المزيدَ من الأبعاد التي تتوافق مع تنوُّع الممارسة العلمية. وأشار إلى أن بعض العلوم ركزت على توسيع نطاق المعرفة التجريبية، بينما ركزت علومٌ أخرى أكثر على تعميق فهمنا النظري، وركزت علوم ثالثة على كلا المحورَين، إلا أن الإخفاق في العمل على كلا المحورَين في الوقت نفسه لا يُفقِد النظرية أهليتها لكي تكون «علمية». ولكن يُعَد الاقتراب الشديد من أصل هذا المخطط مؤشرًا جيدًا على نحوٍ معقول على أن الموضوع قد لا يُعد علميًّا، وإذا ما أصر مناصرو إحدى هذه النظريات على أنها علمية، فقد يعرِّضون أنفسهم لأن يوصموا بأنهم علماء زائفون. هذه المقاربة لا تخلو من عيوب، ولكنها تتفادى بعض جوانب القصور التي توجد بمعيار بوبر.

شكل 1: تُعد مساحة تمييز ماسيمو بيليوتشي ثنائية الأبعاد محاولةً لإصلاح المعايير الأحادية البُعد الشديدة التبسيط على غرار معيار كارل بوبر.
بدلًا من محاولة تطوير معيار يشمل «جميع» مزاعم الحالة العلمية — وهو الطموح الذي تشارك فيه كلٌّ من بوبر وبيليوتشي — فقد تركز على ما قد نعتبره «معايير التمييز المحلي»: السِّمات التي تنطبق على مجموعات معينة من النظريات غير التقليدية من دون الادِّعاء بتقديم حلٍّ وافٍ وشافٍ لمشكلة التمييز.
على سبيل المثال، أحد معايير التمييز المحلي المهمة هو معيار «العلم الباثولوجي» وهو مصطلح صيغ بواسطة عالِم الفيزياء (والحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1932) إرفينج لانجموير خلال محاضرة ألقاها في مختبر شركة جنرال إلكتريك للطاقة الذرية في ديسمبر عام 1953 — الغريب في الأمر أنها السنة نفسها التي ألقى فيها بوبر محاضرةً عن معيار التمييز في الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي — ولكنه قرر عدم نشرها. (جرى تداول نسخة مكتوبة منها على نطاقٍ واسعٍ في ستينيات القرن العشرين، ونُشرت في ثمانينياته.) تأثر لانجموير بسلسلة من الأحداث الشهيرة التي وقعت في تاريخ العلم الحديث، مثل اكتشاف أشعة «إن»، والإدراك الحسي الفائق، التي تتشارك خصائص معينة فيما بينها: فجميعها كانت اكتشافات مثيرة للجدل بشكلٍ كبير، اكتُشفت عند حافة حساسية أجهزة قياس مستخدمة حاليًّا، إلا أن الباحثين الذين اكتشفوها زعموا أنها اكتشافات فائقة الدقة. افترض لانجموير أنه في مثل هذه الحالات، قد يتحوَّل التزام الباحث تجاه برنامجه البحثي إلى شيء «باثولوجي»، أي، غير صحي: قد يستحوذ الإيحاء الذاتي والتفكير الحالم على برنامجه. يغطي معيار التمييز هذا في واقع الأمر مجموعةً من النظريات التي يُطلق عليها عادةً «علوم زائفة»، ولكنه لا ينطبق على نظرية الخَلق، أو دراسات بيج فوت، أو علم الخيمياء. إنه معيار صُمم خصوصًا لاستبعاد أبحاث الإدراك الحسي الفائق، ومن ثَم، لن يكون مفاجئًا أن يتمكن من تحقيق ذلك.
على المنوال نفسه، أقام بوبر معيار قابلية الدحض لاستبعاد نظرية التحليل النفسي، وصمم روز وأوفرتون معيارهما لاستبعاد نظرية الخَلق؛ لذا، فإن نجاح معاييرهم في تحقيق هذه الأهداف لا يُعد إنجازًا عظيمًا. تمتلك جميع معايير التمييز الخاصية الآتية: جميعها أُنشئت استقرائيًّا من حالات معينة، ومن ثَم لا يمكنها أن تغطي كل الاحتمالات. لهذا السبب تحديدًا، لا يمكنني تقديم معيار تمييز شامل من ابتكاري؛ إذ سيتسبب في الحد من تنوُّع الظاهرة قيد الدراسة.
ما يمكننا فعله بدلًا من ذلك هو تصنيف النظريات غير التقليدية إلى «مجموعات» يمكن تحليلها معًا بنجاح. ثمة أربعة أمثلة على ذلك، هي كالآتي: العلوم البائدة التي تقوم على علمٍ «شرعي» قديم أصبح عتيق الطراز، والعلوم المفرطة التسييس التي ترتبط ببرامج أيديولوجية، والعلوم المناهِضة للعلم المؤسسي التي تحاكي البِنى الاجتماعية للعلم السائد، وسلسلة النظريات التي تفترض امتلاك العقل لقوًى خارقة. عادةً ما تتداخل هذه التصنيفات، ويمكنك أن تصنف نظرية معينة بسهولة، التنويم الإيحائي على سبيل المثال، على أنها علمٌ بائد أو علم مناهض للعلم المؤسسي بدلًا من انتمائه إلى فئة النظريات التي تفترض امتلاك العقل لقوًى خارقة. لا يوجد أسلوب تصنيف يمكنه تصنيف جميع النظريات غير التقليدية؛ لأن تنوُّع تلك النظريات يماثِل تنوُّع العلم نفسه، ومن ثَم، فإن هذه الفئات التصنيفية الأربع — بالإضافة إلى تداخُل بعضها مع بعض — بعيدة كل البعد عن الشمولية. ومن شأن النظر إلى تنوع النظريات غير التقليدية أن يمدنا بالأدوات اللازمة لفهم كيفية عمل العلوم السائدة، ويقدم بعض المعلومات عن كيفية التفكير في مهمة التمييز الحتمية، وغير المثالية.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة