محاكمة بوبر
المؤلف:
مايكل دي جوردين
المصدر:
العلوم الزائفة مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص15
2026-06-09
42
كان انتشار معيار بوبر لقابلية[*] الدحض على نطاقٍ واسعٍ نتيجةً غير مقصودة لمعركة قانونية في الولايات المتحدة الأمريكية حول «عِلم الخَلق»، والذي كان محاولة لتقديم معالجة علمية لقصة الخلق اليهودية-المسيحية الواردة في سِفر التكوين. يقدم التناول المُوجَز لهذه القصة، والذي يتعلق بشرعية تدريس هذا المعتقَد في المدارس العامة، موضوعات أكثر شمولًا، تتعلق بتحديات التمييز، وأهمية التفكير العميق في المشكلة، بدلًا من الاعتماد على حلولٍ بسيطة (ومبسَّطة).
استمر الجدل حول تدريس نظرية التطور في المدارس العامة الأمريكية طَوال أغلب القرن العشرين، وتحوَّل هذا الجدل في بعض الأحيان إلى صراعاتٍ علنية. كان أول هذه الصراعات وأشهرها هو «محاكمة قرد سكوبس» في يوليو 1925. بفضل الدعم الكبير من مدينة دايتون في ولاية تينيسي، والنجاح الهائل للتجسيد الأدبي للقصة في المسرحية (1955، من تأليف جيروم لورانس وروبرت إي لي) والفيلم (1960، من إخراج ستانلي كرامر وبطولة سبنسر تريسي) بعنوان «إرث الرياح»، أصبحت هذه القصة ذائعة الشهرة. ففي ربيع عام 1925، أقرَّت ولاية تينيسي قانون باتلر، الذي جرَّم تدريس نظرية تطور الإنسان من أسلافه من الرئيسيات في المدارس العامة. جنَّد الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية المعلم جون توماس سكوبس لانتهاك القانون عن عمدٍ لاختبار دستورية حظر نظرية داروين في المحكمة، مشيرين إلى أن القانون، بحظره نظرية داروين، لأنها تتناقض مع قصة الخَلق في دينٍ معين، يتعارض مع التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، الذي يمنع الحكومة من إقامة دينٍ رسمي للبلاد. وكان من المتوقع أن يُدان سكوبس كجزءٍ من الاستراتيجية التي كانت تهدف إلى استئناف القضية أمام المحكمة العليا للولايات المتحدة. لم تحقق الخطة الغرض منها كاملًا: إذ وُجد سكوبس مذنِبًا بمخالفة القانون، وغُرِّم 100 دولار.
استأنف سكوبس الحكم أمام المحكمة العليا في تينيسي، التي ألغت الغرامة على أساس ثغرة قانونية، ولكنها أكدت دستورية القانون بناءً على أنَّه رغم تحريمه تدريس نظرية التطور، فإنه لم «يفرض» تدريس أي نظرية أخرى حول أصل الإنسان، ومن ثمَّ لم يرجح كفة أي دين معين. وانتهت القضية عند هذا الحد. وبحلول عام 1927، كانت ثلاث عشرة ولاية أمريكية قد خاضت مناقشاتٍ حول تدابير مماثِلة، ولكنَّ ولايتين فقط، مسيسيبي وأركنساس، حوَّلتها إلى تشريعاتٍ نافذة. وعلى الرغم من أن محاكمة سكوبس كشفت عن أنه من القانوني منع تدريس نظرية التطور، فإن الصخب الإعلامي فيما يتعلق بهذه الإجراءات صوَّرها على أنها سخيفة. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الولايات لم تحظر تدريس نظرية التطور، فإنها لم تشجع أيضًا إدخال هذه النظرية إلى المدارس، وكان هناك تباين كبير في كيفية التعامل مع هذه القضية من منطقة إلى أخرى.
وقع حادثان أدَّيا إلى إعادة تقييم قانونية حظر تدريس النظرية الداروينية في المدارس العامة. الأول كان إطلاق الاتحاد السوفييتي قمره الصناعي الأول، سبوتنيك، في الرابع من أكتوبر عام 1957. أثار الإنجاز السوفييتي مناقشةً محتدمة تمحورت حول إذا ما كانت الولايات المتحدة قد تخلَّفت عن ركب التعليم العلمي، واقتُرحت إصلاحاتٌ في العديد من المجالات، استنادًا إلى نموذج لجنة دراسة العلوم الطبيعية التي شُكلت في عام 1956. وقد شجع حلول الذكرى المئوية لنشر كتاب داروين «حول أصل الأنواع» (1859)، والتي كانت بعد سنتين من إطلاق سبوتنيك، علماء الأحياء على القول بأن «مائة عام من دون النظرية الداروينية تكفي!» وأوصى برنامج دراسة مناهج العلوم البيولوجية بإجراء تغيير شامل للمناهج في مجال علوم الحياة للمرحلة الثانوية، مع وضع النظرية الداروينية (وتطوُّر الإنسان) في قلبها. وانتهت الهدنة بين أنصار نظرية التطوُّر والأصوليين المسيحيين.
في ستينيات القرن العشرين، ردَّت مجموعات دينية بسلسلة من القوانين تنادي بوجود «مساواة»: إذا أصبحت النظرية الداروينية (أو «علم التطور») مادة أساسية في التعليم، فلا بد من إحداث توازن بتدريس نظرية مكافئة لها، ألَا وهي «علم الخَلق». أدرك أولئك الذين أرادوا مقاومة تدريس نظرية الخَلق في المناهج الدراسية أنهم يحتاجون إلى بناء قضيتهم على أساس مسألة التمييز. إذا لم تكن نظرية الخَلق علمًا، فلا بد أنها دين، والدين لا يمكن تدريسه في المدارس العامة، الأمر الذي سيكون دعمًا غير قانوني من جانب الدولة للدين. (كانت المدارس الخاصة، ولا تزال، قادرة على تدريس المناهج التي تحلو لها.)
وصلت قضايا من ولايتَي أركنساس ولويزيانا إلى محاكم الاستئناف في بدايات ثمانينيات القرن العشرين. كانت القضية الأولى من هذه القضايا، قضية ماكلين ضد مجلس التعليم في أركنساس، وهي قضية شهيرة، حيث تناقش العديد من الشهود الخبراء حول إذا ما كانت النظرية الداروينية تُعد عِلمًا، وإذا ما كان علم الخَلق يفي أيضًا بتعريف العلم، وكذلك حول حدود بند تأسيس الدين في الدستور الأمريكي.
كان أحد الشهود الحاسمين لصالح أنصار نظرية التطور هو مايكل روز، وهو فيلسوف العلم البريطاني، الذي كان يعمل في جامعة جويلف بكندا حينذاك. قدَّم روز شهادته حول عدة معايير تمييز مختلفة، وأكد أن الروايات التي تتعلق بأصل الإنسان والمستنِدة إلى سِفر التكوين لا يمكنها أن تستوفي هذه المعايير. ومن بين المعايير التي طرحها كان معيار بوبر. وفي حكمه النهائي في يناير 1982، استند القاضي ويليام أوفرتون إلى شهادة روز عندما أشار إلى أن قابلية الدحض كانت معيارًا لتحديد كون أي معتقد علميًّا، وأن نظرية الخلق العلمية لم تستوفِ هذا المعيار. (تراجع روز عن شهادته بعد عَقد من الزمن.) وفي قضية إدواردز ضد أجيلارد (1987) ذات الصلة بقضية لويزيانا، وسَّعت المحكمة العليا الأمريكية نطاق قرار محكمة استئناف أوفرتون، وكانت النتيجة إدراج قابلية الدحض لبوبر كمعيار تمييزٍ في العديد من كتب علم الأحياء الخاصة بالمرحلة الثانوية. وبغض النظر عن اعتبار المعيار نوعًا من الفلسفة السيئة، فقد أصبح منصوصًا عليه قانونًا. (وفي حُكمه الخاص بمحكمة الاستئناف الصادر عام 2005 في قضية كيتزميلر ضد منطقة دوفر التعليمية، عدَّل القاضي جون إي جونز الثالث معايير التمييز القانونية، متخليًا عن معيار بوبر ومتبنيًا عددًا من المعايير الأقل دقة والأكثر ملاءمة، مع النظر في تدريس نظرية تُعرَف باسم «التصميم الذكي»، والتي تمثل امتدادًا لنظرية الخَلق صِيغ لتفادي تكرار سابقة حكم قضية إدواردز.)
-------------
[*] يُعد معيار قابلية الدحض الذي اقترحه الفيلسوف كارل بوبر من أشهر المحاولات للتمييز بين العلم وغير العلم. وتنص فكرته الأساسية على أن النظرية العلمية يجب أن تكون قابلة للاختبار بطريقة تسمح، من حيث المبدأ، بإثبات خطئها إذا خالفتها الأدلة التجريبية. فالعلم لا يتقدم عبر إثبات النظريات بشكل نهائي، بل عبر تعريضها لاختبارات صارمة ومحاولات مستمرة لدحضها. وقد اكتسب هذا المعيار شهرة واسعة بسبب بساطته ووضوحه، إلا أن العديد من فلاسفة العلم أشاروا إلى أن الواقع العلمي أكثر تعقيدًا، إذ قد تتأثر نتائج التجارب بالأجهزة أو طرق القياس أو تفسير البيانات، مما يجعل الحكم على النظريات العلمية أكثر صعوبة من مجرد نجاحها أو فشلها في اختبار واحد. في الحقيقة، معيار قابلية الدحض الذي يناقشه الكتاب نشأ أساسًا بسبب محاولة فهم لماذا تُعد نظريات مثل: النسبية العامة و ميكانيكا الكم علومًا حقيقية، بينما لا يُعد التنجيم أو غيره علمًا
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة