

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
القَرنُ التاسعُ قَبل الميلاد (دُوَلُ المُدنِ الفلسطينيَّة)
المؤلف:
خزعل الماجدي
المصدر:
تاريخ القدس القديم
الجزء والصفحة:
ص 190 ــ 197
2026-05-03
22
أصبحَت الظروفُ مُؤاتيةً أكثرَ لظهور مدنٍ فلسطينيةٍ متميزة شكَّل بعضُها، فيما بعدُ، دولَ مدنٍ مستقلَّة. ولعل السببَ الواضحَ في هذا الانتعاشِ السياسيِّ المؤقت — الذي ظهر بشكلٍ خاصٍّ في القرن التاسع قبلَ الميلاد — هو ضعفُ القوتَين الكبيرتَين المحيطتَين ببلاد الشام، ونعني بهما وادي الرافدين ووادي النيل؛ فقد ظهرَت فترةُ فراغٍ سياسيِّ واضحٍ في الدولة الآشورية تَمثَّل في المشكلات الداخلية لها وضغوطِ القبائلِ والمدنِ الآراميةِ عليها. أمَّا وادي النيل فقد غرق في نزاعاتٍ أسريةٍ داخليةٍ بعد أن انتهت فترةُ الإمبراطورية وتنفَّسَت مدنُ بلادِ الشامِ كلها من الضغط المصري المتصل عليها سابقًا. لكنَّ هذا الانتعاشَ المؤقتَ لن يستمرَّ طيلةَ القرنِ التاسعِ قبل الميلادِ بسبب تفاقُمِ قوةِ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ وبطشِها.
استمر الاستيطان — والذي ظهر في القرن العاشر وما قبله — بالترسُّخ والكثافة؛ فقد شَهدَت المرتفعاتُ الوسطى والمنخفضاتُ في كل مكانٍ مزيدًا من استقرار الرعاة والمزارعين. كذلك تسرَّبَت هجراتُ الأقوامِ غيرِ المستقرَّة كالسوتو والشاسو والعبيرو من مناطق الأطراف والسهوب.
وبدأَت بعضُ المدن الداخلية تستقطبُ مجالًا حولها لتتحوَّلَ إلى دولٍ إقليميةٍ صغيرةٍ متأثرة بدول المدن الساحلية الفلستية والفينيقية. وكان الطابعُ الإثنيُّ العام لهذه المدن الداخلية كنعانيًّا. وكان أن ظهر نوعٌ جديدٌ من السلطة السياسيةِ المركزية. «وقيامُ كِياناتٍ محليةٍ تُنافِس دولَ المدينة خلال العصر الحديدي الثاني. وبالاستناد إلى النصوص الآشورية الأولى المتعلقةِ بهذه المنطقة، نرى أن توطيدَ السلطةِ الآشوريةِ لم يكن مُوَجَّهًا ضدَّ عواصمِ شعبِ فلسطين، بل ضدَّ دول المدينة مُستقِلَّةً في عسقلانَ وغزةَ والعالي (1).»
ويرى طومسون أن كِياناتِ دولِ المدنِ الفلسطينيةِ بدأَت تتميزُ باتجاهٍ «شبه كنعاني»؛ إذ لم يَعُد كنعانيًّا خالصًا كما كان في البرونزي؛ فقد كان للتحولاتِ المناخيةِ والاقتصاديةِ والإثنية في فلسطينَ دورٌ في خلق هذه المدنِ الجديدة.
إن الوَحدةَ الإثنيةَ ليست عاملًا محتملًا في مجال إعادةِ بناءِ تاريخِ التشكُّلِ القديمِ لأيٍّ من هذه الدول، حتى إن تعبيرَ «شبه إثني» هو الأكثرُ ملاءمةً للوحدات السياسية التي نشأَت بَدءًا من القرن التاسع ردًّا على توسُّع الإمبراطوريةِ الآشوريةِ إلى الغرب والجنوب الغربي (2).
إن ما يهمُّنا من جميع هذه الكياناتِ السياسيةِ الجديدةِ في بلاد فلسطينَ هو ما يتعلقُ بالقدس، وسنقومُ بإيضاحه هنا.
عرفنا أن الإشارةَ الأركيولوجيةَ العابرةَ الواردةَ في لوحة مرنبتاح في القرن الثالث عشر قبل الميلاد حول إسرائيل لا تعدو كونها ذِكرًا لمدينةٍ عابرةٍ في وسط فلسطينَ لا نعرفُ حتى اليوم موقعَها الحقيقي، ونرى أنها مدينةٌ أو بلدةٌ كنعانيةٌ قديمةٌ لا علاقة لها مطلقًا ﺑ «إسرائيل» التوارتية، خصوصًا أن كلمة إسرائيل (إسرا+إيل) يمكن أن تُفسَّر كنعانيًّا على أنها «إشيرا + إيل»؛ أي «عشيرا زوجة إيل»، وهي الإلهةُ الكنعانيةُ الأمُّ وزوجةُ إيل فعلًا، ويمكن أن تكون هذه المدينةُ قد سُمِّيَت باسمها تقديسًا لها واحترامًا لعبادتها فيها.
ونرى أن هناك علاقةً بين بلدة إسرائيلَ هذه التي هاجمها مرنبتاح مع قبيلة «شريل shr’l» الواردة في لوحة السامَرَّة من القرن التاسع قبل الميلاد.
إن اللافت للنظر أن الكثير من الوثائق الأركيولوجية تثبتُ وجودَ إسرائيلَ مقترنةً بالسلالة العُمرية (عُمري) فهناك:
(1) النصوصُ الآشوريةُ التي تُسَمِّيها بيت «حُمري».
(2) نصُّ حملةِ شلمنصر الثالثِ ومعركة قرقر التي تذكُر آحاب ملك إسرائيل.
(3) نصُّ مسلةِ ميشع التي تذكُر آحاب ملكَ إسرائيل.
(4) نصُّ ملك أرام دمشق (حزائيل).
ويرى طومسون أن «السلالة العمرية التي حكمَت السامرة كانت بالتأكيد تاريخية، ولكن يصعب اعتبارُ العُمريين خلفاءَ المملكةِ الشاؤلية.
الأكيد أنه في بدايات القرن التاسع من بناء السامَرَّة، هناك مبررٌ أركيولوجيٌّ كافٍ للحديث عن إسرائيلَ تاريخيةٍ تُعرَفُ بدولة إسرائيل قبل تلك الفترة (ولعدم وجودِ تحقيقٍ تاريخيٍّ عن الوراثةِ السلالية)، ويبدو من المشكوك فيه أن يتمكَّنَ المَرءُ من الحديث عن إسرائيلَ بتعابيرَ سياسية. (3)»
وهذا يعني أن أسطورةَ نشوءِ المملكةِ الموحَّدةِ يجبُ أن تقعَ خارجَ الحقائقِ التاريخية؛ حيث ندخلُ في ظلام الأسئلةِ ذاتِ الطابعِ الديني «وأيُّ افتراضٍ بأن «ملكِيَّةً موحدة» كانت عاملًا في مجال أصولِ إسرائيل يجبُ أن يُعتبَر بعيدَ الاحتمال، وربما أفضلُ للمرءِ أن ينشغلَ بتصوُّرِ «المِلْكيَّةِ الموحَّدة» مع المروياتِ الأخرى المتعلقةِ بإسرائيلَ جامعةً Qol yisrael أصليةً كجهدٍ لاحقٍ بذلَته القدس، بعد فترةٍ طويلة لتُبنَى تقاليدُ إسرائيل، واعتبارها خاصَّة بها. (4)»
إن جمعَ خيوطِ النسيجِ المبعثَر للمرحلة التي تبدأ منذُ منتصفِ القرنِ التاسعِ قبل الميلاد تضعُنا أمام حقيقةٍ مذهلةٍ معاكسةٍ تمامًا للتاريخ التوراتي … وهي ليست فقط عدم وجود هذه المملكة، بل إن إسرائيلَ والسامرةَ كانتا على نزاعٍ سياسيٍّ ودينيٍّ دائمٍ ضدَّ القدسِ كمدينةٍ ودولةِ مدينةٍ لاحقًا … والذي يقرأ السَّردَ التاريخيَّ المُضخَّم لهما في التوراة يرى بجلاءٍ ذلك الاحترابَ المدمرَ بينهما، بل إننا نرى أنهما دولتانِ عدوتانِ لبعضهما بعضًا حاولَت كلتاهما أن تمحوَ الأخرى بشتى الطرق. ونرى أنه بعد سقوطِ السامرةَ وبقاءِ القدس، عمَد كتَبةُ التوراةِ إلى سرقةِ تاريخِ وتراثِ السامرةَ وضَمِّهِ إلى تاريخ القدس، وإرجاعِهما إلى أصلٍ واحدٍ وَهميٍّ ومُفتَرضٍ عَبْر ما يسمَّى بالمملكة الموحدة لداودَ وسليمان … ونرى أن مثلَ هذه الخديعةِ انطلَت على أغلب المؤرخينَ إن لم نَقُل جميعهم تقريبًا.
إننا نرى أن إسرائيل كانت على دين يختلف تمامًا عن دين القدس (التي صارت تُعرَفُ دولتُها بدولة يهوذا لاحقًا)، بل إن الدينَين متضادَّان تمامًا؛ فقد كانت إسرائيلُ دولةَ مدينةٍ كنعانية تعبد الإله «إيل» أبَ الآلهةِ والبشرِ عند الكنعانيين ومعه زوجُه عشيرا (أشيرا أو أسيرا) التي تُلمِّحُ لها التوراةُ ﺑ «الساريات».
أما يهوذا (التي ستظهر بوضوحٍ أكثرَ في القرن الثامن قبل الميلاد) فقد ظهر فيها قومٌ يعبدون الإله «يهوا» في القدس وغيرها، وهو شكلٌ من أشكال الإله «بعل» لكنه غريبٌ عن آلهة الكنعانيين تمامًا؛ فقد عرف الكنعانيون الإله بعل ولم يعرفوا «يهوا»، وهو الإله الذي نُرجِّح أنه قَدِم مع بعضِ البدوِ والرعاةِ الذين قَدِمُوا من جنوب فلسطين، وربما من «مَدْيَنَ» تحديدًا، والإله «يهوا» بمقام ابن الإله «إيل»؛ إذ هو يوازي «بعل» الابنَ الحقيقيَّ للإله «إيل». وكانت عبادةُ الإلهِ بعل وما يناظرُه بمواجهة إيل تُعتبَر، أحيانًا، عبادةً خارجةً عن التقاليد الدينية الكنعانية. وهكذا كان الإسرائيليونَ أو السامريُّونَ الكنعانيونَ يعتبرونَ عبَدةَ «يهوا» في يهوذا والقدس كفرةً يتوجَّبُ محاربتُهم ومقاطعتُهم. وهو ما حصل فعلًا بين إسرائيلَ ويهوذا.
هذا الاختلافُ الحادُّ هو الذي سبَّب الاحتراب، إضافةً إلى المصالح السياسية والاقتصادية المحيطة لكلا الكيانَين.
لعل من المفيد تحليلَ الوثيقتَين التاريخيتَين المهمتَين حول إسرائيلَ في القرن التاسع قبل الميلاد، للاطلاع على أهمِّ جارةٍ لمدينة القدس، ولفهم الأحداثِ القادمةِ بينهما.
كانت دولة مدينة إسرائيلَ موجودةً منذ السلالة العُمرية وليس قبل ذلك، ويؤيدُ هذا الاستنتاج النَّص الآشوري القادم من عصر الملك شلمنصر الثالث (859–824ق.م.) والذي قام بحملةٍ كبيرةٍ على بلاد الشام، ووقف بوجه التحالفِ الذي تزعُمه آرام دِمَشقَ لإيقاف نفوذِ الآشوريينَ الذي بدأ يُخيِّمُ على بلاد الشام؛ حيث خاض معركةً شهيرةً اسمُها «قرقر» واجه فيها التحالُف المُكوَّن من «12» دولةَ مدينةٍ بقيادة «برهدد الثاني»، ملك آرام دمشق، ومعها أربعةُ دولٍ من فينيقيا، ودولةٌ من كيليكيا، ودولٌ آرامية وقبائلُ عربية، دولةَ مدينةٍ (إسرائيلَ) بقيادة مَلِكِها (آحاب)، ولم تكن نتيجةُ المعركةِ حاسمة. وهو أَوَّلُ ذِكرٍ صريحٍ لمملكة إسرائيل. ولنُلاحِظْ أنه لا ذِكرَ لمدينة القدس؛ إِمَّا لأنها لم تكن بمستوى دولةِ مدينةٍ آنذاك، وإِمَّا لأنها لم تدخُل الحلف؛ لأن إسرائيلَ دخلَته. وفيما يلي ترجمةُ النَّصِّ الآشوريِّ الذي يذكُر أعضاءَ هذا التحالف:
(1) «إرخوليني ملك حماة من 700 عربة، 700 فارس، 10000 مقاتل.
(2) آحاب ملك إسرائيل 2000 عربة، 1000 مقاتل.
(3) أمير قوية (مملكة صغيرة على شاطئ تركيا بين نهرَي سيحان وجيحان)، 500 مقاتل.
(4) أمير مصري (مجهولة المكان)، 100 مقاتل.
(5) أمير بلاد أرقاتانة (إلى الشمال الشرقي من طرابلس)، 100 عربة، 10000 مقاتل.
(6) ماتينو بعل أمير أرواد، 200 مقاتل.
(7) أمير أشناتو (إلى الجنوب من جبلة)، 200 مقاتل.
(8) أدنو بعل أمير سيانو (إلى الشرق من جبلة)، 30 عربة، 1000 مقاتل.
(9) جندب أمير بلاد العرب، 1000 هجان.
(10) أمير بيت روحبي.
(11) باعاسة أمير عمون، 1000 مقاتل. (5)»
لقد لاقى الجيشُ الآشوريُّ هذا التحالفَ في «قرقر» إلى الجنوب من جسر الشفور عام 852ق.م. ولم يهزمهم تمامًا، ثم تصدَّى لهم في الأعوام «849، 848، 846، 845» ق.م. وكان التحالفُ ما زال قويًّا. ثم استطاع الجيشُ الآشوريُّ هزيمةَ التحالفِ والهجومَ على دِمشقَ وفرض الجزية عليها عامَي «841–838» ق.م. ولم يتمكَّن الآشوريونَ من غزو دِمشقَ وإخضاعِها إلا في عام «732» ق.م. ونعيدُ التأكيدَ على ما ذهبنا إليه، وهو أن دولة مدينة إسرائيل لم تكن هنا عبريةَ الهويةِ أو توراتيةَ الدين، بل كانت دولةَ مدينةٍ كنعانية لا تختلفُ مطلقًا عن أيِّ دولةِ مدينةٍ كنعانية أو فينيقية ذُكِرَت في هذا النَّص.
أما موضوع علاقة دولة آرام دِمَشقَ بدولة إسرائيلَ فعلينا أن نضعَهُ وَفقَ التصوُّرِ المعقولِ والغزواتِ المتبادلةِ بين دولِ مدنِ بلادِ الشامِ آنذاك. وعلينا أن نتجنَّبَ الدخولَ في الوهم التوراتيِّ الذي يذكُرُ أن آحاب، ملكَ إسرائيل، قد واجه هجومًا بقيادة برهدد الثاني مع عشرينَ مَلِكًا، وحاصرُوا السامرة. وتضيفُ التوراةُ أنَّ آحابَ كاد يستسلمُ (امتثالًا لأمر الربِّ) واعدًا إيَّاهُ بالنصر، ثم يذكُرُ السِّفر كيف أن برهدد رجع مهزومًا وفقد كثيرًا من جيشه!! مثلُ هذه الرواياتِ الدونكيشوتية (واحد وعشرون ملكًا يهاجمون السامرة!!) لا تؤيدها الآثار؛ ولذلك نُدخِلُها أيضًا في خانة الأدب. ومثلُها أخبارٌ كثيرةٌ من ضمنها ما تذكُرُه التوراةُ عن حزائيل (843–802ق.م.) الذي تذكُرُ التوراةُ أنه حارب يورام بن آحاب وأحزيا بن يهورام ملك يهوذا (6).
مِثلُ هذه المبالغاتِ تَصلُح مادةً للروايات الأدبية، ولكنها تهتزُّ وتسقُط مع صرامة البحثِ العلميِّ في الآثار والتاريخ.
(12) أمَّا «مسلةُ ميشع» أو نقشُ ميشع، فتذكُر دون لَبسٍ اسمَ «عُمري» مَلِك إسرائيل، وابنه الذي لم يُذكَر اسمُه، ولعله «آحاب».
تذكُر المسلةُ كيف أنَّ إلَهَ مؤاب «كموش» كان غاضبًا على مؤابَ فسلَّطَ ملك إسرائيل «عُمري» ثم ابنَهُ فأذلا مؤاب. ولما أصبح ميشع ملكًا على ذيبانَ عاصمةِ مؤابَ أمره كموش بمقاومة ملك إسرائيل، فقام ميشع بانتزاع أرض مادبا، وبنى للإله كموش معبدًا مرتفعًا في «قرحي»، وبنَى مدينتَين، ثم انتزع أرضَ عطرت (خربة الطاووس) وأسر الحاكمَ الإسرائيليَّ فيها، وسحَبه أمام الإلهِ كموش.
«أمَّا عُمري، ملكُ إسرائيلَ، فقد اضطهد مؤابَ طويلًا؛ ذلك لأنَّ كموش أضحى مكروهًا بأرضه. وخَلَفَ عُمري ابنُه، فقال هو الآخَرُ «سأضطهدُ مؤابَ!» … أَجَل لقد قال شيئًا كهذا الكلام. ولكن كموش جعلَني أراه مهزومًا من أمامي، هو وإلهه، وبادت إسرائيل، بادت إلى الأبد. كما أقام بها الإسرائيليون من بعده مدةً تبلغ نصفَ حكمِ أبناءِ عُمري، فجميع ما أقاموه بلغ أربعين سنة. (7)»
ويبدو أن ميشع يجلب من خربة طاووس (عطرت) موقدَ إيل الذي يسميه «إلَه ملك إسرائيل المحبوب»، وفي غزوةٍ ثانيةٍ ينتزع منطقةَ «بنه»، ولعلها «نبو»، ويقتل سبعةَ آلافِ رجلٍ وامرأةٍ وصبيٍّ من الأسرى، كأضاحٍ للإِلَهةِ عشتر كموش (إلهة مؤاب). وقد نُصِبَت هذه المسلةُ في ضاحية قرحة في معبد كموش عام 842ق.م. وهذا يعني أنها وُضِعَت بعد حصولِ معركةِ قرقر بحوالي «11 سنة».
يبدو أن السلالة العُمرية في إسرائيلَ كانت هي الأكثر استقرارًا رغم كلِّ الظروفِ المتوترةِ حولها إقليميًّا ودوليًّا، لكنها استطاعت بدهاءٍ سياسيٍّ محكمٍ أن تُذلِّل هذه الظروف. ومع نهاية هذه السلالةِ يكونُ عصرُ الانقلاباتِ والاغتيالاتِ قد بدأ في إسرائيل على يد مجموعةٍ متتاليةٍ من المغامرينَ من طُلاب الحكم.
ونرى أن مرتفعات يهوذا تحوَّلَت من البداوة الرعوية في العصر البرونزي الأخير إلى مستوطناتٍ زراعيةٍ متوسطيةٍ مستقرَّةٍ في العصر الحديدي الأول، من خلال عمليات توطينٍ إلزاميةٍ ساعد عليها توسُّعُ النفوذِ السياسيِّ لمدن شمال النقب وشيفيلية والساحل الجنوبي في فلسطين. وقد شهد العصرُ الحديديُّ الثاني توسُّعَ هذه المستوطناتِ بعد أن توسَّعَت المرتفعاتُ الوسطى شمالًا عند السامرة. كما شَهدَت مدينة القدس توسُّعًا سكانيًّا ونفوذًا إقليميًّا واضحًا. لكنَّ القدسَ لم تكن يومًا منافسةً لدولة مدينة إسرائيلَ ولم يَبزُغْ نجمُ القدس ويهوذا إلا بعد تحطُّمِ السامرة على يد الآشوريين؛ ولذلك نُرجِّحُ أن المدينة اليبوسية في القدس استمرَّت أيضًا في القرن التاسع قبل الميلاد مدينةً عاديةً بسيطةً كنعانيةَ الطابع. وهو ما تؤيِّده الآثار كما سنرى.
كانت التجارةُ (وليس السياسة) سببَ نمُو القدسِ وانتعاشِها في القرن التاسع قبل الميلاد؛ إذ إِن سيطرتَها على السلعِ التِّجاريةِ جعلَها تُنافسُ أولًا مدنَ الخليلِ ولخيش، ثم تهيمنُ عليها. أمَّا السياسةُ فقد أسهمَت لاحقًا في محاولة توسيعِ أراضيها خارجَ نطاقِ وادي عليون وهَضْبةِ القدس.
ظهرَت عدة دولة مدينة في بداية العصر الحديدي الثاني في فلسطين، مثل لخيش وجازر والخليل، ولا نعتقد أن القدس كانت في تلك الفترةِ متميزةً عن هذه الدول المدينة. لقد كانت دولةَ مدينةٍ عادية تمامًا. ويرى طومسون أن مدينة القدس لم تُسيطرْ على مرتفعات يهوذا وتتحوَّلْ إلى مدينةٍ إقليميةٍ ذاتِ سيطرةٍ سياسيةٍ واضحة إلا بعد أن دُمِّرَت مدينةُ لخيش على يدِ الآشوريين، وبعد أن شَهدَت القدس انفجارًا سكانيًّا متطورًا في بناها وقواها، وهذا ما حصل في القرن السابع قبل الميلاد.
كانت القدس، إذن، طَوال العصرِ البرونزيِّ مركزًا تِجاريًّا وحِرفيًّا مسيطرًا على عدد من المدنِ الصغيرةِ المستقرَّةِ زراعيًّا في هضْبة القدس فقط. وكانت مصالحُها المتعلقةُ بالطرق التِّجارية في السهلِ الساحليِّ قد توجَّهَت غربًا عن طريق وادي عليون، وقد أدت هذا الدورَ كمدينةٍ تِجاريةٍ مهمة. رغم أن اقتصادَ القدس ومنطقتَها — والذي ترَكَّز، منذ أوائل العصر الحديدي الثاني، على الزراعة والتجارة — تجاوَز اضطراباتِ وقلاقل القحط، وأسهم إسهامًا كاملًا في عودة الرخاء والنمو، فإنها لم تكن قد أصبحَت مدينةً كبيرةً بعدُ، ولا يستطيع أيُّ خيالٍ واسعٍ أن يتصوَّرَها أكثر من بلدة (8).
أمَّا المروياتُ التوراتيةُ حول استمرارِ السلالةِ الدَّاوديَّةِ والأحداثِ التي مرَّت بها مع إسرائيلَ ومع آرام دِمشقَ والمماليكِ الأردنيةِ القديمةِ فنتحفَّظُ عليها تاريخيًّا ونميلُ إلى جعلِها، أيضًا، جزءًا متممًا للإنتاجِ الملحميِّ الأدبي، ومحاولةً خياليةً لإظهار القوةِ والتوسُّعِ وغيرِ ذلك.
...............................................
1- طومسون، المرجع السابق، ص218.
2- نفسه، ص210.
3- نفسه، ص215.
4- نفسه.
5- علي أبو عساف، الآراميون (تاريخًا ولغةً وفنًّا)، طرسوس، 1988م، ص55. عن: Michel E., “Die Assur, Texte Salmanassars III (824–858) ,” Die welt des Orients, 1947, p. 67 ff.
6- العهد القديم: الملوك الثاني 8: 28–29.
7- فواز طوقان، «دراسة عن اللغة المؤابية وترجمة نقش الملك ميشع»، حولية الآثار الأردنية، العدد 10، 1970م، ص19–51.
8- طومسون، المرجع السابق، ص288.
الاكثر قراءة في عصر ماقبل التاريخ
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)