

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
حرَكاتُ الهجرةِ والاستِيطانِ الجديدة داخل فلسطين
المؤلف:
خزعل الماجدي
المصدر:
تاريخ القدس القديم
الجزء والصفحة:
ص 167 ــ 178
2026-05-02
82
كان تأثيرُ الجفافِ على المدن والأراضي الفلسطينية متفاوتًا؛ فهو يختلف في الأراضي الزراعية التي تعتمد على الري أو على المطر عنه في أراضي السهوب أو في المدن المستقرة وهكذا. وقد ظهرَت بحوثٌ وفرضياتٌ كثيرةٌ عالجَت موضوعَ حركاتِ الهجرةِ والاستيطانِ داخل فلسطين كان أغلبُها ينطلق من خلفيةٍ توراتية لكي تُمهِّد الجوَّ لمعالجة النتائج الأركيولوجية التي ظهرَت في فلسطين؛ ولذلك وقعَت تحت تأثيرٍ دينيٍّ أيديولوجي، ولم تحافظ على نزاهة العِلم الأركيولوجي.
وكان بعضُها يصوغ الموديلاتِ أو السيناريوهاتِ المختلفةَ لكي يُمهدَ للكيفية التي ظهرَت بها إسرائيلُ كدولةٍ مهمةٍ في فلسطين، أو أن بعضَها كان يحاول ملاءمةَ التوراة والأركيولوجيا لنحت طريقٍ يوضحُ كيفيةَ دخولِ القبيلةِ الإسرائيليةِ المزعومة هاربةً من مصر إلى كنعان، وهكذا.
وسنُهمِل كلَّ هذه الدراساتِ بسبب عدم إخلاصِها للعلم وخضوعِها لمُوجِّهاتٍ دينيةٍ وأيديولوجيةٍ واضحة.
تنقسم أرض فلسطين إلى خمس مناطقَ طوبوغرافيةٍ مميزة، هي:
(1) السهلُ الساحلي.
(2) القسمُ الشمالي (الجليل والكرمل).
(3) القسمُ الوسطيُّ الأعلى.
(4) القسمُ الوسطيُّ الأسفل.
(5) القسمُ الجنوبي (الصحراء والنقب).
السَّهلُ السَّاحلي
رغم أن الجفافَ طال كلَّ الساحلِ المتوسطيِّ الشامي إلا أن المدنَ الفينيقيةَ من أوغاريت إلى عكا استطاعت تجاوزَ هذه المحنة، نسبيًّا، وما رافقَها من اضطرابٍ سياسيٍّ دون أن تنهارَ بشكلٍ واسعِ النطاق.
ففي عكو (عكا) أكَّدَت حفرياتُ دوثان M. Dothan أنه بعد أن دمَّر رمسيس الثالث المدينة عاد السكان إلى استيطان الموقع على نطاقٍ أضيقَ وبدون تحصينات. واقترح دوثان أن يكون هؤلاء المهاجرونَ الشردين Shereden الذين أتَوا من إيجة وكليكيا، لكن الشردين شكَّلوا جزءًا من جيش رمسيس الثاني في معركة قادِش؛ إذ يُحتمَلُ أن يكونوا قد تأقلَموا في المنطقة قبل التدمير.
أمَّا الساحلُّ الفلسطينيُّ في سهل «شارون» فقد شَهِد تحولاتٍ من نوعٍ آخرَ تمامًا؛ فقد استوطن إيجيُّون يُدعَون «جكر-سيكيل Tjekker-Sekel» في مدينة «دور» الساحلية «والظاهر أنهم عَمِلوا ضمن الاقتصاد والثقافة الراسختَين في العصرِ البرونزيِّ الأخير، داعمينَ لها ومضيفينَ إليهما المبتكراتِ التقنيةَ الجديدة، التي أَدَّت في المدى الطويل إلى تحسيناتٍ في الصناعةِ البَحْرية. وفي بعض المواقعِ الأبعدِ إلى الجنوب تُوحي البياناتُ الأركيولوجية بأن المهاجرينَ الجددَ إلى دور لم يتسبَّبوا في تغيُّرٍ جذريٍّ أو اقتلاعٍ لسكان الساحل. والأخرى، هو أن المهاجرين اندمجوا سلميًّا مع السكان الساحليين المحليين.»
أما الساحلُ الفلسطينيُّ من يافا إلى غزةَ فكلُّها تشير إلى وجود تغيُّرٍ إثنيٍّ يتمثلُ في مجيء الفلستو الذي أنتج نوعًا جديدًا من الخزف الثنائي اللون بذات الزخارف المتميزة؛ إضافةً إلى الدُّمَى الفلستية والميناوية التي تمثل إناثًا مرفوعةَ الأيدي إلى الأعلى أو على الرأس، ويُعتقَدُ أنها نوعٌ من الإلهةِ الأُمِّ الفلستية التي كانوا يتعبَّدونها في موطنهم الأصلي (انظر شكل 59).
وهكذا نرى أن سهل شارون شَهِد التحوُّلَ من العصرِ البرونزيِّ القديم إلى العصرِ الحديديِّ الأول عن طريق تغيُّرٍ إثنيٍّ وظهورِ المزارعِ الصغيرةِ أو المخيماتِ أو القلاعِ والأسوارِ المُحصَّنةِ بأبراجِ مراقبةٍ مثل ما عُثر عليه في تل زيرور.
إن منطقةَ السهلِ الساحليِّ تُعرَفُ باسم سهل فلسطين، وتاريخُها — خلال الفترة من القرن الثالثَ عشرَ إلى القرن العاشر — يُقرَنُ بتاريخ شعبٍ بهذا الاسم في هذه المنطقة. وهناك نظريةٌ ترى أن هؤلاء البلست سكنوا في السواحل الفلستية قبل هجومِ أقوامِ البحر، وربما كانوا جزءًا من هجرة أقوام البحر المكوَّنةِ من البلست والجكر والشريدان والدانانو إلى مناطقِ فلسطينَ الساحلية؛ سبقَت حكم رعمسيسَ الثالث، وتمَّت في وقتٍ ما في القرن الثالثَ عشَر.
ولقد كان اندماجُ شعوبِ البحرِ مع السكانِ المحليين إشارةً إلى عدم تأسيس إثنيةٍ جديدة. أمَّا الانتعاشُ السريعُ في المدن الفلستية؛ خلافًا لمدنِ فلسطينَ الأخرى، فقد كان بسبب الجهودِ المصريةِ للسيطرةِ على الطرق البريةِ والبحْريةِ الجنوبيةِ في فلسطين.
فلسطينُ الشماليَّة (الجَليلُ والكَرْمل)
اتصلَت محاولاتُ ربطِ الحفرياتِ في مواقعِ الجليلِ وتاريخِ فلسطينَ التوراتيِّ التي قام بها «فنكلشتين» على إثبات علاقةٍ عَبْر إقليميةٍ بين مستوطناتِ العصرِ الحديديِّ الأول في الجليل ومستوطناتِ مرتفعاتِ إفرايم-منسي. لكنَّ هذه العلاقةَ لا تستندُ إلى أدلةٍ واضحة؛ فقد ارتبطَت أواني الجليلِ الأعلى، مثلًا، مع فينيقيا وساحل فلسطينَ الشماليِّ بدلًا من مواقعِ السامَرَّةَ ويهوذا، وكذلك البناءُ المعماري وأنواعُ معاصرِ الزيتونِ وغيرها. وتؤكِّد الحفرياتُ أن الجليلَ الأعلى — وهو المنطقةُ المرتفعةُ والوعرة — حصَل فيها الاستيطانُ الشاملُ في العصر الحديدي الثاني (ربما حتى نهاية القرن العاشر أو التاسع)؛ ولذلك توَجَّب الحذَرُ من ربطِ آثارٍ بالمرتفعات الوسطى في العصر الحديدي الأول وما قبله خدمةً لأغراضٍ توراتية. أمَّا الجليلُ الأسفلُ فقد شَهِد هو الآخرُ استيطانًا واسعًا في «قريات تيفون» و«تلال عيرون» وغيرها.
أمَّا وديانُ الأراضي المنخفضةِ مثل وادي جرزيل فهو أكثرُ المناطقِ الزراعيةِ في فلسطينَ استقرارًا؛ ولذلك لم يتأثَّرْ إنتاجُه الزراعيُّ بفعل الجفاف الذي حصل في العصر الحديدي الأَوَّل. وتؤكِّد حفرياتُ مجدو وبيسانَ أن هذا الواديَ شهد تواصلًا واستقرارًا سكانيًّا.
ورغم غزارةِ الحفرياتِ في وديان الأراضي المنخفضة — وخاصة جرزيلَ ونوعيتَها التي تشيرُ إلى استمرار وتنامي حضارتِها من البرونزيِّ الأخيرِ مرورًا بالحديديِّ الأولِ والثاني — إلا أن مخطَّطاتِ فنكلشتين النظريةَ المعتمدةَ على التوراة — والتي حاوَل أن يحوز بها الآثار المكتشَفة في هذه الوديان — جعلَت من الحضارة البديعة لهذه الوديان هامشية، قياسًا بالاستيطان في المرتفعات الوسطى، الذي يرى أنه شكَّل نواةَ إسرائيلَ لاحقًا.
يقدِّم طومسون اعتراضَه ونقدَه لهذه النظرية عَبْر النقاط الآتية.
(1) تصوَّر فنكلشتين أن وجود «إسرائيل» — في تلك الفترة السابقة لنشوء الدولة — يقتصرُ على المناطق التي يُتَصَوَّرُ أنها (من دون اعتماد منطقٍ تاريخيٍّ نقديٍّ) شكَّلَت فيما بعدُ مملكة شاؤل حوالي 1000ق.م. والتي حدَّد حدودَها بقراءة سِفْر صموئيل الأول (الذي يعتبره مرجعًا تاريخيًّا، مع قليلٍ من النقد).
(2) تأثُّرُهُ بالفكرة الأركيولوجية التوراتية التي تعتبرُ أن العصر البرونزي حقبةٌ «كنعانية»، وأن العصر الحديدي الأول حقبةٌ «إسرائيلية». وأن «إسرائيل القديمة» تُشكِّلُ جزءًا من سكان فلسطينَ الآخرينَ بالاستقرار.
(3) إصرارُه المُسبَقُ على عدم وجود استيطانٍ إلا في المرتفعات الوسطى (في العصر الحديدي الأول)، وإهمالُ الوديانِ المنخفضةِ قادَه إلى نسيان تواصلِ الاستيطانِ الكنعانيِّ في المرتفعات الوسطى من العصرِ البرونزيِّ إلى العصر الحديدي.
(4) ليست بياناتُه الأركيولوجية، بل تصوُّره المُسبَقُ المتأثرُ بالتوراة هو الذي «شوَّه» وتحكَّم في تاريخ فنكلشتين. وتدعو الضرورةُ إلى فهم مسارِ الاستيطانِ في المرتفعات في العصر الحديدي الأول، ضمنَ المحيطِ الجغرافيِّ الأوسعِ للتغيُّرات في كلِّ أرجاءِ فلسطين.
(ﺟ) فلسطينُ الوُسطى الشماليَّة (إِفرايم- منسي)
يصُبُّ فنكلشتين كلَّ جهودِه لوصف أصولِ إسرائيلَ انطلاقًا من العصر الحديدي الأول، وعلى ضوء أنماط الاستيطان في المرتفعات الوسطى؛ حيث يرى أن استقرار أشباه البدو بدأ على طول أطراف السهوب الشرقية للمرتفعات الوسطى، ثم ازداد عدد السكان، واعتمدوا على زراعة الكفاية، وتحولوا عن زراعة الحبوب إلى إنتاج الزيتون والكروم.
وكان «ألت» قد قدم روايةً أركيولوجيةً مستندةً إلى التوراة عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين تحكي كيف استوطَنوا تلك المناطق في المرتفعات؛ حيث الهيئات السياسية الكبرى كانت قد تأسَّسَت، والتي كانت مُلقَّحةً ضدَّ العدوى بنظام الدولة-المدينة الموجود في المنخفضات، وتلك المناطق قليلة السكان — والتي وصفَها ألت بأنها هشَّةُ التنظيم — هي التي كانت أقلَّ قدرةً على مقاومة الدخلاء الإسرائيليين بعد أن استقرت الجماعات «شبه البدوية» على النمط الزراعي من الحياة، وأدَّى توسُّعُها في النهاية إلى تدمير نظام دولة المدينة.
ويرى فنكلشتين أن مستوطناتِ المرتفعاتِ في العصر الحديدي (إفرايم-منسي) كانت مرتبطةً بمستوطناتِ المناطقِ المنخفضةِ المعاصرةِ لها، ويتميزُ كلُّ طرازٍ بأنه يعكسُ وحداتٍ اقتصاديةً متميزةً إقليميًّا.
ويُخالِف فنكلشتين نظريةَ «ألت» عن البداوة الرعوية، بالقول إن مستوطني المرتفعاتِ محليون، ويُقدِّم لهم ثلاثَ مراحلَ أركيولوجية خلال الفترة من 1200–1000ق.م. مؤديًا مباشرةً إلى «الملكية الموحدة» لدولة إسرائيلَ على يد داودَ في العصر الحديدي الثاني، وهنا يقع في الخطأ القاتل؛ فهو بقدر علميته ومعلوماته وبياناته الأركيولوجية المهمة، إلا أنه كان يبني ذلك وَفْقَ بناءٍ توراتي مُعَدٍّ سلفًا. إنه يُطوِّع المعلومات العلمية لصالح المرويات التوراتية. وبكلمةٍ أدقَّ إنه لا يبني تاريخًا أركيولوجيًّا لفلسطينَ بعامةٍ ولإسرائيلَ بخاصة، بل هو يصف الأركيولوجيا لصالح نهايةٍ توراتية.
ولعل أهمَّ ما يميِّز فنكلشتين هو رفضُه لفكرة تأسيسِ إسرائيلَ من «عائلة إسرائيلية» مهاجرةٍ من مصر، وهو ما يقع فيه ألت. وكذلك يجد طومسون مجموعةَ نقاطٍ ضعيفة أخرى في نظرية فنكلشتين، لعل أهمَّها مطالبتُه أن يقوم فنكلشتين بفحص ما يسمَّى ﺑ «المملكة الموحَّدة» وجذورِها ونشأتِها لا على أسسِ تاريخانيةِ المروياتِ التوراتيةِ المناسبة، بل في ضوء مبرِّرها التاريخيِّ ومبدأ قابليتِها للتحريف.
إن فنكلشتين مطالبٌ بأن يُحرِّرَ الأركيولوجيا كليًّا من الموجِّهات التوراتية، ويتركَها كما هي مع استنتاجاتٍ منطقيةٍ تعتمد على العقل لا على الدين.
وكان كتاب ليمخي N. P. Lemche «إسرائيل القديمة» قبل فنكلشتين قد وقع، هو الآخَر، في شَرَك مُسبَقاتِ المروياتِ التوراتيةِ رغم مَسحَتِه الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والأركيولوجية، ولعل أبرزَ ما أضافه ليمخي هو اكتشافُه لعدم وجود ما يبرِّر التمييزَ الشائعَ بين ثقافةِ الكنعانيينَ والإسرائيليينَ أركيولوجيًّا، بمعنى أنه لا تُوجَد آثارٌ إسرائيليةٌ خاصةٌ بإسرائيلَ (في العصر الحديدي الأول والثاني)، بل هناك دائمًا آثارٌ كنعانية فحسب.
ويتحزَّبُ ألبرايت بطريقةٍ تبتعدُ عن الذوقِ العلميِّ وتُجافي أبسطَ أنواعِ الحقائقِ الآثاريةِ والعلميةِ عندما يقلب الوقائع وتفسيرها الصائب، حين يرى أن من حُسن الحظ لمستقبل التوحيد أن إسرائيليِّي الغزوِ قد كانوا هَمَجًا، مُزوَّدينَ بطاقةٍ بدائية وإرادةٍ في البقاء لا تلين؛ حيث إن إفناء الكنعانيينَ قد منع الخلط الكامل بين القَومَين القريبَين؛ الأمرُ الذي كان سيحُطُّ من المستوى اليهوديِّ إلى درجةٍ يُصبِحُ معها إصلاحُ الأمرِ مستحيلًا. وبهذا فإن الكنعانيينَ بعبادتهم للطبيعة الطقسيعربدية، ومذهبهم المتعلق بالخصوبة بصيغة رموزِ الثعابينِ والعُريِ الشهوانيِّ وخرافاتِهم الغريزيةِ قد تمَّ استبدالُهم بإسرائيلَ ببساطتِها الرعوية، ونقاء حياتِها، ووحدانيتِها اللطيفة، ونظامِها الأخلاقيِّ الصارم.
كان فنكلشتين قد زحزحَ نظريةَ ألت وألبرايت بنظرية الهجرة من داخل فلسطينَ إلى المرتفعات الوسطى، وباكتشافه لفكرة الهيكلِ السياسيِّ لدولة الفلستو هو الذي ضغَط على قبائل اﻟ «عابيرو»، الذين نجدُهم مذكورين في رسائل تل العمارنة، وأجبَرهم على الاستقرار في المناطق الجبلية أوائل العصر الحديدي ليشكِّلوا نواة شعبٍ طوَّر، بعد وقتٍ لاحق، تقاليدَ قصصيةً غالبًا ما تعرف تطابقًا بين تعبير «إسرائيليين» وتعبير «عبريم» الذي يبدو عرقيًّا. وهو بذلك يحاول توضيحَ التطوُّرِ التاريخي، والأهمُّ التطور اللفظي من «عابيرو» كطبقةٍ اجتماعيةٍ متدنية إلى «عبريم» الذي نجده في التوراة.
وهذا مُوجِّهٌ توراتي أيضًا، في نظرنا، لعدم وجود وثائقَ تاريخيةٍ تربط بين «عابيرو» رسائل تل العمارنة في القرن الرابعَ عشرَ مع العبريين في التوراة. خصوصًا أن كلَّ ما يتعلقُ بما هو «عبري» ما زال غامضًا … حتى ذلك الخطأ الشائع الذي يُطلَق على اللغةِ المصطنَعةِ التي تُسمَّى «عبرية»، والتي لا وجود لها إلا صناعيًّا عند بعضِ الكهنةِ الذين كتبوا المشنا. أما التوراة فمعروف أنها مكتوبةٌ بلهجةٍ كنعانية حيةٍ تُسمِّيها التوراة نفسها «شفة كنعان» ولا تُسمِّيها «عبرية»!
ويقع بوروفسكي O. Borowski في خطأٍ قاتلٍ آخَر؛ فقد حاوَل، بحماسٍ قوي — وإن كان مُضَلِّلًا — أن يقرِنَ كلَّ إبداعِ الزراعةِ الفلسطينيةِ خلال العصرِ الحديديِّ مع الإبداع «الإسرائيليِّ»، وبشكلٍ خاصٍّ تنظيمُ المصاطبِ الذي مكَّن من سُكْنى المناطقِ الجبليةِ وإزالةِ الغابات، ومن الزراعة الانسيابية، والإبداعِ في تخزينِ المياهِ والأدواتِ الحديديةِ واعتمادِ الدورةِ الزراعيةِ والتسميدِ وإراحةِ الأرض، واختراعِ معصرةِ الزيتِ الخشبيةِ ووسائلِ التخزينِ المُبتكَرة.
أما كوتي R. Coote ووايتلام K. Whitelam فيريانِ أن بداياتِ الاستيطانِ في المرتفعات والسهوب أوائلَ العصرِ الحديديِّ جاءت نتيجةً لانهيار التجارةِ أواخرَ العصرِ البرونزي، وأن انتعاشَ التجارةِ مجددًا في العصرِ الحديديِّ الأوَّل أمسكَ بزمام النموِ التجاري، الذي قاد إلى تشكيل دولةٍ إسرائيليةٍ تحت حُكمِ داودَ وسليمان، ويذكُرانِ أن المبدأَ الحاكمَ هو أن تركيزَ الاستيطانِ بتحوُّله إلى قرى المرتفعات والسهوب — خلال فترةِ تناقُصِ أو انهيارِ التجارةِ الإقليمية - هو وسيلةٌ لتقليل المخاطر باعتماد اقتصادِ الكفافِ الرعوي، الذي يُقدِّم أملًا أقوى بالبقاء بعيدًا عن الأراضي المنخفِضة والمُعرَّضة للمخاطر. ويبدو أن ظهورَ إسرائيلَ يتلاءم مع هذا النموذجِ.
لكن ميلر وإيدلمان Edelman يَريانِ أن نشوءَ ملكيةٍ أو مشيخةٍ محدودةٍ في المرتفعات الوسطى، يبدو ممكنًا أواخر العصر الحديدي الأول وبداية العصر الحديدي الثاني. ورغم ذلك، فإن وجودَ مثلِ هذه الوَحدةِ السياسيةِ الصغيرة يُفترضُ وجودها في مرتفعات إفرايم في هذه الحقبةِ القديمة، ويبدو مستقلًّا تمامًا عن أيِّ توسُّعٍ في التجارة الدولية. ويرى طومسون أنْ لا وجودَ لهذه التجارةِ الدوليةِ، ويرى كذلك أن تأكيدَ كوتي ووايتلام على كونها السببَ المباشرَ لنشوء المِلْكية يبقى مُحيِّرًا.
وهكذا ظلت نظريات «المرتفعات الوسطى» كأساسٍ لنشوء إسرائيلَ متهافتةً ولا أساسَ لها من الصحة؛ فهي مجردُ سيناريوهات تأويليةٍ مبنيةٍ على حقائقَ أركيولوجيةٍ قليلة وناقصة وتعتريها الثَّغرات.
(د) فلسطينُ الوُسطى الجنوبيَّة (تِلالُ يَهُوذا)
تقعُ مرتفعاتُ يهوذا بين مرتفعاتِ إفرايم حتى شَمالِ القدس، أمَّا تلالُ يهوذا فتقعُ بين القدسِ والخليل. وتشير المسوحُ الأركيولوجية إلى أن تلال يهوذا كانت مهجورةً في العصرِ البرونزيِّ الأخير، باستثناء القدسِ وخربة رابود، وربما بيت زور التي توَاصَل السكنُ فيها خلالَ العصرِ الحديديِّ الأول. أمَّا الحافة الشرقية لصحراء يهوذا فقد وُجِدَت فيها مواقعُ تعود إلى العصرِ الحديديِّ الأول، معظمُها قرب تجمُّعاتِ المياه.
كانت الزراعةُ، على ما يبدو، حَرِجةً في العصرِ الحديديِّ الأوَّل ومتأثرةً بظروف الجفاف؛ ولذلك اتجه الإنسانُ هناك إلى تربية الحيوانات. وهكذا تبدو لنا السهوبُ الواسعةُ المحيطةُ بيهوذا والصحراءِ الشرقيةِ المتاخمةِ لها مكانًا لهجرة مجموعاتٍ من بدو «الشاسو» شبهِ المستقرِّينَ قُرْبَ مرتفعاتِ يهوذا.
ويرى طومسون أن السبب الذي أدَّى إلى تحوُّل سكانِ مرتفعاتِ يهوذا عن البداوة الرعوية؛ خلال العصرِ البرونزيِّ الأخيرِ والحديديِّ الأول، إلى شكلٍ زراعيٍّ متوسطٍ مستقرٍّ يجب أن يُعْزَى إلى سياسة توطينٍ إلزاميةٍ شجَّعَ عليها توسُّعُ النفوذِ السياسيِّ لمدنِ شَمال النقب وشيفيلية والساحلِ الجنوبيِّ في فلسطين.
في هذه الأثناء كانت مدينةُ القدسِ المتواصلةِ مع تاريخِها البرونزيِّ بوجود اليبوسيين تنمو تدريجيًّا، وتتحول إلى دولةٍ مدنية تسيطر على وادي عليون، وتصبحُ مركزًا تقليديًّا عريقًا للمهاجرينَ من بدو الشوس حولَها ونحو المرتفعاتِ شَمالها.
ويبدو أن القدسَ كانت محاطةً في إقليم المرتفعات الوسطى السفلية بثلاث مدنٍ مهمَّةٍ هي: «لخيش وشيفيلية والخليل» وكانت حتى ذلك الوقتِ أهمَّ بكثيرٍ من القدس على جميع المستويات. ولم تبرُز أهميةُ القدسِ إلا عندما دُمِّرَت لخيش في بداية القرنِ (حوالي 1100ق.م.) أما شيفيليةُ والخليلُ فقد تَخَلتا، بفعل الصراعات الاقتصادية الإقليمية بينها، إلى القدس عن أهميتهما لتنموَ القدسُ ببطءٍ وبهدوءٍ بين تلالِ ومرتفعاتِ يهوذا القادمة.
(ﻫ) فلسطينُ الجنوبيَّة (النَّقب)
استمر السكَن المحدود في بعض مواقع شمال النَّقبِ مثل «تل الحويليفية» من العصر البرونزي الأخير إلى العصر الحديدي الأول؛ حيث يتوسعُ السكنُ فيها كلما اتجهنا نحو العصر الحديدي الثاني، وأظهرَت آثارُها أدواتٍ كثيرةً منها أدواتُ التخزينِ الفَخَّارِيَّة والخزف وبيوت السكَن. ولعلَّ أكبرَ المواقعِ سكنًا كان تلَّ الدوير (لخيش) التي تحدَّثنا عنها؛ حيث تواصلَ السكنُ فيها حتى حكمِ رمسيسَ الثالث، ثم انقطع لينموَ مع العصر الحديدي الثاني، وهذا ما حصل مع مدينة شيفيلية.
ويظهرُ موقعُ «خربة المشاش» استثنائيًّا في سكَنه وتطوره في منطقة النَّقب نظرًا لموقعها الجغرافيِّ الذي يربط الجزيرة العربية بالسهل الساحلي، وتبدو التفسيراتُ التي تحاول جهلَ هذا الموقعِ «إسرائيليًّا» متهافتةً ولا قيمةَ لها.
ويتسع ذلك النموُ المُطَّرِدُ لموقع بئر سبع وقادِش البرانية. ويبدو أن ذلك كلَّه حصل بفعل استقرارِ سكانِ بدوِ التخومِ الجنوبية، وفرضِهم هذا الاستقرارَ على قرى ومدن النقب ومرتفعات يهوذا.
ويرى طومسون أن هذه المناطقَ انتقلَت تدريجيًّا من اقتصادٍ مختلطٍ يقوم على زراعة الحبوبِ والمحاصيلِ الحقلية والرعي إلى اقتصادٍ أكثرَ اتِّسامًا بالسمات المتوسطية، وميزته الكامنة في الاستثمار في مجال المحاصيل النقدية؛ مثل الزيتون والزيت والعنب والخمر، بعد إنشاء المصاطب بصورةٍ تدريجية. ومع اندماجِ السكان بالاقتصاد المتوسطيِّ وأثرِه اندمجوا في الشبكاتِ التِّجاريَّةِ الإقليمية، مما أدَّى إلى جذب الاستثماراتِ والمصالحِ والسيطرةِ السياسيةِ والعسكريةِ للمدن.
•••
وهكذا نلاحظُ، إجمالًا، أن فلسطينَ في العصر الحديدي الأول قد مرَّتْ بتحولاتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ جذْريَّةٍ كان من شأنها أن تُعيدَ تكوينَ البنيةِ الحضاريةِ والسياسيةِ لها؛ والتي ما عادت كما كانت في العصور البرونزية ذات الطابع الأموري الكنعاني.
لقد شهد غربُ فلسطينَ الساحلي استيطانَ «الفلستو» الإيجية التي اختلطَت بالتراث الكنعاني وذابت فيه رغم أن صلابتها العسكرية ظلت حافزًا على تشكيل أقاليمَ حولَها. أمَّا شَمالُ فلسطينَ فقد شَهِدَ تدفُّقًا زراعيًّا كنعانيًّا نشطًا، وحافظت تمامًا على الهوية الكنعانية. أمَّا وسطُ فلسطينَ فشهِدَ استقرارًا للقبائل البدوية التي حاولَت انتقاءَ ما يحلو لها من العقائد الكنعانية في سبيل تكوين هويةٍ خاصَّةٍ بها دون جدوى؛ فقد ظلَّ التراثُ الكنعانيُّ مهيمنًا. أمَّا الجنوبُ الصحراويُّ لفلسطينَ فقد ظل كما هو، وأصبحَت تُخومُه محاطةً بالبدو شبهِ المستقرينَ من الكوشان والأدوميينَ (وهما من بقايا الأموريين)، وانتعشَت مدنُه وقُراه بطبيعةٍ متوسطيةٍ تِجاريةٍ وشبهِ زراعية.
هذا المشهد لا يُوحي ببناء سيناريوهاتٍ مبالغٍ فيها وصادرةٍ عن عقليةٍ أيدولوجية ودينيةٍ تفترضُ أن إسرائيلَ قد استوطنَت أوَّلًا مرتفعاتِ فلسطينَ النادرة السكان.
شكل 52: توابيتُ آدميةٌ فَخَّاريةٌ كنعانية في دير البلح. Anthropoid coffins from Deir el-Balah. IMJ, Gift of Laurence and Wilma Tisch, New York, purchasers of the Dayan Collection.
استطاع الكنعانيونَ فرض ثقافتِهم من جديد، واستفادوا من مؤثِّرات الثقافةِ المصرية، مثل استخدامِهم للتوابيت الآدميةِ الفخَّاريَّةِ في دفن موتاهم، وقد ظهرَت هذه التوابيتُ في الكثيرِ من المدنِ الساحليةِ بشكلٍ خاص، ومنها دير البلح، في غزةَ الآن، والتي كُشِفَ فيها عن العديد من هذه التوابيت.
ويُعِدُّ «برايت» المسرحَ لتوصيفِهِ الاستيلاءَ الإسرائيليَّ على كنعانَ بتهيئة القارئ، باقتراحِ وتأكيدِ أن إسرائيلَ كانت مهيأةً لإدخال نظامٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ إلى المنطقة، بالطريقةِ ذاتِها التي كانت تُقدِّم فيها إسرائيلُ في أيامها على أنها حاملةُ الحضارة «الأوروبية/الغربية» إلى منطقة كانت مقسمةً سياسيًّا ومفلسةً أخلاقيًّا. ولا تُذكَرُ الإنجازاتُ الثقافيةُ لفلسطينَ إلا ويُظِلُّها عجزُ سكانٍ مفسدينَ دينيَّا عن تشكيل أَنفسِهم في تنظيمٍ سياسيٍّ ذي معنًى؛ أي العجز عن عبور العتبة نحو الدولة. ولم تكن فلسطينُ قبل دخولِ إسرائيلَ إلا خليطًا من دول-مدن صغيرة وتافهة تحت السيطرةِ المصرية، والتي تُرِكَت فوضويةً وعاجزةً بعد انهيارِ السلطةِ المصرية.
إن الفراغَ الآثاريَّ الواضحَ في تاريخ فلسطينَ في العصرِ الحديديِّ الأوَّل يملؤوه «التوراتيون» بسيناريوهات الهجرةِ البدويةِ وتكوينِ بذرةِ إسرائيلَ في شَمال الوسط، وبذرة يهوذا في جنوب الوسط، ولنلاحظْ ضغطَ المقدماتِ التوراتية على تشكيل هيكل السيناريو لنكتشفَ ببساطةٍ زيفَ هذه الطروحاتِ وبطلانَها. بل ولنزيحَ الستارَ عن مؤامرةٍ مخزيةٍ تطعنُ التاريخَ القديمَ لتهيِّئَ مسرحَ التاريخِ الحديثِ لاستيطانٍ شبيهٍ بذلك الذي حصل في العصر الحديدي الأول يصنعه يهود قادمونَ من الغرب ليملئوا الفراغَ السياسيَّ والحضاريَّ الذي تركَتْه الإمبراطوريةُ العثمانيةُ (في الماضي كانت الإمبراطورية المصرية الفرعونية) وهذا ما يجتهد كيث وايتلام لفضحه في كتاب: «تلفيقُ إِسرائيلَ التوراتية: طمسُ التاريخِ الفلسطيني».
الاكثر قراءة في عصر ماقبل التاريخ
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)