يحتلُّ تاريخُ الأسرةِ العشرين (1995–1080ق.م.) معظمَ فترةِ العصرِ الحديديِّ الأول. فإذا أضفْنا له التاريخَ المضطربَ للأسرة الحادية والعشرين (1085–950ق.م.). نكون بذلك قد غطَّينا كل مرحلة العصر الحديدي الأول في فلسطين.

شكل 49: رَمسيسُ الثالثُ في معركةٍ مع أقوامِ البَحر (صورةٌ جزئية). المرجع: جاردنر، 1987م: 315.
ربما كان «إرسو» — الذي قفَز إلى كرسيِّ الحكمِ في نهاية الأسرةِ التاسعةَ عشرةَ — أحدَ زعماءِ الجنودِ القادمينَ من بلاد الشام، وفلسطين بشكلٍ خاص، مُنهِيًا بذلك حكمًا مصريًّا قاسيًا ضد فلسطينَ استمر خلال الأسرتَين الإمبراطوريتَين الثامنةَ عشرةَ والتاسعةَ عشرة.
ويبدو لنا مغزى الرسالةِ السريعةِ التي تعنيها هذه الحادثةُ عميقةً ومؤثرةً وتُعيدُ إلى الذاكرة ما فعله الهكسوس؛ فقد ازداد تدمير القبائل البدوية المهاجرة من بلاد الشام وفلسطينَ نحو مصر، وقامت بغزواتٍ متعددةٍ نجحَت واحدةٌ منها في رفع زعيمها «إرسو» إلى مرتبة الفرعون.
ورغم أن مؤسسَ الأسرةِ العشرينَ أزاح هذا الفرعونَ الأجنبيَّ وأورث على العرش المصريِّ ولدًا قويًّا هو رمسيسُ الثالث، لكن هذا الأخير وجد نفسه مُضطرًّا للسير إلى بلاد الشام لإخماد ثورةٍ في بلاد «أمورو»، كما تشيرُ إلى ذلك نقوشُ معبدِ مدينة «هابو».
لكنَّ العملَ الجبارَ الذي قام به رمسيسُ الثالث كان في صدِّه لهجوم أقوام البحر التي احتلَّت كيليكيا وقبرص وكركميش، ثم اتجهَت نحو مصر «وجاء بعضها بطريق البر، ومعهم نساؤهم وأطفالهم على عرباتٍ تجرُّها الثيران، والبعضُ الآخَرُ على سفنٍ حربية. ولم يُهمِل رمسيسُ الثالثُ دفعَ هذا الخطر، فاستعدَّ له وجمع أسطولًا كبيرًا، كما جمع جيشًا بريًّا، وسار لملاقاة أعدائه الذين كانوا في طريقهم إلى مصر من ناحية الشرق. وقد حَفِظَت لنا جدرانُ معبدِ مدينة هابو صورًا مفصَّلةً لهذه المعارك من بريةٍ وبحرية، وهي تمثِّل لنا صورًا من الصدام بين مصر والشعوبِ الأوروبية (1).»
وكان من ضمن هذه الأقوام «البلست» أو«الفلستو» الذين هُزِموا أمامَ رمسيسَ الثالث. لكنهم قاموا بالهجوم، بعد ذلك، على المدن الساحلية الكنعانية، ثم تمركزوا واستقروا في خمسِ مدنٍ ساحليةٍ كنعانية، هي «عكا، أسدود، عسقلان، جت، غزة»، وأصبحت أسدود عاصمةً لمملكةٍ فلستية (فلسطينية) انصهَرَت فيها القبائل الإيجية الغازية مع القبائل الكنعانية التي كانت تسكُن هذه المدن.
وهكذا بدأ أوَّلُ تحوُّلٍ إثنيٍّ في بلاد فلسطينَ عندما كوَّن «الفلستو» لهم دولةً ساحليةً تضم خمسَ مدنٍ كبيرة (خارطة 10).

خارطة (10): المواقع التي عُثر فيها على الطراز الفخَّاري البلستي. المرجع: Ahlstrom, The History of Ancient Palestine Map (10) , 1993.
وقد رافق استقرار الفلستو في فلسطين ظهورُ ملامحَ خاصَّةٍ بطراز فَخَّارِهم الذي حمَل مؤثراتٍ إيجيةً واضحة، مثل أشكال بعض الحيوانات والنباتات. وكذلك طراز الدُّمى التي صنعوها، والتي كان لها نمطٌ خاص (شكل 20، 21).

شكل 50: فخَّارٌ فلستيٌّ مزخرف. المرجع: إبراهيم، معاوية، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثاني، 1990م، ص115.

شكل 51: دُمًى فلستية وميناوية. المرجع: إبراهيم، معاوية، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثاني، 1990م، ص116.
ويبدو أن رعمسيسَ الثالثَ قام بحملةٍ أخرى في بلاد الشام لكنه لم يُطهِّرْها من بقايا أقوام البحر، كما يذهب إلى ذلك أغلبُ المؤرخين، بل حاصر مدنًا داخليةً قد تكونُ «قادِش» واحدةً منها.
وبعد وفاة رعمسيسَ الثالثِ عام (1160ق.م.) تلاه سلسلةٌ من الملوك من رعمسيسَ الرابعِ وحتى رعمسيسَ الحاديَ عشرَ حكموا ثمانين عامًا وكانوا ضعفاء، وخضَعوا لسلطان الكهنة، وأخذ النفوذُ المصريُّ في بلاد الشام يقلُّ حتى اقتصر على فلسطين، ثم تحرَّرَت فلسطينُ أيضًا منه مع نهايةِ الأسرةِ العشرين. واستمرَّت الاضطراباتُ وضعُفَت الأوضاعُ الداخليةُ في مصرَ طيلةَ حُكمِ الأسرةِ الحاديةِ والعشرين. وقد تكون برديةُ رحلةِ الكاهنِ «ون-أمون» إلى لُبنانَ خيرَ وثيقةٍ أدبية لتِبيانِ ما آلَت إليه أمورُ مصرَ في الشام مع نهايةٍ مُرة (2).
كانت الصفةُ العامةُ للنفوذ المصريِّ في فلسطينَ منذ العصرِ البرونزيِّ المتأخر هي محاولة «تمصير كامل لجنوب فلسطين» كما يصفها طومسون. وقد تَوجَّه هذا النفوذُ الذي وصل إلى ذروته مع حكم رعمسيس الثالث، بثلاثةِ أبعادٍ هي «التدخلُ العسكري ودمجُ المصريينَ بالاقتصاد وسياسة المدنِ وطرقِ التجارة والضبط الإداري النشيط للأراضي المنخفضة» (3).
ويدور التدخُّلُ العسكري، لا سيَّما مع حكامِ فراعنة السلالةِ التاسعةَ عشرةَ، في صدِّ غزواتِ الحيثيينَ المتجهينَ جنوبًا وإخمادِ الثوراتِ المواجهةِ للحكمِ المصريِّ ومنعِ أو تقليل غزوات اﻟ «شاسو» على الساحل الجنوبي. أمَّا التدخلُ الاقتصاديُّ فيتضَمنُ وجودَ مجاميعَ حِرفيَّةٍ مصريةٍ ومعابدِ آلهةٍ مصريةٍ في غزَّةَ وعسقلان، وربطَ مواقعِ التعدين — في «تمنه»، و«سرابيط الخادم» — بالاقتصاد المصري. أمَّا الضبطُ الإداريُّ فكان مركزُه في غزة.
ويبدو أن هذه الخطة نُفِّذَت طيلةَ العصرِ البرونزيِّ المتأخرِ والحديديِّ الأول، وهناك ما يشيرُ إلى انسحاب الوجود المصري من فلسطينَ أثناء حكم رعمسيسَ الرابع (1141–1134ق.م.) أو بعد ذلك بقليل. ويبدو أن السببَ الأساسيَّ في ذلك هو الحروبُ الأهليةُ في مصر وضعفُ الإدارةِ الحكومية.
...............................................
1- فخري، أحمد، المرجع السابق، ص392.
2- فسه، ص309.
3- طومسون، المرجع السابق، ص189.