كانت الحياةُ تتطورُ بوتيرةٍ عاليةٍ في المرتفعات الوسطى، واحتلَّت السامرةُ موقعًا رئيسيًّا في أحداث القرن الثامن قبل الميلاد السياسية، واندمجَت المشاربُ المختلفةُ لسكان المرتفعاتِ الوسطى لتكوِّن دولةً مدنيةً متميزة، ولكنَّ الاضطراباتِ الداخليةَ كانت تسودُها.
كان ثمَّة ما يشير إلى المنافسة السياسيةِ بين دِمشقَ وإسرائيلَ وبينَ إسرائيلَ وأورشليم، ولم تنفَع كلُّ محاولاتِ الهدنة والتحالفاتِ السابقة لإزالة التوتر.
وفي هذا الوقت كان «تجلات بلاسر الثالث» (745–727ق.م.) أول أباطرةِ الإمبراطوريةِ الثانية قد حاول تنظيمَ الإمبراطوريةِ على أساس تقسيمِها إلى ولاياتٍ إدارية. وكانت هذه السياسةُ تهدفُ إلى إخضاعِ أصقاعِ الإمبراطوريةِ كلِّها إلى إدارةٍ ذاتيةٍ مرتبطةٍ بالملكِ الآشوريِّ عَبْر حكامِها المحليين، وبذلك يضمنُ إخمادَ الثوراتِ الانفصاليةِ لهذه الولايات، وفي حالة مروقِ حاكمِ الولايةِ فإنه يقوم بخلعه. أمَّا إذا ثار الشعبُ معه فإنه يقومُ بإجلاءِ وتهجيرِ هذا الشعبِ كُلِّه من البلاد ويقوم باستبداله شعبًا (أو شعوبًا) ثائرًا آخر، أو من سكان الإمبراطورية.
هذه هي السياسةُ الآشوريةُ الجديدةُ التي ستصبحُ نهجًا ثابتًا للبابليينَ والفرسِ بعدهم، وربما لروما في بعض الأحيان.
ويبدو أن تجلات بلاسر الثالث شعَر بالغيظ من التحالُف الذي قام بين مملكتَي دِمَشقَ وإسرائيلَ اللتَين طلبتَا من مملكة يهوذا الدخولَ في هذا الحلف المضادِّ للآشوريين، وعندما طلب «آحاز» ملكُ يهوذا النجدةَ من تجلات بلاسر هبَّ الأخيرُ وقام بحملتَين ضدَّ بلادِ الشام في «733ق.م.» و«732ق.م.» أخضعَ فيها معظمَ بلادِ الشام، وقسَّمها من جديدٍ إلى عدة ولاياتٍ هي «دور، مجدو، قرنايم، حورون، دِمَشق»، وبذلك يكونُ قد قضى على ذلك التحالف، لكنه أعطى بعضَ الحريةِ لمملكتَي إسرائيلَ ويهوذا؛ أي لم يجعَلْهما ولايتَين تابعتَين له، بل فرضَ عليهما الجزيةَ فقط.
بعد وفاةِ تجلات بلاسر الثالثِ رأت إسرائيلُ أنها يمكن أن تقيمَ تحالفًا جديدًا مع مصر، لكنَّ مصرَ كانت غارقةً في صراعاتها الداخلية بين «تف نخت» و«بعنخي»، وحين استقامت الأمور ﻟ «تف نخت» قليلًا أعطى إشارةً لإسرائيلَ لكي تقومَ بالتمرُّد على آشور.
هكذا توهَّم «هوشع» ملكُ إسرائيل، وهو يستند إلى التحريضِ المصري، بأنه سيُواجه المطامعَ الآشورية؛ ولذلك رفضَ دفعَ الجزيةِ لآشورَ عندما طلب منه الملكُ شلمنصر الخامسُ (727–722ق.م.) ذلك، فما كان من هذا الملكِ الآشوريِّ إلا وحاصر عاصمتَها «السامرة» وأرغم «هوشع» على دفع الجزية. لكنَّ الجيشَ الآشوريَّ لم ينسحب، بل واصل حصارَه للسامرَّة.
وعندما تولى سرجون الثاني (721–705ق.م.) العرشَ الآشوريَّ قام بعدةِ أعمالٍ عسكريةٍ ضدَّ المدنِ الشمالية، ومن ضمنها السامرة، وتتلَخصُ هذه الأعمالُ بما يلي:
(1) في السنة الأولى من حكمه (721ق.م.) قام بالهجوم على مدينة السامرة وفتحها، وفرض عليها الجزية، وهجَّر أهلَها؛ فهو يقول في أحد النصوص الملكية:
«في بداية حُكمي الملكيِّ حاصرتُ وفتحتُ السامرة وقُدتُ من سكانها 27290 كغنيمة … فرضتُ عليهم جزية … وقد خرج ضدي «هانو» ملك غزة وكذلك «سبعي تورتان موصوري» من رفح ليصارعوا في معركةٍ حاسمةٍ فهزمَتْهم، وأما «سبعي» فهرب خائفًا … وأما «هانو» فقد قبضتُ عليه» (1).
(2) في السنة الثانية من حكمه (720ق.م.) دمَّر تحالُف السامرة مع مدنٍ أخرى في قرقر وهزمها، وهذا يعني أنه لم يجعل كل سكان السامرة، بل إنها كانت قادرة على تجهيز جيش والدخول في تحالفٍ جديد ضد آشور قادته حماة:
«وفي العام الثاني من حكمي جاء «إيلو بعيدي» من حمَاةَ بجيشٍ كبيرٍ عند مدينة قرقار … مدن أربد وسميرا ودمشق والسامرة ثارت ضدي … عمل «هانو» ملك غزة اتفاقًا مع ملك مصر، واستدعى هذا «سبعي» قائدَه ليساعده «هانو» وخرج سبعي في حملة هزَمتُه فيها … وأما سبعي … هرب وحيدًا واختفى وقبضتُ على «هانو» وجئتُ به إلى مدينتي آشور، ودمرتُ رفح وهدمتُ أسوارها وحرقتُها … حيثيٌّ … قام بمؤامرةٍ ليكونَ مَلِكًا على حماة، فأغرى مدنَ أرواد وسميرا ودِمَشقَ والسامرةَ لتتخلى عني، وتحالَفوا وجمَعوا جيشًا، وحاصرتُهم وجنودَهم في قرقار … هزمتُها وأحرقتُها(2).»
(3) في السنة السابعة من حكمه (714ق.م.) جلب سرجون الثاني قبائلَ عربية وأسكنَها مدينةَ السامرة، فهو يقول: «وفي السنة السابعة قضيتُ على قبائل تامود وإيباديدي ومرسيمانو وحيابا والعرب … سبَيتُ الأحياءَ منهم ونقلتُهم إلى السامرة (3).»
وهكذا انتهَت دولةُ إسرائيلَ الشمالية التي بصورةٍ أكيدةٍ منذ بداية عُمري حتى نهايةِ هوشع (881–721ق.م.) أيْ حوالي (160) سنة فقط، والتي كانت عدوًّا لدودًا ليهوذا لا بسببٍ سياسيٍّ فقط، بل بسببٍ ديني؛ حيث اختلفَت عقيدتُها الدينيةُ الكنعانيةُ الملامح (والتي مركزُها عبادةُ إيل وزوجته إشيرا ومجموعة الآلهة) عن العقيدة الدينية ليهوذا وأورشليم لاحقًا ذاتِ الطبيعةِ البدوية (والتي مركزُها عبادةُ يهوا وزوجتِه مع مجموعةٍ من الآلهة).
.............................................
1- نبيلة عبد الحليم، معالم العصر التاريخي في العراق القديم، القاهرة، 1983م، ص220–221.
2-عبد الحليم، نبيلة، المرجع السابق، ص221.
3-نفسه.