عقيدة الاستثمار في العراق بعد 2003...حين يتحول الاستثمار إلى ستار للفساد وسوء الإدارة
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
21/08/2026
منذ سقوط النظام السابق عام 2003 وحتى اليوم، لم يتغير الخطاب الاقتصادي الرسمي في العراق كثيراً. فمع كل حكومة جديدة، ومع كل أزمة خدمية أو اقتصادية، ومع كل حديث عن البطالة أو السكن أو الكهرباء أو البنى التحتية، يعود المسؤولون إلى الوصفة نفسها: جذب المستثمرين وتوسيع فرص الاستثمار. حتى بات العراقي يسمع كلمة "الاستثمار" أكثر مما يسمع كلمات الإنتاج والتصنيع والتخطيط والتنمية الوطنية.
وبمرور الوقت تحولت هذه الكلمة إلى شعار دائم الحضور في البيانات الحكومية والمؤتمرات الاقتصادية والخطابات السياسية، وكأن العراق لا يملك طريقاً آخر للنهوض سوى انتظار المستثمرين. لكن هذا الخطاب يثير سؤالاً مشروعاً: إذا كان الاستثمار هو المفتاح الوحيد للتنمية، فكيف استطاع العراق أن يبني معظم مشاريعه الاستراتيجية قبل أن يصبح الاستثمار العقيدة الاقتصادية السائدة بعد عام 2003؟
منذ خمسينيات القرن الماضي، ولا سيما خلال ستينياته وسبعينياته وثمانينياته من القرن الماضي لم يكن الحديث يدور حول جذب المستثمرين بقدر ما كان يدور حول بناء الدولة وتوسيع قدراتها الإنتاجية والخدمية. ففي تلك العقود شُيدت المصانع الكبرى في مختلف القطاعات، وأُنشئت شبكات واسعة من الطرق والجسور، وطُورت منظومة السكك الحديدية، ومُدت خطوط أنابيب النفط إلى منافذ التصدير المختلفة، وأنشئت المطارات والموانئ، وتوسعت شبكة الخطوط الجوية العراقية لتصل إلى وجهات عالمية عديدة.
كما بُنيت الجامعات الحكومية والمعاهد والمدارس والمستشفيات والمجمعات السكنية التي استفاد منها مئات الآلاف من المواطنين. ولم تكن هذه المشاريع قائمة على فلسفة المستثمر الباحث عن الربح، بل على فلسفة الدولة التي ترى أن من واجبها توظيف مواردها الوطنية لبناء الاقتصاد وتقديم الخدمات وتحقيق التنمية.
قد يختلف العراقيون في تقييم الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد في تلك المراحل، لكن من الصعب إنكار حقيقة أن الدولة العراقية كانت تمتلك آنذاك قدرة تنفيذية واضحة، وأن الجزء الأكبر من البنية التحتية التي يعتمد عليها العراق حتى اليوم يعود في جذوره إلى تلك الحقبة.
بعد عام 2003 تبدلت الأولويات وتغيرت المفاهيم. فقد جرى الترويج لفكرة أن الدولة ليست منتجاً ولا صانعاً للتنمية، وإنما مجرد جهة تنظيمية تهيئ البيئة المناسبة للمستثمرين. ومع مرور السنوات أصبح الحديث عن دور الدولة في البناء والإنتاج أقرب إلى الاستثناء، بينما أصبح الاستثمار يُقدم باعتباره العلاج السحري لجميع الأزمات.
غير أن الحصيلة الفعلية بعد أكثر من عقدين تفرض نفسها بقوة. فالعراق الذي سمع آلاف المرات عن الاستثمار ما زال يعاني من أزمات مزمنة في الكهرباء والإسكان والخدمات الأساسية، وما زال اقتصاده يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، وما زالت الصناعة الوطنية تعاني من التراجع، وما زال القطاع الزراعي يواجه تحديات كبيرة، وما زالت البطالة تشكل هاجساً دائماً لشرائح واسعة من الشباب.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الاستثمار بوصفه أداة اقتصادية معروفة ومشروعة، وبين تحويله إلى شعار سياسي يُستخدم لتفسير كل شيء وتبرير كل إخفاق. فليس هناك دولة في العالم ترفض الاستثمار من حيث المبدأ، لكن الدول الناجحة تجعل الاستثمار جزءاً من مشروعها الوطني، لا بديلاً عن هذا المشروع.
فالمستثمر لا يأتي بدافع العمل الخيري، ولا يتحرك انطلاقاً من اعتبارات وطنية أو اجتماعية، وإنما يسعى إلى تحقيق الربح. وهذه حقيقة اقتصادية بديهية. لذلك فإن نجاح الاستثمار أو فشله يعتمد على قدرة الدولة على فرض أولوياتها وشروطها وحماية مصالح مجتمعها.
لكن المشكلة في العراق لا تبدو مرتبطة بغياب المستثمرين بقدر ارتباطها بغياب الإدارة الرشيدة. فالعراق ليس دولة فقيرة تعاني نقصاً في الموارد، بل إنه يمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم، وقد تدفقت إلى خزائنه منذ عام 2003 مئات المليارات من الدولارات. ولو أُدير جزء من هذه الموارد وفق معايير الكفاءة والنزاهة والتخطيط الاستراتيجي لكان بالإمكان بناء آلاف المدارس والمستشفيات ومشاريع الإسكان ومحطات الطاقة والمناطق الصناعية الحديثة.
إن السؤال الذي يتهرب كثير من المسؤولين من الإجابة عنه لا يتعلق بعدد المستثمرين الذين دخلوا العراق، بل بحجم الأموال التي أُنفقت دون أن تنعكس على حياة المواطنين. فقبل الحديث عن الحاجة إلى رؤوس الأموال الأجنبية، يحق للعراقيين أن يتساءلوا عن مصير الموارد الهائلة التي امتلكتها الدولة خلال العقدين الماضيين، وعن أسباب تعثر آلاف المشاريع، وعن حجم الفساد الذي أقر به مسؤولون وهيئات رقابية مراراً.
لقد أصبح من الملاحظ أن شعار الاستثمار يُستدعى في كثير من الأحيان كلما تعاظمت الأسئلة المتعلقة بالفساد وسوء الإدارة. فعندما تُطرح قضية الخدمات يُقال إن الحل هو الاستثمار، وعندما تُثار أزمة الإسكان يُقال إن الحل هو الاستثمار، وعندما يُناقش ضعف البنية التحتية يُقال إن الحل هو الاستثمار. وكأن المشكلة دائماً خارج مؤسسات الدولة وليست داخلها.
وهنا تكمن خطورة هذا الخطاب؛ لأنه ينقل النقاش من مساءلة الإدارة العامة إلى انتظار المستثمر المجهول، ومن البحث في أسباب الفشل إلى البحث عن ممول جديد. وبذلك يتحول الاستثمار من أداة اقتصادية إلى غطاء سياسي يؤجل مواجهة المشكلات الحقيقية.
إن تجارب الدول الناجحة تثبت أن التنمية تبدأ بوجود مؤسسات قوية وإدارة كفوءة ورؤية استراتيجية واضحة. فالدولة التي تعجز عن إدارة مواردها الذاتية لن تنجح بالضرورة في إدارة استثمارات الآخرين، والدولة التي تفشل في حماية المال العام لن تضمن تلقائياً أن تتحول المشاريع الاستثمارية إلى منفعة عامة.
ولهذا فإن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: كيف نجذب المزيد من المستثمرين؟ بل: لماذا لم تنعكس الثروات الضخمة التي امتلكها العراق على مستوى الخدمات والتنمية؟ ولماذا تراجعت قدرات الدولة التنفيذية رغم الموارد المالية غير المسبوقة التي حصلت عليها؟ ولماذا ما زالت المشكلات الأساسية قائمة بعد كل هذه السنوات؟
ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً في التجربة العراقية المعاصرة أن العراق انتقل، خلال بضعة عقود فقط، من دولةٍ كانت توظف فوائضها المالية العامة في الاستثمار خارج حدودها وتمويل مشاريع إنتاجية وزراعية في أكثر من قارة، إلى دولةٍ يُراد لمواطنيها أن يقتنعوا بأن بناء مدرسة أو مستشفى أو محطة كهرباء أو مجمع سكني لم يعد ممكناً إلا بانتظار المستثمر الأجنبي. وبين هاتين الصورتين لا تكمن قصة نقصٍ في الموارد، بل قصة دولةٍ تراجعت كفاءة إدارتها، وغابت فيها المساءلة، واستفحل فيها الفساد.
غير أن القول بأن العراقيين قد انطلت عليهم هذه الرواية بالكامل ليس دقيقاً. فبعد أكثر من عشرين عاماً من الوعود المتكررة، أصبح قطاع واسع من المواطنين يدرك أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في غياب المستثمرين، بل في الفساد والمحاصصة وسوء الإدارة وضعف مؤسسات الدولة. ويعرف العراقيون أن بلدهم لم يكن عاجزاً عن البناء عندما توافرت الإرادة السياسية والإدارة الكفوءة، كما يدركون أن الثروة النفطية والموارد المالية التي امتلكها العراق كانت كافية لإحداث نقلة تنموية كبرى لو أُحسن توظيفها وإدارتها.
بل إن العراقيين يتذكرون أن العراق لم يكن في يوم من الأيام دولةً تنتظر المستثمرين، وإنما كان هو نفسه دولةً مُصدِّرة لرأس المال العام، تستثمر فوائضها المالية خارج حدودها بما يخدم مصالحها الاقتصادية والأمن الغذائي. ولم يكن ذلك استثناءً عابراً، بل جزءاً من سياسة اقتصادية انتهجها العراق خلال سنوات الوفرة النفطية لتوظيف فوائضه المالية في مشاريع إنتاجية خارجية تحقق عوائد اقتصادية وتدعم أمنه الغذائي. فقد أسهمت رؤوس الأموال العامة العراقية، عبر مؤسسات الدولة وشركاتها العامة وهيئاتها الاقتصادية المختلفة، في تمويل مشاريع واستثمارات في عدد من الدول العربية والأفريقية والآسيوية. وامتدت هذه الاستثمارات إلى دول الخليج العربي وشمال أفريقيا والساحل الشرقي للقارة الأفريقية، كما وصلت إلى جنوب شرق آسيا، حيث دخل العراق في مشاريع زراعية هدفت إلى تأمين احتياجاته الاستراتيجية من السلع الأساسية، ومن بينها مشاريع مرتبطة بإنتاج الأرز في فيتنام، فضلاً عن استثمارات في مزارع الشاي في سيلان (سريلانكا)، ضمن سياسة اقتصادية كانت تقوم على توظيف الفوائض المالية للدولة في بناء شراكات إنتاجية طويلة الأمد وتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي. ولذلك فإن شعباً كانت دولته تستثمر أموالها العامة خارج حدودها، وتملك القدرة على تمويل مشاريع تنموية في أكثر من قارة، يصعب إقناعه اليوم بأن أزمته الحقيقية تكمن في غياب المستثمرين، بينما تكمن المشكلة في الواقع في كيفية إدارة ثرواته الوطنية، وفي الفساد الذي استنزف تلك الثروات، وفي السياسات التي عطلت قدرة الدولة على النهوض بدورها التاريخي.
لذلك فإن الترويج المستمر للاستثمار بوصفه الحل لكل المشكلات لم يعد يقنع كثيراً من العراقيين. فهؤلاء لا يسألون فقط عن المستثمر الذي سيأتي، بل يسألون قبل ذلك عن الأموال التي جاءت بالفعل ثم اختفت آثارها، وعن المشاريع التي رُصدت لها المليارات ولم تكتمل، وعن مؤسسات الدولة التي تراجعت قدرتها على الإنجاز رغم تضخم الموازنات العامة.
إن التنمية الحقيقية لا تبدأ بالمؤتمرات الاستثمارية ولا بالشعارات الإعلامية، بل تبدأ بالمحاسبة والشفافية والإدارة الرشيدة وبناء المؤسسات واستعادة الثقة بالدولة. وعندما تُعالج هذه الجذور يصبح الاستثمار عاملاً مساعداً للتنمية، أما عندما يُستخدم للهروب من الأسئلة الصعبة فإنه يتحول إلى ستار يحجب الفساد وسوء الإدارة أكثر مما يساهم في بناء الاقتصاد.
وبعد أكثر من عقدين من التجربة، يبدو أن المشكلة في العراق لم تكن يوماً نقصاً في الموارد ولا نقصاً في الفرص، بل كانت وما تزال أزمة إدارة وحوكمة ومساءلة. أما الاستثمار، الذي قُدِّم طويلاً بوصفه المفتاح السحري للإنقاذ والتنمية، فقد تحول في كثير من الأحيان إلى عنوان كبير يُرفع في الواجهة بينما تبقى الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالفساد وهدر الثروات وتعطيل قدرات الدولة معلقةً من دون إجاباتٍ مقنعة.







محمد عبد السلام
منذ 59 دقيقة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN