في ليلةٍ سكنت فيها بيت المقدس وشهدت تضرعاً خاشعاً، جثت حنّة بنت فاقوذا—زوجة عمران—تُنادي ربّها بحنين الأمومة، وتهبُ ما في بطنها خالصاً لخدمة المحراب. كان الله يعلم صدق نيتها وما تُخبئه الأقدار، فحين أشرق الفجر، ولدت طفلةً نقيةً مباركة.
وقفت حنّة متأثرةً لأنها كانت ترجو ذكراً يخدم المحراب، لكنها استدركت بقلبٍ يملؤه اليقين وقالت:
﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ... وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
ولم تكن تلك الأنثى كسائر الإناث، بل كانت معجزةً يُعدّها الله لمقامٍ لم تبلغه امرأة من قبل.
بعد رحيل عمران، تنافس عبّاد بني إسرائيل على كفالتها شرفاً وبركة، حتى ألقوا أقلامهم في نهر الأردن ليقترعوا، فتوقف قلم النبي زكريا عليه السلام خالداً ضد التيار، ليكون هو الكفيل المختار: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.
نشأت مريم في محرابها مقبلةً على ربها لا تلتفت لسواه. وفي أحد الأيام، دخل عليها زكريا فرأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف، فسألها بذهول: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا﴾؟ فأجابت بقلبٍ واثق: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. هناك، عند حدود العطاء الذي لا يخضع للأسباب، تحرّك قلب زكريا ودعا ربه بالولد رغم كبر سنه وفقدان الأمل المادي، فاستجاب الله له.
ثم تنزلت الملائكة بالنبيء العظيم:
﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
كان اصطفاءً بالطهارة واصطفاءً بالمقام، يتبعه تكليفٌ بزيادة العبادة والشكر.
اعتزلت مريم قومها مكاناً شرقياً واحتجبت للعبادة، فجاءها أمر الله المعجز بنفخةٍ من روحه في وعاءٍ طاهر حصين. حملت مريم عيسى عليه السلام، وعاشت عزلة الشرف والتكليف الفريد. وحين أتت به قومها تحمله، واجهوها بالاتهام والبهتان: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. فلم تتكلم، بل أومأت إلى وليدها، لتنطق المعجزة من المهد وتُعلن براءتها وعظمة شأنها.
وصفها الله تعالى بأوجز كلمة وأبلغها: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، وذكر أنـها كانت ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾؛ لِيُبيّن أنها بصدقها ودوام طاعتها بلغت مراتب الصالحين العظام. وفي نهج أهل البيت عليهم السلام، تُذكر مريم بالتقديس والإجلال بصفتها قمة إنسانية وآيةً إلهية، لا معبودة ولا مُؤلَّهة، تجسيداً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾.
فسلامٌ على زهرة المحراب، وآية السماء، ومن أثبتت للوجود أن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كُن فَيَكُون.







وائل الوائلي
منذ ساعتين
كورونا..هل هي قدر إلهي ؟
كيف تعامل المصطفى (ص) مع الشباب؟
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
EN