0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الإشعاع في الفضاء الخارجي

منذ شهرين
في 2026/08/20م
عدد المشاهدات :477
يبدو الفضاء الخارجي للوهلة الأولى فراغًا مظلمًا وهادئًا، لكنه في الحقيقة يعج بأشكال مختلفة من الإشعاع والجسيمات عالية الطاقة. وبينما تحمي الأرض سكانها بدرع طبيعي مكوّن من الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي، يواجه رواد الفضاء بيئة إشعاعية أكثر قسوة، تمثل أحد أكبر التحديات أمام الرحلات الفضائية طويلة المدى.
تأتي بعض مصادر الإشعاع من داخل النظام الشمسي، وفي مقدمتها الشمس. فالشمس تطلق باستمرار الرياح الشمسية، وهي تيار من البروتونات والإلكترونات والجسيمات المشحونة، إضافة إلى الأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية. وخلال التوهجات الشمسية والانبعاثات الكتلية الإكليلية يمكن أن تزداد شدة الإشعاع والجسيمات عالية الطاقة بصورة كبيرة، فتشكّل خطرًا على رواد الفضاء والمركبات والأقمار الصناعية.
أما المصدر الآخر فيتمثل في الأشعة الكونية المجرية، وهي جسيمات عالية الطاقة تأتي من خارج النظام الشمسي. تتكون أساسًا من البروتونات ونوى العناصر الثقيلة والإلكترونات، ويمكن لبعضها أن يمتلك طاقات هائلة. ويُعتقد أن جزءًا كبيرًا منها يرتبط بظواهر عنيفة مثل بقايا المستعرات العظمى ومصادر فلكية أخرى قادرة على تسريع الجسيمات إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء.
وهناك أيضًا بيئات إشعاعية خاصة داخل النظام الشمسي. فعلى سبيل المثال، يمتلك كوكب المشتري أحزمة إشعاعية شديدة القوة بسبب مجاله المغناطيسي الضخم، وتحتجز هذه الأحزمة أعدادًا هائلة من الجسيمات المشحونة. لذلك لا تُعد البيئة القريبة من المشتري مناسبة للبشر من دون حماية هندسية متقدمة.
لكن الإشعاع الفضائي لا يقتصر على الجسيمات المشحونة. فالأشعة السينية وأشعة غاما، وهي أشكال من الإشعاع الكهرومغناطيسي عالي الطاقة، تصل إلى الفضاء من مصادر فلكية متعددة، كما توجد ظواهر أكثر عنفًا مثل انفجارات أشعة غاما التي تطلق كميات هائلة من الطاقة خلال فترات قصيرة.
تكمن خطورة هذه الإشعاعات في قدرتها على تأيين المادة. فعندما تمر الجسيمات أو الفوتونات عالية الطاقة عبر جسم الإنسان، تستطيع انتزاع الإلكترونات من الذرات والجزيئات، مسببة تغيرات كيميائية يمكن أن تؤدي إلى تلف الخلايا والحمض النووي. ومع زيادة الجرعة الإشعاعية تزداد احتمالات الإصابة بأضرار صحية طويلة الأمد، ومنها زيادة خطر الإصابة بالسرطان. وفي الجرعات العالية جدًا يمكن أن تحدث أضرار حادة تهدد الحياة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب الجسيمات الثقيلة عالية الطاقة. فعندما تصطدم هذه الجسيمات بمواد المركبة الفضائية أو جسم الإنسان، يمكن أن تنتج سلسلة من الجسيمات الثانوية، مثل النيوترونات والبروتونات وغيرها. ولذلك لا يكفي أحيانًا وضع حاجز مادي سميك أمام الإشعاع؛ إذ يمكن لبعض المواد أن تولد إشعاعًا ثانويًا عند تعرضها للقصف بالجسيمات عالية الطاقة.
كيف يمكن إذن حماية رواد الفضاء؟ تعتمد الحماية على مجموعة من الوسائل بدلًا من الاعتماد على حل واحد. أولها تقليل زمن التعرض، لأن الجرعة المتراكمة ترتبط بمدة البقاء في البيئة الإشعاعية. وثانيها زيادة المسافة عن مصدر الإشعاع عندما يكون ذلك ممكنًا. أما الوسيلة الثالثة فهي التدريع، باستخدام مواد مناسبة لتقليل كمية الإشعاع التي تصل إلى أفراد الطاقم.
ومن المفارقات أن المواد الغنية بالهيدروجين يمكن أن تكون مفيدة في بعض تطبيقات الحماية من الجسيمات عالية الطاقة. لذلك يمكن استخدام الماء أو بعض المواد البلاستيكية أو مواد مركبة خاصة ضمن تصميم المركبات والملاجئ الفضائية. كما يمكن وضع خزانات الماء والإمدادات حول مناطق إقامة الطاقم بحيث تؤدي وظيفة مزدوجة: توفير الموارد والحماية الإشعاعية.
وتُستخدم كذلك أجهزة قياس الإشعاع لمراقبة الجرعات التي يتعرض لها رواد الفضاء. ويمكن للمركبات المستقبلية أن تعتمد على ملاجئ إشعاعية أكثر حماية يلجأ إليها الطاقم أثناء العواصف الشمسية. كما يجري تطوير مواد وتقنيات تدريع جديدة، إلى جانب دراسة إمكانية استخدام موارد موجودة على القمر أو المريخ، مثل التربة، لتوفير طبقات حماية سميكة فوق المنشآت.
أما على الأرض، فالإشعاع الفضائي يؤثر علينا بالفعل، لكنه يصل إلى سطح الكوكب بعد أن يكون قد خضع لعملية ترشيح طبيعية هائلة. فالغلاف الجوي يمتص معظم الإشعاع الكهرومغناطيسي عالي الطاقة، بينما يعمل المجال المغناطيسي للأرض على تغيير مسارات العديد من الجسيمات المشحونة وإبعاد جزء منها. وعندما تصطدم الأشعة الكونية بالغلاف الجوي، فإنها تنتج «شلالًا» من الجسيمات الثانوية، يصل جزء صغير منه إلى سطح الأرض.
ولهذا السبب لا يعيش الإنسان على سطح الأرض في عزلة كاملة عن الإشعاع الكوني؛ فنحن نتعرض باستمرار إلى قدر صغير منه، إضافة إلى مصادر الإشعاع الطبيعي الموجودة في الصخور والتربة والغذاء. وتزداد الجرعة الكونية مع الارتفاع، ولهذا يتعرض طواقم الطائرات والمسافرون جوًا لجرعات إشعاعية أكبر من الأشخاص الموجودين على سطح الأرض، كما يصبح التعرض أكثر أهمية بالنسبة للرحلات الفضائية.
ويُعد المجال المغناطيسي للأرض جزءًا أساسيًا من منظومة الحماية الكوكبية. فهو لا يوقف جميع أنواع الإشعاع، ولا يحمي الأرض من كل شيء، لكنه يقلل بدرجة كبيرة من وصول الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس وبعض الأشعة الكونية إلى المناطق القريبة من سطح الأرض. أما الغلاف الجوي فيوفر طبقة إضافية هائلة من الحماية.
ولهذا فإن الانتقال من الأرض إلى القمر أو المريخ لا يعني فقط الانتقال إلى بيئة بلا جاذبية أو هواء، بل يعني أيضًا مغادرة جزء مهم من الدرع الطبيعي الذي تطور حوله الإنسان. وعلى سطح المريخ، مثلًا، يوجد غلاف جوي لكنه أرق بكثير من الغلاف الجوي للأرض، كما أن المريخ لا يمتلك مجالًا مغناطيسيًا عالميًا قويًا مثل مجال الأرض؛ لذلك تكون الحماية الطبيعية من الإشعاع أقل بكثير.
إن الإشعاع هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الرحلات البشرية الطويلة إلى القمر والمريخ أكثر تعقيدًا من مجرد توفير الأكسجين والغذاء والماء. فالمشكلة ليست في جرعة واحدة فقط، وإنما في التعرض المتراكم، وفي الأحداث المفاجئة مثل العواصف الشمسية، وفي الجسيمات الكونية شديدة الطاقة التي يصعب إيقافها بالكامل.
ومع ذلك، لا يمثل الإشعاع حاجزًا مستحيلًا أمام استكشاف الفضاء. فالهندسة الفضائية تستطيع تقليل الخطر من خلال الجمع بين التدريع المناسب، وتقليل زمن التعرض، واختيار المسارات والتوقيتات المناسبة، ومراقبة النشاط الشمسي، وإنشاء ملاجئ محمية داخل المركبات والمنشآت. وكلما طال أمد الرحلات الفضائية، أصبح فهم الإشعاع والتحكم في آثاره أكثر أهمية.
في النهاية، الأرض ليست مجرد كوكب يوفر لنا الهواء والماء والجاذبية؛ إنها أيضًا نظام حماية طبيعي هائل. وما يبدو لنا فراغًا هادئًا فوق رؤوسنا هو في الحقيقة بيئة تتدفق عبرها جسيمات وطاقة من الشمس ومن أعماق المجرة. وربما يكون أحد أكبر تحديات عصر الاستكشاف الفضائي هو تعلم كيفية حمل جزء من «درع الأرض» معنا عندما نغادرها.

اعضاء معجبون بهذا

موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
بقلم الكاتب : حيدر حسين سويري
يقضي الإنسانُ لياليًّ وأياماً، ساهراً مكباً، يخططُ القيام بعمل ما، أو الإقدام على الدخول في مشروعٍ مُعيَّن، تتزاحم الأفكار حتى يفقد الوعي، ويقع تحت سطوة الإعياء، فتتناثر الخطط وكأن شيئاً لم يكن، حينها وفي فجوةٍ من فجوات زمن اللا تفكير، تلعب الأقدار لعبتها معه. على حين غُرةً، تجري الرياح بما... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 11 ساعة
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ 1 اسبوع
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...
منذ اسبوعين
2026/09/23
تخوض البنوك المركزية حول العالم واحدة من أعقد اختبارات السياسة النقدية منذ عقود،...