عندما يكتب المؤرخون عن العراق في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين فإنهم لن يتوقفوا عند الأحداث السياسية والأمنية وحدها بل سيبحثون أيضاً عن الشخصيات والمؤسسات التي أسهمت في ترميم ما أرهقته الحروب والأزمات، وعن التجارب التي حاولت أن تبني وسط الركام، وأن تزرع الأمل في زمنٍ كان اليأس فيه أقرب إلى الناس من الأحلام .
وفي هذا السياق يبرز اسم سماحة العلامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي بوصفه واحداً من أبرز الشخصيات الدينية والاجتماعية التي ارتبطت بمرحلة مهمة من مراحل التحول المؤسسي والتنمية المجتمعية في العراق من خلال إشرافه على العتبة الحسينية المقدسة وما انبثق عنها من مشاريع ومؤسسات امتدت آثارها إلى قطاعات متعددة شملت الصحة والتعليم والصناعة والزراعة والرعاية الاجتماعية والتنمية البشرية .
لقد شهد العراق بعد عام 2003 تحولات عميقة على مختلف المستويات وكانت البلاد تواجه تحديات مركبة تتعلق بإعادة بناء المؤسسات وتوفير الخدمات الأساسية واستعادة الثقة بالمستقبل وفي تلك المرحلة بدأت تتبلور رؤية جديدة داخل العتبة الحسينية المقدسة تقوم على توسيع مفهوم الخدمة الدينية ليشمل مجالات أوسع ترتبط بحاجات المجتمع ومتطلبات التنمية , ومع مرور السنوات أخذت هذه الرؤية تتحول إلى واقع ملموس فمن مدينة كربلاء المقدسة انطلقت مشاريع متعددة لم تكن تستهدف خدمة محافظة بعينها بل كانت تتطلع إلى الوصول إلى العراقيين في مختلف المحافظات وبدأت الخطوات الأولى بتعزيز البنى الخدمية والتنظيمية داخل العتبة الحسينية قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعاً تمثلت بإطلاق مشاريع استراتيجية طويلة الأمد .
وفي قطاع الصحة تحديداً برزت سلسلة من المؤسسات الطبية والمستشفيات التخصصية التي شكلت نقلة نوعية في مستوى الخدمات العلاجية المقدمة للمواطنين وقد جاءت هذه المشاريع استجابة لحاجة ملحة كانت تعاني منها البلاد حيث كان آلاف المرضى يضطرون إلى السفر خارج العراق بحثاً عن العلاج ومع توسع هذه المؤسسات وتطور إمكاناتها أصبحت وجهة للمرضى من مختلف المحافظات وأسهمت في توفير خدمات طبية متقدمة داخل البلاد .
وفي الوقت نفسه شهد القطاع التعليمي اهتماماً متزايداً انطلاقاً من قناعة راسخة بأن بناء الإنسان يمثل الركيزة الأساسية لأي مشروع حضاري فتم تأسيس الجامعات والكليات والمدارس والمؤسسات التعليمية التي هدفت إلى إعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الإسهام في نهضة الوطن ولم يكن الهدف تخريج الطلبة فحسب بل بناء بيئة علمية متكاملة تجمع بين التعليم والبحث والتدريب وخدمة المجتمع.
ومع اتساع التحديات الاقتصادية التي واجهها العراق خلال السنوات اللاحقة برز توجه واضح نحو دعم المشاريع الإنتاجية في مجالي الزراعة والصناعة , فقد انطلقت مبادرات متعددة هدفت إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير فرص عمل للشباب وشهدت هذه المرحلة إنشاء مشاريع زراعية وصناعية متنوعة شكلت نموذجاً لربط العمل الخيري بالتنمية الاقتصادية المستدامة وهي فلسفة تقوم على الانتقال من تقديم المساعدة المباشرة إلى خلق فرص تضمن للإنسان حياة كريمة ومستقرة.
وعندما اجتاحت العصابات الإرهابية أجزاء واسعة من العراق عام 2014 ودخلت البلاد واحدة من أصعب مراحلها المعاصرة، برزت المؤسسات التابعة للعتبة الحسينية المقدسة في ميدان العمل الإنساني والإغاثي فقد تحولت إمكاناتها إلى أدوات لدعم النازحين والمتضررين ، وجرى تنظيم حملات واسعة لتوفير الغذاء والدواء والمأوى والخدمات الأساسية لعشرات الآلاف من العائلات التي وجدت نفسها في مواجهة ظروف استثنائية قاسية , وخلال تلك السنوات لم يقتصر الحضور على الجانب الإغاثي فقط، بل امتد إلى المساهمة في تعزيز روح التضامن الوطني وترسيخ ثقافة التكافل الاجتماعي. وكانت الرسالة التي حملتها هذه الجهود تؤكد أن المؤسسات الدينية قادرة على أداء دور وطني جامع يتجاوز الحدود الضيقة وينطلق من خدمة الإنسان بوصفه قيمة عليا.
ومع انتهاء مرحلة المواجهة العسكرية ضد الإرهاب دخل العراق مرحلة جديدة عنوانها إعادة البناء واستعادة الاستقرار وهنا استمرت المشاريع التنموية في التوسع وشهدت قطاعات متعددة نمواً ملحوظاً في حجم الأنشطة والخدمات المقدمة وتزايد عدد المؤسسات التي تعمل تحت مظلة العتبة الحسينية المقدسة لتشمل مجالات جديدة ترتبط بالتنمية الاجتماعية وتمكين الشباب ورعاية الأيتام ومساعدة العائلات المتعففة وتطوير القدرات البشرية .
ومن السمات اللافتة في هذه التجربة أنها لم تعتمد على الحلول المؤقتة أو المعالجات السريعة بل سعت إلى تأسيس مؤسسات قادرة على الاستمرار والعمل وفق رؤى استراتيجية طويلة المدى ولذلك تحولت كثير من المشاريع إلى مراكز فاعلة تقدم خدماتها بصورة منتظمة ومستدامة وأصبحت جزءاً من البنية الخدمية والتنموية التي يستفيد منها المواطن العراقي بشكل مباشر.
ولعل ما يميز مرحلة الشيخ عبد المهدي الكربلائي أنها ارتبطت بفكرة تحويل القيم إلى مؤسسات والمبادئ إلى برامج عمل ، والرؤى إلى مشاريع قائمة على الأرض , فقد كان التركيز موجهاً نحو بناء منظومات قادرة على خدمة المجتمع لعقود مقبلة ، وهو ما منح هذه التجربة بعداً يتجاوز حدود الإنجاز الآني إلى صناعة أثر طويل الأمد.
واليوم وبعد سنوات من العمل المتواصل يمكن النظر إلى هذه المسيرة بوصفها جزءاً من تاريخ العراق الحديث ليس لأنها ارتبطت باسم شخصية دينية بارزة فحسب بل لأنها أسهمت في إيجاد نماذج عملية للعمل المؤسسي والتنمية المجتمعية في ظروف كانت من أكثر الظروف تعقيداً في تاريخ البلاد المعاصر.
وهكذا ستبقى هذه المرحلة مادة مهمة للباحثين والمؤرخين والأجيال القادمة لأنها تقدم مثالاً على قدرة الإرادة والإدارة والرؤية الواضحة على تحويل التحديات إلى فرص وتحويل الخدمة إلى مشروع حضاري متكامل وفي صفحات التاريخ العراقي المعاصر سيبقى اسم الشيخ عبد المهدي الكربلائي مرتبطاً بمحطات من البناء والعطاء والعمل المؤسسي وبمرحلة سعت فيها المؤسسات الدينية إلى أن تكون شريكاً في صناعة الحياة وأن تترك بصمتها في مسيرة وطنٍ كان يبحث عن طريقه نحو لاستقرار والنهوض.







حسن الدخيلي
منذ 1 ساعة
المرجعية الدينية العليا وتحذيرات تستدعي الإهتمام
نظرة في بيان المرجعية الدينية حول الانتخابات
الموت من أجل الولادة
EN