في ساعةِ الامتحانِ تُعْرَفُ الرجال، وعندَ زلزلةِ الخوفِ تَتَهاوى الأبنيةُ الشامخةُ التي شُيِّدَتْ على أوهامٍ من سراب. ها هم أولئك الذين رفعوا رايةَ "الوطن الآمن" عاليةً في سماءِ الدعاية، صاروا اليومَ في طوابيرِ المطارِ الطويلة، حقائبُهم داميةُ الأركان، وعيونُهم تَصطادُ أيَّ طائرةٍ تُقلعُ إلى أيِّ جهةٍ كانت، ما دامت تُبْعِدُهم عن رجفةِ الخطر.
إنه "الإسرائيلي-الأمريكي" الذي ظنَّ أنَّ الهويةَ تُشْتَرَى بجوازِ سفر، وأنَّ الانتماءَ يُخْتَزَنُ في ختمٍ حكوميٍّ بارد. يحملُ في جيبِه جوازينِ، كأنهما جناحانِ من ورق، لكنهما لا يرفعانه إلا إلى أولِ مَهْرب. سقطتِ الأسطورةُ التي نُسِجَتْ بخيوطِ الكذب، وتكشَّفَ السرُّ الذي طالما تَوَارَى خلفَ الشعاراتِ الرنَّانة: أنَّ من يملكُ بديلاً جاهزاً لا يعرفُ معنى الأرض، بل يتقنُ فقط فنَّ الهروبِ المدروس.
هنا، عندَ بوّاباتِ المغادرة، يَنكشِفُ الفرقُ الشاسعُ بين من غَرَسَتْ جذورُه في ترابِ الوطنِ حتى تَمَاهَتْ عروقُه بعروقِه، وبين من جعلَ حقيبتَه جاهزةً على الدوام، كأنه في فندقٍ عابرٍ لا في وطنٍ يُعاش. الأوَّلُ إذا نَزَلَ به الضيمُ، ثبتَ كالجبلِ، لأنه يعلمُ أن الأرضَ لا تُحْمَلُ في جواز، وأن الدمَ المسفوحَ لا يُغسَلُ بختمِ دخولٍ أو خروج. والثاني يَتَحَوَّلُ عند أولِ نذيرِ خطرٍ إلى طيفٍ من غبار، تذروه الرياحُ حيث شاءت.
إن ازدواجَ الهويةِ يسقطُ عند أولِ امتحانٍ، كقصرٍ من رمالٍ لعبت به الأمواج. يبقى القلبُ وحده هو البوصلةُ الصادقة، فإن كان ينبضُ لترابِ بلدٍ، استحالَ ذلك الترابُ وطناً لا يُباعُ بخوفٍ ولا يُشْتَرَى بأمانٍ زائف. وأما القلبُ المعلَّقُ بين جوازينِ، فلا يملكُ من الوطنيةِ إلا شعاراتٍ جوفاءَ تذبلُ عند أولِ ريحٍ عاصفة.
وهنا تَتَجَلَّى الحقيقةُ عاريةً بلا رتوش: أن من يبني وطناً بحبِّه ودمِه وكَدِّه، لا يسألُ عن أقربِ مخرجٍ حين تَعْصِفُ المحن. لأنه أدركَ أن الوطنَ ليس مكاناً يُولَدُ فيه الإنسان، بل قضيةٌ يموتُ من أجلها. أما حاملُ الجوازينِ، فسيظلُّ إلى الأبدِ سائحاً في الحياة، يبحثُ عن وطنٍ لا يعرفُ له ثمنًا، غافلاً أنَّ أثمنَ الأشياءِ هي التي لا تُشْتَرَى، ولا تُحْمَلُ في حقيبة.
فطوبى لمن امتلكَ جوازَ قلبٍ واحدٍ، فكان وطنهُ حيثما استقرَّ، لأن جذورَه ضاربةٌ في أعماقِ الانتماء، وطوبى لمن عَلِمَ أن الأرضَ تُورَثُ بالأرواحِ قبلَ الأجساد، وأن المواقفَ هي التي تُمَيّزُ بين من يسكنُ الوطنَ... ومن يستأجرُ عنواناً.







صادق مهدي حسن
منذ ساعتين
هي المواكب إن كنتَ تجهلها ..
إعمار البصرة
إرهاب الميديا
EN