سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء الحادي والتسعون: السفر عبر الزمكان ومفارقة العمر المزدوج
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
20/1/2026
فرضية الساعة (Clock Hypothesis)
تنص فرضية الساعة على أن الزمن الذي تُظهره ساعة دقيقة على أنه قد انقضى بين حدثين يتناسب طرديًا مع الفاصل الزمني المحسوب على طول المسار الذي تسلكه الساعة بين هذين الحدثين.
وبصيغة أكثر اختصارًا ودقة: الساعة تقيس الفاصل الزمني عبر مسارها في الزمكان، لا عبر الزمن بوصفه كيانًا مطلقًا أو مستقلًا.
وتحمل هذه الفرضية في طياتها مفتاحًا أساسيًا لفهم النسبية الخاصة بأكملها، لأنها تُحدد المعنى الفيزيائي لما نقصد بـ"الزمن المقاس". ومع ذلك، فإن مجرد الحديث عن "الساعة" في سياق النسبية قد يكون محيّرًا للوهلة الأولى؛ إذ إننا، عند بناء زمكان مينكوفسكي، لم نفترض في أي لحظة وجود زمن مطلق كما في الفيزياء النيوتنية، حيث كان الزمن كيانًا عالميًا يتدفق بنفس الإيقاع لدى جميع المراقبين.
وعلى خلاف زمكان غاليليو، لا ينقسم زمكان مينكوفسكي إلى شرائح زمنية متزامنة مشتركة بين جميع المراقبين. بل إن مفهوم التزامن نفسه يفقد معناه المطلق في هذا الإطار، ويصبح مفهومًا نسبيًا يعتمد على حالة حركة المراقب. وبدلًا من بنية التزامن المطلق، يظهر هيكل المخروط الضوئي بوصفه العنصر المركزي الذي ينظم العلاقات السببية بين الأحداث.
وبما أنه لا يوجد زمن مطلق في النسبية، فإن الساعات — بالضرورة — لا يمكن أن تقيس مقدارًا مطلقًا. ومع ذلك، لا بد أن الساعات تقيس شيئًا ذا معنى فيزيائي واضح. فلو وضعنا ساعتين دقيقتين جنبًا إلى جنب، وبدأتا العمل في اللحظة نفسها، فإنهما ستستمران في الدق بالإيقاع نفسه طالما بقيتا متجاورتين. هذا التطابق ليس مصادفة، بل يشير إلى وجود بنية هندسية في الزمكان تضمن هذا السلوك.
وفقًا لفرضية الساعة، تتمثل هذه البنية في الفاصل الزمني (Interval) . فالساعات في النسبية تشبه عدادات المسافة في السيارات: هي لا تقيس الموضع، بل طول المسار المقطوع. غير أن هذا المسار ليس مسارًا مكانيًا فحسب، بل مسارًا رباعي الأبعاد يمتد عبر الزمكان. ومن هنا، فإن الزمن الذي تسجله الساعة هو خاصية هندسية للمسار الذي سلكته.
إذا قبلنا بهذا التفسير، يصبح من الطبيعي أن تسجل ساعتان تسيران جنبًا إلى جنب الإيقاع الزمني نفسه، لأن مساريهما في الزمكان متطابقان من حيث الطول. أما إذا افترقت إحدى الساعتين عن الأخرى وسلكت مسارًا مختلفًا، فإنها قد تسجل مقدارًا زمنيًا مختلفًا بين الحدثين نفسيهما. وهذا الاختلاف لا يعود إلى خلل في الساعة، بل إلى اختلاف المسارين الزمكانيين، تمامًا كما تُظهر عدادات السيارات قراءات مختلفة إذا سلكت طرقًا مختلفة بين نقطتي انطلاق ووصول متماثلتين.
وانطلاقًا من فرضية الساعة، ننتقل الآن إلى واحدة من أشهر القضايا في النسبية الخاصة، وهي مفارقة التوأمين، التي تُعد مثالًا نموذجيًا يوضح كيف تؤدي اختلافات المسار في الزمكان إلى اختلافات في الزمن المقاس.
نوعيًا، يمكن وصف الموقف على النحو الآتي:
لدينا توأمان، كلٌّ منهما مزوّد بساعة دقيقة ومُعايرة بعناية. يبدأ التوأمان رحلتهما وهما جنبًا إلى جنب، راكبين مركبتين فضائيتين في حالة سكون نسبي، ولا يتعرض أيٌّ منهما في البداية لأي قوى خارجية. في مرحلة لاحقة، يقوم التوأم الأول بتشغيل محركات مركبته لفترة وجيزة، ثم يطفئها، ليدخل في حركة عطالية منتظمة، مبتعدًا عن أخيه تدريجيًا.
بعد مرور زمن معين، يشغّل التوأم الأول محركاته مرة ثانية، ولكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس، ليغير مساره ويبدأ رحلة العودة. وأخيرًا، يشغّل محركاته للمرة الثالثة ليعود إلى حالة السكون النسبي مع أخيه الثاني، الذي بقي طوال هذه المدة في حالة عطالة دون أن يشغّل محركاته مطلقًا.
عند التقاء التوأمين من جديد ومقارنة الساعتين، يلاحظان أن ساعة التوأم الثاني تشير إلى مرور وقت أطول من ساعة التوأم الأول. وهذه النتيجة تمثل أول مفارقة ظاهرية تستدعي التأمل.
والأكثر إثارة هو أن هذا الفرق الزمني لا يقتصر على الساعات، بل ينعكس أيضًا على العمر البيولوجي، حيث يبدو التوأم الثاني أكبر سنًا من أخيه الذي قام بالرحلة، وهي النقطة الثانية التي تضفي على المفارقة بعدها الفيزيائي العميق.
وهنا يبرز السؤال المركزي: كيف تتنبأ النسبية الخاصة بهذه النتيجة؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي الوصف النوعي، بل نحتاج إلى تحليل كمي لمساري التوأمين في الزمكان، مستندين مباشرة إلى فرضية الساعة.
ولأجل هذا التحليل، نختار نظام إحداثيات لورنتز مناسبًا ومبسّطًا. هذا الاختيار لا يحمل أي دلالة فيزيائية خاصة، لأن جميع أنظمة لورنتز متكافئة، لكنه يُسهّل الحساب ويوضح الفكرة دون أن يؤثر في النتيجة النهائية.
في هذا النظام، يكون مسار التوأم الثاني — الذي لم يتحرك مطلقًا — مطابقًا لمحور الزمن، بحيث تبقى إحداثياته المكانية صفرًا طوال الرحلة. أما التوأم الأول، فيشغّل محركاته للمرة الأولى عند نقطة البداية، التي نفترضها نقطة الأصل، ثم يتحرك حركة عطالية إلى أن يصل إلى الحدث:
p=(5, 4, 0, 0)
بعد ذلك، يشغّل محركاته في الاتجاه المعاكس، ويتحرك بعطالة مرة أخرى حتى يلتقي أخاه عند الحدث:
q=(10, 0, 0, 0)
وعند هذا اللقاء النهائي، تشير ساعة التوأم الثاني إلى أن 100 يوم قد مرّت منذ لحظة الانطلاق. ويبقى السؤال الحاسم الذي سنجيب عنه حسابيًا في الجزء التالي:
كم من الزمن قد مرّ بحسب ساعة التوأم الأول؟
نتابع في الجزء 92







د.أمل الأسدي
منذ يومين
العالَم يُكرِّم بابل الحَضارة والتَّاريخ، نَحْنُ والتَّاريخ والوَاقِع
قضيّةُ الامامِ الحُسَينِ ... رحلةُ البحثِ عنْ المعنى
زيارة الأربعين والإبداع في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)
EN