جاء في کتاب الحج والعمرة في الكتاب والسنة للشيخ محمد الريشهري: فَضلُ الحَجِّ: أ - إجابَةُ دَعوَةِ إِبراهيمَ "وأذِّن فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأتوكَ رِجالاً وعَلى كُلِّ ضامِر يَأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميق" (الحج 27). الإمام الباقر: إنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ لَمّا أمَرَ إبراهيمَ يُنادي فِي النّاسِ بِالحَجِّ قامَ عَلَى المَقامِ، فَارتَفَعَ بِهِ حَتّى صارَ بِإِزاءِ أبي قُبَيس، فَنادى فِي النّاسِ بِالحَجِّ، فَأَسمَعَ مَن في أصلابِ الرِّجالِ وأرحامِ النِّساءِ إلى أن تَقومَ السّاعَةُ. الإمام العسكريّ: قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله - في ذِكرِ كَلامِ موسى مَعَ اللهِ -: فَنادى رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ: يا أُمَّةَ مُحَمَّد، فَأَجابوهُ كُلُّهم وهُم في أصلابِ آبائِهِم وأرحامِ أُمَّهاتِهِم: " لَبَّيكَ اللّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَريكَ لَكَ لَبَّيكَ، إنَّ الحَمدَ والنِّعمَةَ لَكَ والمُلكَ، لا شَريكَ لَكَ لَبَّيكَ ". قالَ: فَجَعَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ تِلكَ الإِجابَةَ شِعارَ الحَجِّ.
يقول الشيخ محمد الريشهري في كتابه الحج والعمرة في الكتاب والسنة: مُحَمَّدُ بنُ أحمَدَ الأَنصارِيّ: كُنتُ حاضِرًا عِندَ المُستَجارِ "بِمَكَّةَ" وجَماعَةٌ زُهاءَ ثَلاثينَ رَجُلاً، لَم يَكُن مِنهُم مُخلِصٌ غَيرُ مُحَمَّدِ بنِ القاسِمِ العَلَوِيِّ، فَبَينا نَحنُ كَذلِكَ فِي اليَومِ السّادِسِ مِن ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاث وتِسعينَ ومِائَتَينِ إذ خَرَجَ عَلَينا شابٌّ مِنَ الطَّوافِ، عَلَيهِ إزارانِ "فَاحتَجَّ" مُحرمٌ بِهِما، وفي يَدِهِ نَعلانِ. فَلَمّا رَأَيناهُ قُمنا جَميعًا هَيبَةً لَهُ، ولَم يَبقَ مِنّا أحَدٌ إلاّ قامَ، فَسَلَّمَ عَلَينا وجَلَسَ مُتَوَسِّطًا ونَحنُ حَولَهُ، ثُمَّ التَفَتَ يَمينًا وشِمالاً ثُمَّ قالَ: أتَدرونَ ما كانَ أبو عَبدِ اللهِ يَقولُ في دُعاءِ الإِلحاحِ "قُلنا: وما كانَ يَقولُ " قالَ: كانَ يَقولُ: " اللّهُمَّ إنّي أسأَلُكَ بِاسمِكَ الَّذي بِهِ تَقومُ السَّماءُ، وبِهِ تَقومُ الأَرضُ، وبِهِ تُفَرِّقُ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ، وبِهِ تَجمَعُ بَينَ المُتَفَرِّقِ، وبِهِ تُفَرِّقُ بَينَ المُجتَمِعِ، وبِهِ أحصَيتَ عَدَدَ الرِّمالِ، وزِنَةَ الجِبالِ، وكَيلَ البِحارِ، أن تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وآلِ مُحَمَّد، وأن تَجعَلَ لي مِن أمري فَرَجًا ". ثُمَّ نَهَضَ ودَخَلَ الطَّوافَ فَقُمنا لِقِيامِهِ حَتَّى انصَرَفَ، وأُنسينا أن نَذكُرَ أمرَهُ، وأن نَقولَ مَن هُوَ وأيُّ شَيء هُوَ إلَى الغَدِ في ذلِكَ الوَقتِ، فَخَرَجَ عَلَينا مِنَ الطَّوافِ، فَقُمنا لَهُ كَقِيامِنا بِالأَمسِ، وجَلَسَ في مَجلِسِهِ مُتَوَسِّطًا، فَنَظَرَ يَمينًا وشِمالاً وقالَ: أتَدرونَ ما كانَ يَقولُ أميرُ المُؤمِنينَ بَعدَ صَلاةِ الفَريضَةِ فَقُلنا: وما كانَ يَقولُ قالَ: كانَ يَقولُ: " إلَيكَ رُفِعَتِ الأَصواتُ ( ودُعِيَتِ الدَّعَواتُ، ولَكَ ) عَنَتِ الوُجوهُ، ولَكَ وُضِعَتِ الرِّقابُ، وإلَيكَ التَّحاكُمُ فِي الأَعمالِ، يا خَيرَ مَن سُئِلَ، ويا خَيرَ مَن أعطى، يا صادِقُ يا بارِئُ، يا مَن لا يُخلِفُ الميعادَ، يا مَن أمَرَ بِالدُّعاءِ ووَعَدَ بِالإِجابَةِ، يا مَن قالَ: "اُدعوني أستَجِب لَكُم" (غافر 60)، يا مَن قالَ: "وإذا سَأَلَكَ عِبادي عَنّي فَإِنّي قَريبٌ أُجيبُ دَعوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَليَستَجيبوا لي وليُؤمِنوا بي لَعَلَّهُم يَرشُدونَ" (البقرة 186)، ويا مَن قالَ: "يا عِبادِيَ الَّذينَ أسرَفوا عَلى أنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيمُ" (الزمر 53) لَبَّيكَ وسَعدَيكَ، ها أنا ذا بَينَ يَدَيكَ المُسرِفُ، وأنتَ القائلُ: "لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا". ثُمَّ نَظَرَ يَمينًا وشِمالاً بَعدَ هذَا الدُّعاءِ، فَقالَ: أتَدرونَ ما كانَ أميرُ المُؤمِنينَ يَقولُ في سَجدَةِ الشُّكرِ فَقُلنا: وما كانَ يَقولُ قالَ: كانَ يَقولُ: " يا مَن لا يَزيدُهُ كَثرَةُ الدُّعاءِ إلاّ سَعَةً وعَطاءً، يا مَن لا تَنفَدُ خَزائِنُهُ، يا مَن لَهُ خَزائِنُ السَّماواتِ والأَرضِ، يا مَن لَهُ خَزائِنُ ما دَقَّ وجَلَّ، لا تَمنَعُكَ إساءَتي مِن إحسانِكَ، أنتَ تَفعَلُ بِيَ الَّذي أنتَ أهلُهُ، "فَإِنَّكَ" أنتَ أهلُ الكَرَمِ والجودِ، والعَفوِ والتَّجاوُزِ، يا رَبِّ يا اللهُ لا تَفعَل بيَ الَّذي أنَا أهلُهُ، فَإِنّي أهلُ العُقوبَةِ وقَد استَحقَقتُها، لا حُجَّةَ "لي" ولا عُذرَ لي عِندَكَ، أبوءُ لَكَ بِذُنوبي كُلِّها وأعتَرِفُ بِها كَي تَعفُوَ عَنّي، وأنتَ أَعلَمُ بِها مِنّي، أبوءُ لَكَ بِكُلِّ ذَنب أذنَبتُهُ، وكُلِّ خَطيئَة احتَمَلتُها، وكُلِّ سَيِّئَة عَمِلتُها، رَبِّ اغفِر وارحَم، وتَجاوَز عَمّا تَعلَمُ، إنَّكَ أنتَ الأَعَزُّ الأَكرَمُ ". وقامَ ودَخَلَ الطَّوافَ، فَقُمنا لِقِيامِهِ، وعادَ مِنَ الغَدِ في ذلِكَ الوَقتِ، فَقُمنا لاِِقبالِهِ كفِعلِنا فيما مَضى، فَجَلَسَ مُتَوَسِّطًا ونَظَرَ يَمينًا وشِمالاً، فَقالَ: كانَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ سَيِّدُ العابِدينَ يَقولُ في سُجودِهِ، في هذَا المَوضِعِ - وأشارَ بِيَدِهِ إلَى الحِجرِ - تَحتَ الميزابِ: " عُبَيدُكَ بِفِنائِكَ، مِسكينُكَ بِفِنائِكَ، فَقيرُكَ بِفِنائِكَ، سائِلُكَ بِفِنائِكَ، يَسأَلُكَ ما لا يَقدِرُ عَلَيهِ غَيرُكَ ". ثُمَّ نَظَرَ يمينًا وشِمالاً، ونَظَرَ إلى مُحَمَّدِ بنِ القاسِمِ مِن بَينِنا، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ بنُ القاسِمِ، أنتَ عَلى خَير إن شاءَ اللهُ تَعالى - وكانَ مُحَمَّدُ بنُ القاسِمِ يَقولُ بِهذَا الأَمرِ - ثُمَّ قامَ ودَخَلَ الطَّوافَ، فَما بَقِيَ مِنّا أحَدٌ إلاّ وقَد اُلهِمَ ما ذَكَرَهُ مِنَ الدُّعاءِ وأُنسينا أن نَتَذاكَرَ أمرَهُ إلاّ في آخِرِ يَوم. فَقالَ لَنا أبو عَلِيٍّ المَحمودِيُّ: يا قَومِ، أتَعرِفونَ هذا هذا واللهِ صاحِبُ زَمانِكُم، فَقُلنا: وكَيفَ عَلِمتَ يا أبا عَلِيٍّ فَذَكَرَ أنَّهُ مَكَثَ سَبعَ سِنينَ يَدعو رَبَّهُ ويَسأَلُهُ مُعايَنَةَ صاحِبِ الزَّمانِ. قالَ: فَبَينا نَحنُ يَومًا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وإذا بِالرَّجُلِ بِعَينِهِ يَدعو بِدُعاء وَعَيتُهُ، فَسَأَلتُهُ مِمَّن هُوَ فَقالَ: مِنَ النّاسِ، قُلتُ: مِن أيِّ النّاسِ قالَ: مِن عَرَبِها، قُلتُ: مِن أيِّ عَرَبِها قالَ: مِن أشرَفِها، قُلتُ: ومَن هُم قالَ: بَنو هاشِم، قُلتُ: ( و ) مِن أيِّ بَني هاشِم فَقالَ: مِن أعلاها ذِروَةً وأسناها، قُلتُ: مِمَّن قالَ: مِمَّن فَلَقَ الهامَ وأطعَمَ الطَّعامَ وصَلّى والنّاسُ نِيامٌ. قالَ: فَعَلِمتُ أنَّهُ عَلَوِيٌّ فَأَحبَبتُهُ عَلَى العَلَوِيَّةِ. ثُمَّ افتَقَدتُهُ مِن بَينِ يَدَيَّ فَلَم أدرِ كَيفَ مَضى، فَسَأَلتُ القَومَ الَّذينَ كانوا حَولَهُ: تَعرِفونَ هذَا العَلَوِيَّ قالوا: نَعَم، يَحُجُّ مَعَنا في كُلِّ سَنَة ماشِيًا، فَقُلتُ: سُبحانَ اللهِ "واللهِ" ما أرى بِهِ أثَرَ مَشي. قالَ: فَانصَرَفتُ إلَى المُزدَلِفَةِ كَئيبًا حَزينًا عَلى فِراقِهِ، ونِمتُ مِن لَيلَتي تِلكَ، فَإِذا أنَا بِرَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله فَقالَ: يا أحمَدُ، رَأَيتَ طَلِبَتَكَ فَقُلتُ: ومَن ذاكَ يا سَيِّدي فَقالَ: الَّذي رَأَيتَهُ في عَشِيَّتِكَ هُوَ صاحِبُ زَمانِكَ. قالَ: فَلَمّا سَمِعنا ذلِكَ مِنهُ عاتَبناهُ أن لا يَكونَ أعلَمَنا ذلِكَ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ يَنسى أمرَهُ إلى وَقتِ ما حَدَّثَنا بِهِ.
ويستطرد الشيخ الريشهري في كتابه قائلا: الإمام الصادق: إنَّ العَبدَ المُؤمِنَ حينَ يَخرُجُ مِن بَيتِهِ حاجًّا لا يَخطو خُطوَةً ولا يَخطو بِهِ راحِلَتُهُ إلاّ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِها حَسَنَةً، ومَحا عَنهُ سَيِّئَةً، ورَفَعَ لَهُ بِها دَرَجَةً. فَإِذا وَقَفَ بِعَرَفات فَلَو كانَت لَهُ ذُنوبٌ عَدَدَ الثَّرى رَجَعَ كَما وَلَدَتهُ أُمُّهُ، فَقالَ لَهُ: اِستَأنِفِ العَمَلَ، يَقولُ اللهُ: "فَمَن تَعَجَّلَ في يَومَينِ فَلا إثمَ عَلَيهِ ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثمَ عَلَيهِ لِمَنِ اتَّقى" (البقرة 203). وعن تسويف الحجّ وتركه: تارِكُ الحَجِّ كافِرٌ "وللهِِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطاعَ إلَيهِ سَبيلاً ومَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمينَ" (آل عمران 97). رسول الله صلى الله عليه وآله في وَصِيَّتِهِ لِعَلِيٍّ: يا عَلِيُّ، كَفَرَ بِاللهِ العَظيمِ مِن هذِهِ الأُمَّةِ عَشرَةٌ:ومَن وَجَدَ سَعَةً فَماتَ ولَم يَحُجَّ. عنه صلى الله عليه وآله مِمّا أوصى بِهِ عَلِيًّا: يا عَلِيُّ، تارِكُ الحَجِّ وهُوَ مُستَطيعٌ كافِرٌ يَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: "وللهِِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطاعَ إلَيهِ سَبيلاً ومَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمينَ" (آل عمران 97). يا عَلِيُّ، مَن سَوَّفَ الحَجَّ حَتّى يَموتَ بَعَثَهُ اللهُ يَومَ القِيامَةِ يَهودِيًّا أو نَصرانِيًّا. الإمام الكاظم في قَولِهِ تَعالى: "هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرينَ أعمالاً" (الكهف 103) -: إنَّهُمُ الَّذينَ يَتَمادَونَ بِحَجِّ الإِسلامِ ويُسَوِّفونَهُ. الإمام الصادق - لَمّا سُئِلَ عَن قَولِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: "فَأَصَّدَّقَ وأكُن مِنَ الصّالِحينَ" (المنافقون 10) -: قالَ: أصَّدَّقُ: مِنَ الصَّدَقَةِ، وأكُن مِنَ الصّالِحينَ: أي أحُجَّ. ابنُ عَبّاس: مَن كانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيتِ رَبِّهِ، أو تَجِبُ عَلَيهِ فيهِ الزَّكاةُ، فَلَم يَفعَل سَأَلَ الرَّجعَةَ عِندَ المَوتِ. فَقالَ رَجُلٌ: يَا أبنَ عَبّاس اتَّقِ اللهَ، إنَّما سَأَلَ الرَّجعَةَ الكُفّارُ قالَ: سَأَتلو عَلَيكَ بِذلِكَ قُرآنًا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)" (المنافقون 9-11).







محمد عبد السلام
منذ 1 ساعة
جيل التسعينات الشعري وصراع الأشكال
في رثاء العقيلة زينب (ع)
إعمار البصرة
EN