0

بمختلف الألوان
قد عرف عن المرجع الاعلى للطائفة السيد علي السيستاني، انه عميق الرؤية ودقيق المفردة، ويعني ما يقول، وللكلمة مسؤوليتها ، ولا يطلق اي توصيف الا ويحمل هدفه وغرضه امامه. ما تأملته في كلام سماحته لمؤسسة العين اليوم ـ وفق نقل المؤسسة ـ الجملة المهمة الملهمة الآتية: (كما شَدَدَ عَلى ضَرورةِ رَبطِ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
خطوات مضيئة

منذ 9 سنوات
في 2017/05/15م
عدد المشاهدات :2383
✍ : حسين السنيد

أعمى منذ الولادة ...
لم يبصر النور ابدا ,ولا الالوان و لا الاشكال ..كان يعيش في العتمة . يسمع الاصوات فتخترق اذنه و تمر عبر خط مستقيم الى عينه وتتشكل هناك اشكالها .. اقصد اشكال الاصوات.
مثلا صوت والده كان عاليا و فيه بحة خفيفة ,فكان يتصوره شكلا اسطوانيا كبيرا يمتد من الاعلى حيث السواد ..الى الاسفل حيث السواد مرة اخرى.
اما صوت امه فكان ناعما كصوت طفلة,وحين تداهمها نوبات البكاء القاسية يشبه مواء القطط في ليالي شباط. لذلك كان يتصور امه شكلا منحنيا متعرجا.
لم ينس ابدا تلك اللحظة الخالدة عندما ابصر للمرة الاولى خطا مضيئا يخترق الجهة اليسرى من عينه ليمرق من اليمنى بسرعة , حدث ذلك حين طوحه والده وراح يتلقفه و يعيد الكرة مرة اخرى. حينها شعر انه يسبح في فضاء غريب وان آلاف الفراشات تداعب عيونه برفرفة جناحيها, في تلك اللحظة بالضبط ,كما قلت لكم , ابصر ثمة خط مضيئ يهرب منه , ثم وضعه والده على الارض و قال له :
- امش .. يا حبيبي ..امش.
ومشى باقدام مرتجفة ,ببطئ و خوف ..لكنه مشى و داس على وجه الارض .سمع رفرفة الاف الفراشات و ابصرهن على هيئة نقاط صفر وحمر و زرق.
و منذ تلك اللحظة عشق المشي و عشق الطرق. وكيف يمكن لاعمى مثله الا يعشق الطرق! فهي لا تمل منه ابدا .حتى في تلك اللحظات الصعبة التي كان يشعر بخيبه امل والديه و حزنهم الشديد ,كان يخرج و يمشي لساعات وساعات ,انها الطرق ,صديقته الوفية التي منحته الومضة الوحيدة في حياته .
وصار يحفظ الطرق و يعرفها .مشى حافيا .. مشى باقدام مجروحة .. مشى بحذاء رياضي..بحذاء جلدية ..مشى على الرمل ..على السيراميك..على الاسفلت ..على ارض حارة ..رطبة..وباردة .. منزلقة وجافة.
وكان يستشعر طعم الطرق المختلفة و يشم رائحتها ويميز صوت ضربات قدمه عليها.
مشى لساعات طويلة محاولا رؤية الخط الابيض.الا ان الخط لم يكن يظهر له بوميضه الساحر ولا الفراشات التي داعبن عيونه باجنحتها عدن الكرة مرة اخرى .
مرت السنين و هو مايزال يبحث عن ذلك الخط اللامع دون ان يراه , و كلما مر يوم او اسبوع او عام , زادت في ياسه وحزنه و شوقه لرؤية الخط المضيئ مرة اخرى.
ذات فجر شتائي ماطر ..حيث كانت الصنابير تتجمد و الطرقات تتصقع , لبس ملابسه الصوفية وحمل حقيبة ظهره التي تحتوي على خبز و جبن و ماء وبعض القطع من الكيك التي كانت تطهوه امه, بالاضافة لبعض الفواكه المجففة.ثم بدأ بالمشي تحت المطر. مشى ثم مشى .. حتى شعر بشعاع الشمس الاولى .
بالحقيقة لم يكن لمشيه مقصدا واضحا و بالوقت عينه لم يكن مشيا عشوائيا غير هادف بالمرة , بل بين هذا وذاك .لم يكن ليستطيع منع اقدامه من المشي , و يشعر ان اقدامه منفصلة عن باقي جسمه وان النصف الاعلى من جسمه يركب على قدميه فقط . دون اي تاثير آخر و ان لاقدامه افكار وقرارت وقوة لايمكن ايقافها و هي غير خاضعة للعقل او القلب او اي جزء آخر من جسمه.
لا اعرف كم مشى بالضبط , هو ذاته لم يعرف كم مشى. ثم شعر انه يدخل في دوامة من الفوضى عبر باب ضيقة مر عبرها بسهولة ويسر.
في بادئ الامر كان يجلس ليتناول شيئا او لينام , اما بعدما دخل عبر تلك الباب الضيقة ,فقد السيطرة تماما فراح يأكل و هو يمشي و ينام ماشيا لاوقات تطول او تقصر .
عبر حقلا .. شم رائحة السنابل المتفتحة و رائحة الدجاج تحت المطر. عبر سكة القطار ..وسمع اصوات الاطفال الذين يتحضرون لرمي القطار بالحجر.ثم مر من امام مدرسة للبنات وسمع اصوات قهقهاتهن اثناء اللعب .
عبر جسرا خشبيا و عرفه من خلال الصرير الصادر من اهتزازه . ربما مشى لاسبوع كامل او شهرا او عاما ! من يعرف؟
توقفت اقدامه فجأة ..في مكان انتشر فيه عبير الورود بشكل عظيم ,قال لنفسه انه في حديقة للورود من دون شك,فرح لانه استعاد السيطرة على اقدامه المجنونة وشعر بتعب كل الايام الماضية تسقط في اقدامه بغتة ,ثم خطى الخطوة الاولى في الحديقة ..داس على زهرة حمراء ثم صفراء و كان كلما داس على واحدة تتفجر رائحتها في الفضاء. استمر بسحق الزهور متلذذا بمداعبة وجوه الزهور لباطن قدمه المتعبة والمتورمة .. احس بفرح وراحة كبيرتين .
صاح صوت من بعيد:
- هي ..هي ...انت ..ماذا تفعل في مكب النفايات الزجاجية !! اخرج ...ستؤذي نفسك يا مجنون !!!
مد يده نحو قدمه و شعر بالدم الحار يتدفق من باطن قدمه . وعرف انه لم يكن في حديقة للورد ..كيف اخطأ طريقه؟
ركض بجنون و كان الناس واقفين ويشاهدونه بدهشة يتسائلون .. من هذا المجنون الذي اقتحم مكب النفايات الزجاجية باقدام حافية؟
راح يركض و راح الناس يصرخون . كلما كثر صراخ الناس, راح يجري بسرعة اكثر و صرخات الناس تطرق رأسه بثقل , ومع كل طرقة ثقيلة كانت الورود الحمراء والصفراء تمد رأسها من بين قدميه و تنبت من اطراف الطريق ومن الاعلى والاسفل و من الجهات كلها.
خرج من الحقل راكضا بسرعة جنونية , سمع صوت منبه عال وممتد لسيارة و صاح احدهم من خلفه:
- احترس ....احترس ...يا مجنون انت في الطريق العام .
ثم كانت الصدمة , صدمة قوية طوحت به الى السماء وكأنه لاوزن له ,كريشه تطير في السماء في يوم عاصف . و في منتصف تلك الفوضى الرهيبة من الصراخ و ابواق السيارات فيما كان مايزال يطوف بالجو , لاح له الخيط الابيض المضيئ مرة اخرى ! بدأت الاصوات تخف من حوله حتى ساد الصمت , و شعر بميل كبير للنوم .
ارتطم بالارض مبتسما ..و احس برفرفة الاف الفراشات على وجهه و ابصرها نقاطا ملونة كما في طفولته.
لم يكترث بالعاصفة الهوجاء التي كانت تلفه.. قام من فوره غير مكترث بالناس , باقدامه الحافية المدماة ورأسه النازف . واصل الطريق متعقبا اثر الخيط الابيض.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 3 ايام
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 5 ايام
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 5 ايام
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...