0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
قبلَ أن ينشقّ القمر

منذ 10 سنوات
في 2016/08/05م
عدد المشاهدات :1524
البندقيةُ جائعةٌ كانت تبكي , رأسُها المتدلي بحزامٍ من كتفيهِ إلى أسفل ظهره , تنبعثُ منه رائحةُ بارودٍ قـنـّـنها البردُ .. رجلاه ُ يخطـّان ِعلى الرمل ِسنينَ قهرٍ وقصة َ مأساةٍ , البكاءُ بصمتٍ خيرٌ من الحديثِ حولها , لأنها أكبرُ من أن يصدقها عقلُ الإنسان .. الرمالُ تصافحُ قدميهِ , وتتمنى أن تضمهُ ضمن حباتها اللامعةِ , مع بندقيتهِ المنكسة لرأسها , وكأنها تريدُ أن تدفنَ نفسها في تلك الرمالِ, لأنها لم تـُصَبْ من قبلُ بعارِ الهزيمةِ .. رأسُها المعقودُ عليهِ خرقة ٌ خضراءُ أ ُقتـُطعتْ من بيرقِ الحسين , وخصلة ُشعرٍ طويلةٍ سوداءَ , شدتها حبيبتهُ لتعانقَ رقبة َبندقيتهِ يحاولُ البردُ إخمادَ حرارتهِ .. أختهُ قالت لهُ : إذا عدتَ شهيداً فلن أعتبَ عليك , واقتلني قبلَ وصولِ برابرةِ صدام إذا عدتَ منهزماً .
السماءُ ملبدة ٌ بغيوم ٍشريرة ٍتنذرُ بالمطرِ الأسودِ .. الشمسُ وراءَ الغيومِ تـنـزّ ُدما ًمن خاصرتها المطعونةِ بخنجر ٍعربي ٍمسموم , وهناك شقّ ٌبدأ َيتسعُ في جبهتها قبل ان ينشقّ القمر .. مهرة ٌعربية ٌبيضاءُ , تبرأتْ من عروبتها , فوجدتْ فارساً شريفاً اتجهَ بها صوبَ الغربِ , حيثُ تنامُ الشمسُ , تئنّ ُمن الجرحِ النازف ِفي خاصرتها .. سيفٌ مكسورٌ يصرخُ :[ ليس العارُ عليّ ولكن .. ] خيلٌ قتلى , ورجالٌ صرعى , وأسودٌ حيرى , ينتدبُها العزّ ُفتلبي الذلّ .. على جانبي الطريق آثارُ معاركٍ .. المسافة ُ بين مدينةِ النجف , عاصمة ُالعلمِ والثقافة ِوالسياسة , ومدينةُ الحيرة ِعاصمةُ المناذرة , خمسةَ عشر قرنا ًمن الزمان بمعاركها .. بخزيها .. بظلمها .. بعزها وانتصاراتها .. الخط ُ الأزرقُ الممتدّ ُ مع الأفقِ لبحرٍ يتلاشى على جانبه الأيمن , وصفوفٌ من النخيل التي تبدو كجيوشٍ جرارةٍ , تسيرُ سيراً بطيئاً في ليلةٍ هادئةٍ , على جانبه
الأيسر .. الدمُ والجوعُ والخوفُ والهزيمة ُ والدموعُ انهكته .. أراد ان يستسلم .. أحبّ الرمالَ.. شعرَ ان راحتـَهُ الأبدية َ ستكونُ تحتها .. أرادَ أن يجلسَ تمهيداً للنومةِ الأبديةِ , فاصطدمَ رأسُ بندقيتهِ بحصاةٍ ملقاةٍ فوقَ الرملِ .. التفتَ الى الوراءِ .. نظرَ الى رأس البندقية .. مازالت الخرقة ُ الخضراءُ , وخصلة ُ الشعر كوسامين يوشحان اسطوانتها , ومازالت كلماتُ اخته تنطلق من فوهتها .. وضعَ يده على جبهته .. أرادَ أن يبكي .. اعتصرَ نفسه .. حاول وحاول ولكنه شعرَ ان فـُصّي عينيه كحجرين خشنين نـَبـُتا في رأسه .. مـدّ يده لعله يعثرُ على لفافة تبغ ٍ , خبأتْ نفسها في احدى زوايا الجيب .. تلمسَ اشياءَ لينةٍ ورطبة .. قلـّبها .. حركها . . تحسسها فلم يعرف ماهيتها .. أخرجها فإذا هي بعضُ تـُميراتٍ ..
- إبني .. ولدي .. خذ معك هذا التمر فستأتي ساعة ٌ وتحتاج إليه ..
* أمي .. والدتي .. ياسيدة الأحبة ِسأعودُ .. فالنصرُ لنا .. ألا ترينَ هذه البيارقَ والبنادقَ ..
ألا ترينَ الرجال ؟!
- ولدي .. ان العدو جبانٌ ويائسٌ وبيده سلاحٌ فتاك ..
* أتخوفينني ؟!
- أعلمُ انك شبلُ ذلك الأسد , ولكن قلبي يخافُ عليك , وما هذا إلا زادُ الرجال الذاهبين الى المعارك .. ثم عانقتهُ وقرأت في أذنيهِ : [ إن الذي فرضَ عليك القرانَ لرادُكَ الى معادٍ ].. مالَ صفّ ُ الرصاصِ الممتدِ من كتفيهِ الى خاصرتيهِ .. أعادَهُ الى مكانهِ , وهويضعُ يدَهُ اليمنى على كتفِ والدته .. بناتُ الحي ينظرنَ الى المشهدِ .. لحظاتُ توديعٍ يُجلـّلها الحبُ الممتزجُ بالخوفِ تمرُ هنا وهناك .. حبيبتهُ تنظرُ اليه , وخصلةُ الشعرِ ترفرفُ بين يديها , فيما راحت تقبضُ على الخرقةِ الخضراءِ بقوةٍ , رغمَ الضعفِ والإصفرارِ الذي يبدو على وجهها من جرّاءِ الخوفِ والإضطرابِ .. مازالت الغيومُ الشريرةُ تنذرُ بالمطرِ الأسودِ , والغربانُ السودُ تحومُ فوقَ الغيمِ , وتحتَ الغيمِ بحثاً عن فطائسها .. السلاحُ يشكوُ الذلَّ والهزيمةَ .. والخيلُ بلا فرسان .. أكلَ تميراتهُ اللاتي امتزجنَ برائحةِ البارودِ والتبغِ الرخيصِ .. نهضَ مرةً اخرى , أخجلهُ إتكائهُ على العصى المفطورةِ من وسطها , فلم يتعود ان يتكيءَ على جراحِ الاخرين ..
واجهتهُ أولُ قطةٍ أليفةٍ , في أولِ زقاقٍ من أزقةِ المدينةِ الخاليةِ من أهلها , الذين هربوا بحثاً عن الأمان .. فمُها مصطبغ ٌ بدم ٍ أسود .. يبدو انها توحشت .. لاشيء سوى آثارَ دماءٍ تبدو واضحةً الى حدٍ مخيفٍ .. أنينٌ في أماكن مختلفة , ربما يكونُ لجياعٍ أو جرحى حبسهم الضعفُ .. وقعت عيناهُ على لافتةٍ لأحدِ المراكزِ الصحيةِ .. استدعاهُ نداءُ الجرحِ لدخولِ المركزِ , لعلهُ يعالجهُ فيواصلُ الطريق.. رائحةٌ كريهةٌ ومخيفةٌ تنبعثُ من نوافذِ المبنى وأبوابهِ المهشمةِ .. بعضُ القططِ ذواتِ الأفواهِ المصطبغةِ بدماءٍ سوداءٍ , تخرجُ مذعورةً بمواءٍ حادٍ يشقُّ الآذانَ , وهي تقفزُ من النوافذ والأبواب .. نباحُ الكلابِ في داخلِ المبنى , ينبعثُ بوحشيةٍ وعنفٍ مع الرائحةِ المخيفةِ .. كان لابد لهُ ان يدخلَ المبنى .. شعرَ بتسارعِ دقاتِ قلبهِ .. إذن لابدَّ ان تكونَ هناكَ جريمةٌ .. قتلى .. جثثٌ .. دماءٌ .. بعضٌ من قطعِ الزجاجِ والطابوقِ, وبعضُ أدواتِ الجراحةِ والأوراقِ تنتشرُ هنا وهناك .. دماءٌ على الحائطِ .. على الارض .. فوق السجلات والملفات المتناثرة في زوايا المبنى .. أراد ان يستخدم بعض الشاش لمعالجة الجرح فشك في تلوثه , فتركه باحثا عن سرّ الرائحة الكريهة .. تقدم قليلا ً .. نباحُ الكلاب يعلو ويزداد .. والقططُ تتقافز في كل اتجاه .. التفتَ إلى إحدى القاعات .. دخلها وإذا بأنيابِ الكلابِ , وهي تمزقُ
جثثاً ملقاةً بشكلٍ عشوائيٍّ هناك على أرضية القاعة .. أطلقَ النارَ .. تراجعت بعضُ الكلابِ .. صلاها بالنار .. تحرك بعضٌ من الزجاج المتهشم تحت أرجلِ كلابٍ جائعةٍ متوحشةٍ , فأحدثَ صوتاً يثيرُ الإنتباهَ .. نظرَ الى الخلفِ .. مجموعاتٌ من الكلابِ دخلت المبنى من النوافذِ.. هلهلتْ بندقيتُهُ من جديدٍ .. ثارتْ .. أطاحتْ ببعضٍ من رؤوسِ الكلابِ العفنةِ .. مزّقتها .. أرعبتها .. لم يبقَ في جعبتهِ سوى رصاصةٍ واحدةٍ إدّخرها للزمن , أو لكلبٍ ما قد يصادفهُ في الطريق .. غادرَ المبنى , ومازالت الكلابُ تخترقُ نوافذهُ من الخارج , وتتوافدُ عليه من اطراف المدينة , ومازالت الغيومُ الشريرةُ تنذرُ بالمطرِ الأسودِ .. والغربانُ السودُ تحومُ كاشباحٍ فوقَ الغيمِ وتحت الغيمِ تبحثُ عن فطائسها .. والشمسُ وراءَ الغيومِ تنزُّ دماً من خاصرتها المطعونة بخنجرٍ عربي مسموم .
جاسم المعموري

مستوحاة من احداث حقيقية
الزمان : آذار - 1991
المكان : الطريق بين النجف وأبي صخير

اعضاء معجبون بهذا

موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
بقلم الكاتب : حيدر حسين سويري
يقضي الإنسانُ لياليًّ وأياماً، ساهراً مكباً، يخططُ القيام بعمل ما، أو الإقدام على الدخول في مشروعٍ مُعيَّن، تتزاحم الأفكار حتى يفقد الوعي، ويقع تحت سطوة الإعياء، فتتناثر الخطط وكأن شيئاً لم يكن، حينها وفي فجوةٍ من فجوات زمن اللا تفكير، تلعب الأقدار لعبتها معه. على حين غُرةً، تجري الرياح بما... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 9 ساعات
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ 1 اسبوع
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...
منذ اسبوعين
2026/09/23
تخوض البنوك المركزية حول العالم واحدة من أعقد اختبارات السياسة النقدية منذ عقود،...