شأن النزول وأَما قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ... ) فإنه كان سبب نزولها أنه لما هاجر رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) إلى المدينة بعث السرايا[1] إلى الطرقات التي تدخل مكة تتعرّض لعير قريش حتى بعث عبد الله بن جحش في نفر من أصحابه إلى نخلة وهي بستان بني عامر - ليأخذوا عير قريش حين أقبلت من الطائف عليها الزبيب والإدم والطعام، فوافوها وقد نزلت العير وفيهم عمرو بن عبد الله الحضرمي وكان حليفاً لعتبة بن ربيعة. فلما نظر الحضرمي إلى عبد الله بن جحش وأصحابه فزعوا وتهيئوا للحرب وقالوا: هؤلاء أصحاب محمد (صلى الله عليه واله وسلم). فأمر عبد الله بن جحش أصحابه أن ينزلوا ويحلقوا رءوسهم، فنزلوا فحلقوا رؤوسهم؛ فقال ابن الحضرمي: هؤلاء قوم عباد ليس علينا منهم بأس. فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح حمل عليهم عبد الله بن جحش فقتل ابن الحضرمي وأفلت أصحابه وأخذوا العير بما فيها وساقوها إلى المدينة، وكان ذلك في أول يوم من رجب من أشهر الحرم، فعزلوا العير وما كان عليها ولم ينالوا منها شيئاً. فكتبت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): «إنك استحللت الشهر الحرام وسفكت فيه الدم وأخذت المال». وكثر القول في هذا، وجاء أصحاب رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) أيحل القتل في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ...) قال: القتال في الشهر الحرام عظيم ولكنّ الذي فَعَلَتْ قريش بك يا محمد (صلى الله عليه واله وسلم) من الصد عن المسجد الحرام والكفر بالله وإخراجك منها هو أكبر عند الله، والفتنة يعني الكفر بالله أكبر من القتل[2].
تنويه: بعث الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) هذه السرية في أواخر شهر جمادى الآخرة. وقبل معركة بدر، وكان قائدها عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمة الرسول الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم)، إلى منطقة (نخلة) الواقعة بين مكة والطائف كي يراقب أوضاع قريش هناك ويبعث بتقاريره إليه من هناك.
ولما شاهد عبد الله قافلة قريش التجارية هناك تشاور مع رجاله، فقال له بعضهم إن اليوم هو أول رجب، وقال آخرون بل هو آخر جمادى وإذا لم نتعرّض لهم اليوم فسيدخلون الحرم وحينئذ لن نتمكن من الهجوم عليهم. وكانت نتيجة ذلك أن هجموا عليهم وقتلوا عمرو بن الحضرمي ممثل قريش وأسروا رجلين وغنموا أموال القافلة، وكانت تلك أوّل غنيمة يغنمها أصحاب الرسول (صلى الله عليه واله وسلم).
ولما جلبوا الأسرى والغنائم إلى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ووصل الخبر إلى المشركين كتبوا إلى الرسول: لماذا استحللت القتال وسفك الدماء والأسر والغنيمة في الشهر الحرام؟ كما أن أصحابه (صلى الله عليه واله وسلم) سألوه أيضاً: هل يجوز القتال في الأشهر الحرم؟ وهنا نزلت هذه الآية[3].
وقد ورد شأن النزول هذا في الكثير من الكتب التفسيرية والروائية للشيعة والسنة مع بعض الاختلاف، مما يؤيد صحة المسألة من الناحية المبدئية. كما أن الآية الشريفة تشير أيضاً إلى وقوع حادثة أدت إلى مقتل أحد الأشخاص وهيّأت الأجواء لطرح مثل هذا السؤال[4].
وعلى هذا يكون المقصود من سؤال المشركين في الآية بمعنى المؤاخذة والاعتراض، وإن أمكن أن يكون سؤال المؤمنين بمعنى الاستعلام، كما ذكرنا ذلك سابقاً.
والمفهوم من مضمون الآية هو حرمة القتال المذكور - وهو حكم فقهي - وبه حصل المسلمون على جواب استفتائهم من جهة، كما يتضح منها من جهة أُخرى الجواب الجدلي للمشركين وقد حصلوا عليه من خلال الجدال بالتي هي أحسن.
[1] السرية هي الغزوة التي لم يكن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) مشتركاً فيها، واعتبر البعض (السرية) أنها المجموعة المكونة من خمسة أشخاص إلى الثلاثمائة، والأربعمائة شخص. وهذه المفردة إما أنها مشتقة من سرى بمعنى الشيء النفيس والثمين؛ لأن مَن كان يكلف بمثل هذه المهام هم النخبة أو أنها مشتقة من (سرى) بمعنى الحركة في الليل؛ إذ غالباً ما كانت هذه الجماعة تشن غاراتها ليلاً وفي الخفاء مجمع البحرين، مج 1، ج 2، ص 369، (س ری).
[2] تفسير القمي، ج 1، ص 71 - 72.
[3] تفسير القمي، ج 1، ص 71 و 72؛ الدر المنشور، ج 1، ص 600 - 4604 أسباب نزول القرآن، ص 69 - 72 .
[4] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 166 - 167 .