1. (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ[1]).
وهذه الاية تنذر الكافرين وتعتبر عذابهم أثرا من الاثار السيئة لكفرهم.
وقال في موضع آخر أيضا إن الله قد يرحمكم واذا عدتم الى الفساد والجريمة فسنعود نحن أيضا وقد جعلنا جهنم محصارة للكافرين: (عسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [2])، (وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ[3]).
وهاتان الايتان تبينان الصلة بين الاعمال القبيحة وما يجابهه الانسان من وقائع مرة اليمة في الدنيا لأن عودة هؤلاء الى ارتكاب أفعالهم القبيحة تفتح الطريق أمام عودة السنة الالهية القاضية بالانتقام اذن فالقهر الالهي الذي يمكن أن يتجسد في مظاهر طبيعية مختلفة إنما يرتبط بحقد المجرمين وكرههم لمظاهر الدين الالهي وهذا الارتباط هو نفس الارتباط بين العقائد والأخلاق وأعمار البشر والحوادث العالمية المتنوعة التي تتحقق بالإبداع الالهي.
وليس الامر كما لو أن العلاقة بينها ضرورة ذاتية لا تحتاج الى مبدأ الايجاد.
2. (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[4]).
أي إننا لو شئنا تدمير احدى المناطق فسنقوم بالطلب من المقتدرين والمترفين فيها أن ينفذوا الاحكام الالهية وسينبري هؤلاء للاصطفاف في الصف المخالف للأوامر الالهية وينحرفون عن طريق الحق وحينذاك سيحيط بهم العذاب الالهي ويفنيهم عن آخرهم.
ان كبراء المجرمين يفسقون وبدلا من أن يقوم الناس العاديون بنهيهم عن المنكر فإنهم إما أن يتبعوهم أو يقفوا متفرجين على ارتكابهم للمعاصي ولما كان الجميع قد ظلموا أنفسهم فهم محكمون بالقهر الالهي.
3. (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[5]).
ربما أمكن الاستفادة من هذه الآية - وكذا من آية - (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ[6]) وجود علاقة طبيعية بين أعمال الإنسان المستهجنة وظهور الفساد في البر والبحر، واعتبار هذه الآية مفسرة لآيات أُخرى تشير إلى صلة تكوينية بين ذنوب الناس والوقائع المؤسفة التي تحصل في العالم، وذلك بتدبير الربوبية الإلهية كما هو الحال في جميع الأعمال التكوينية.
وخلاصة الكلام أنّ الفساد في البر والبحر يظهر نتيجة لما يرتكبه الناس من آثام، حتى يصل حالهم إلى مرحلة يذيقهم الله فيها جزاء بعض أعمالهم، لعلهم أن يعودوا إلى رشدهم ويكفوا عن ارتكاب الذنوب.
وهذه الآية تبين نقطتين:
أولاهما: وجود صلة بين أعمال الناس المذمومة وبين ما يقع من كوارث وحوادث مؤسفة.
وأخراهما: أنّ الجزاء قد يكون أحياناً أقل من العمل، كما أشار إلى ذلك بقوله: إن الله يغفر بعض الذنوب، ولا يفتح أبواب جهنم لكل ذنب يذنبه الإنسان[7]، أو إنّه لا يجازي الناس ماديًا على جميع أعمالهم في الدنيا، بل يبتليهم ببعض الحوادث المرة المؤلمة[8].
4. (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ[9]).
يلاحظ من يتصفّح أوراق التاريخ ويشاهد الحوادث التاريخية ويدرس ويحلل الوقائع الماضية هناك وجود طغاة أقوياء - كفرعون لم يبق منهم اليوم سوى اسمهم مسطوراً في زاوية من زوايا الكتب التاريخية، وقد أهلكهم الله بسبب ذنوبهم، ولم يجدوا من يدافع عنهم أو يحميهم أمام الله.
وهناك آيات كثيرة حول قارون[10] وقوم سبأ[11] وباقي المجرمين وزعماء الظلم تدلّ على نزول الكوارث المريرة عليهم وحرمانهم من النعم والبركات الإلهية نتيجة لذنوبهم الفردية أو الجماعية.
ومع أن الآيات المذكورة تفيد ارتباط أعمال السوء من جهة بالكوارث الطبيعية الحادثة في العالم من جهة أخرى، ولكن كما أن الله تعالى ربا يعفو عن أصل السيئة أحياناً من خلال تجاهلها، فكذلك الحال في مسألة المعاقبة بالحوادث المؤسفة حيث يمهل المجرم أحياناً ولا يعاقبه عقاباً فورياً، بل يتيح له فرصة التوبة، أو يعاقبه عقاباً دون مستوى عمله السيء ويعفو عن قسم كبير من خطاياه: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ[12])، بمعنى أن كل مصيبة تصيبكم هي نتيجة من نتائج أعمالكم، لا أنكم كلّما عملتم عملاً ابتليناكم بمصيبة، بل الله يعفو عن الكثير من ذنوبكم[13] ويحاسب على القليل.
وعلى هذا الأساس تكون حوادث العالم تابعة لأعمال الناس إلى حد ما، بمعنى أن الناس لو أطاعوا الله واتبعوا سبيل العبودية لانفتحت أمامهم أبواب الرحمة والبركات الإلهية، أما لو انحرفوا عن سبيل العبودية وساروا في أودية التيه وسيطرت عليهم أفكار الضلال والنوايا الفاسدة؛ فسيظهر الفساد في المجتمع ويمتد حتى يشمل جميع الصحاري والبحار، مما يدفع بالأمم نحو الهلاك والفناء نتيجة المظالم والحروب وانعدام الأمن وسائر الشرور، إضافةً إلى ها ينزل بهم من البلايا والكوارث المدمّرة من سيول وزلازل وصواعق، التي أشار القرآن الكريم إلى نماذج منها أمثال سيل العرم (الفيضانات والرياح العاتية[14])، طوفان نوح[15]، صاعقة ثمود[16] وصرصر عاد[17] وغيرها من هذا القبيل.
وما مضى كان بياناً لعاقبة (المجتمع الصالح والمجتمع الطالح). والقرآن ينظر إلى (الفرد) كما ينظر إلى المجتمع، بمعنى أنه سوف يرى بنفسه أثر الأعمال الطيبة وجزاء الأعمال القبيحة؛ لكنه قد يتمتع أحياناً بنعم أسلافه ويبتلى أحياناً أخرى بمظالم أجداده، إلّا أنّ التلازم المذكور في ما يخص أعمال المجتمع لا يمكن بيانه بالسهولة نفسها في ما يخص عمل الفرد.
إن النعم التي يهبها الله للفرد أو المجتمع المحسن هي إحسان منه وامتحان في نفس الوقت، كما قال الله عن نبيه سليمان عليه السلام: (قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[18]). فالشكر واحد من أعمال البشر الحسنة الموجبة لزيادة النعمة ونمائها: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[19])، والإنعام على أهل الفساد هو من باب والاستدراج، وتلك النعمة هي جمال في ظاهرها ولكنها نقمة عليهم وجلال في باطنها.
كما أن نزول البلايا والمصائب على الفرد أو المجتمع الصالحين يكون أحياناً لامتحانهم كي يمتازوا عن الخبثاء، كما يصهر الصاغة ذهبهم في البوتقة كي يخلصوه مما علق به من الزوائد، أو يضعوه تحت المحك ليتضح عياره و مقدار نقائه: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[20]). أما نزول البلاء والمصائب على أهل البغي فهو عقوبة لهم و مجازاة على أعمالهم البذيئة، إضافةً إلى ما فيه من فتح لباب التوبة والإنابة حيث يجب على المذنب الذي نزل به العقاب أن ينتبه فوراً ويعود إلى رشده.
وما ذكرناه هو نتيجة الأعمال التي تظهر في هذا العالم وتصل إلى صاحبها؛ لكن القرآن في مقام ذم الدنيا وتفاهة متاعها عند الله يشير إلى أنه لولا قيام حياة الطيبين والأشرار في الدنيا على وفق نظم وأسلوب واحد، ولو لا أن يكون ذلك سبباً في كفر الناس جميعاً لجعلنا للكافرين ثروة واسعة إلى الحد الذي يبنون بيوتهم من الذهب والفضة: (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ[21])، ومن هنا فلا تناقض بين هذه الآية والآيات التي تبين تأثير الأعمال في مصير الناس في هذا العالم[22].
تنبيه: يندرج الامتحان الإلهي ضمن سننه. والامتحان قد يكون بالرفاه وقد يكون بالضيق: (وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ[23]).
وهناك فرق بين ضَنك العيش الذي يرافقه شدّة اليأس والخوف والعجز والذلة وأمثالها، وبين الفقر العزيز الذي يبتلى به أحياناً أولياء الله.
[1] سورة الانفال الاية 38
[3] سورة الانفال الاية 19
[4] سورة الاسراء الاية 16
[6] سورة الشورى، الآية 30.
[8] سورة المائدة، الآية 49 سورة الروم، الآية 41 .
[9] سورة غافر، الآية 21 .
[10] سورة القصص الآيات 76 - 82 .
[11] سورة سبأ، الآيات 15 - 19.
[12] سورة الشورى، الآية 30.
[13] إن مفردة كثير تشير إلى رأفة الله ورحمته؛ لأنّ ما يقابل الكثير هو القليل، بينما يقابل الأكثر الكثير، ومن هنا لم يستعمل مفردة (أكثر).
[14] سورة سبأ، الآية 16 .
[15] سورة العنكبوت الآية 14 .
[16] سورة فصلت الآية 17 .
[17] سورة الحاقة، الآية 6 .
[18] سورة النمل، الآية 40.
[19] سورة إبراهيم، الآية 7.
[20] سورة العنكبوت الآية 3.
[21] سورة الزخرف، الآيات 33 - 35 .
[22] راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص181 - 183.
[23] سورة الأعراف الآية 168 .