بعد أن درسنا أعمال الخير والشر وأحكامها وآثارهما، يرد على الذهن سؤال عن من هو المنتصر النهائي آخر الأمر، هل هم الأخيار أم الأشرار؟
إن مطالعة تاريخ الماضين تظهر أنّ المنتصر كان نبي الله نوح سلام الله عليه حيناً وحيناً عبدة الأوثان، ومرة كان إبراهيم وأخرى آل نمرود، وأحياناً آل موسى وهارون وأُخرى آل فرعون فهل سيستمر هذا التداول إلى الأبد على أساس (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ[1])، أم إن هذا العالم يسير وفق نظام وسيكون النصر في النهاية للمتقين؟
ولتوضيح هذه المسألة لا بد من ذكر بعض الملاحظات:
1. يجب على الإنسان - بمقتضى العقل - إذا أراد أن يكون حكمه دقيقاً وصحيحاً، أن ينظر إلى كافة جوانب العالم لا مقطعاً معيناً منه، وعند ذاك سيفهم وجود نظام للعالم، وأن مصيره هو للتقوى وأهلها: (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ[2])، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[3]).
إن من يتوهم أن العالم لا يتجاوز حدود حياته، هو كما يقول الإمام علي عليه السلام كالخروف الذي يسرح في البادية ويحسب يومه دهراً: (أيها الناس غير المغفول عنهم... كأنكم نَعَمٌ أراح بها سائمٌ إلى مرعي وبي ومشرب دوي (روي)؛ وإنما هي كالمعلوفة للمدى، لا تعرف ماذا يُراد بها! إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها وشبعها أمرها[4]) بينما تقتضي النظرة الكونية الشاملة النظر إلى عالم الماضي والمستقبل أيضاً.
2. وانطلاقاً من هذه النظرة الشمولية اعتبر الله سبحانه عاقبة البشرية هي انتصار عباده، وقال إنه هو المنتصر في الأعمال والشؤون: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[5])، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ[6]).
ويستفاد من ذيل الآية الأولى أنّ النصر النهائي لعباد الله ليس أمراً مفهوماً لدى الجميع، بل إن أكثر الناس لا يعلمون ذلك. ولو كان هذا النصر أمراً محسوساً لعرفه كل الناس ولم يجهلوه.
أما علة جهل الجاهلين وإنكارهم، فتكمن في أمرين:
أ. إن تفكير الإنسان - في الغالب - يكون محدوداً، ولا يلتفت إلا إلى ما يراه بعينيه، غافلاً عن المستقبل. فهو يرى الحكم الزائل حكماً أبدياً، وانتصار ساعة نصراً دائمياً، وعمره القصير وبضاعته الضئيلة معياراً لكلّ شيء.
أما الله تعالى، وهو المحيط بالزمان والمكان، والحاكم على الدنيا والآخرة، والقيوم على كل شيء فحكمه يكون قاطعاً وحقاً محضاً، وكلتا النشأتين لديه في كفّة واحدة، فلا يستعجل في إنجاز عمل ما، ولا يخشى ضياعه بتأخير. من هنا يمكن أن يجعل الله سبحانه ما تعانيه إحدى الأمم من صعوبة ومشقة لمدة قصيرة مقدمة لرفاهها المستمر، أو يجعل حرمان فرد سبباً لازدهار مجتمع، لكن الجاهل إذا رأى تلك المصاعب والحرمان الموقت ظنّ بالله العجز نعوذ بالله وعدم قدرته على تنفيذ ما يريد: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ[7]).
إن اقتدار الله وحكومته مطلقة، ولم يعجز عن أمر تعلقت إرادته به ولن يعجز ؛ لكن الكفار يتوهمون كفرهم وبطلانهم انتصاراً، ولهذا يحذرهم الله سبحانه ألا يتوهموا أنهم قد سبقوا الله بمثل هذه الأعمال أو أنهم قد انتصروا عليه وتركوه عاجزاً، بل نحن نسوقهم بذلك إلى جهنم (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ[8])، (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا[9]).
ب. إن الانتصار في المعنويات يختلف عنه في الماديات؛ لأنّ الغلبة في الماديات تتم عن طريق التسلّط على الآخرين بالإكراه والإجبار، كما يفعله السلاطين المستبدّون الدكتاتوريون، والتي أثبتت التجربة عدم إمكانية استمراره طويلاً؛ بينما لا يعتمد النصر في المعنويات على القوّة والإكراه، بل على النفوذ في القلوب وأسرها. إن الإيمان والعقيدة إذا وجدا طريقهما إلى القلوب - حتى لو لم تظهر آثار هما في اللحظات الأولى - لكنّه سيظهر بالنتيجة وتبقى آثارهما ثابتة على المدى الطويل.
والأمور المعنوية التي دعا الله البشرية إلى التمسك بها كلها حق، وما عداها كله باطل وضلال: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ[10])، ومن الواضح أن الباطل والضلال لا يصمد أمام الحق، ولا نصيب له سوى الهزيمة[11].
3. بين الله سبحانه الفوز النهائي لعباد الله بأمثلة مختلفة في القرآن الكريم كي يكون ذلك واضحاً أمام الناس العاديين:
أ. تشبيه الفيض الإلهي بماء المطر، يقول الله سبحانه إنه يصب من سماء رحمته ماء فيض الوجود، فيأخذ كل وادٍ وصحراء قدر ما يستطيع من هذا الفيض حتى يتجمع ويصير سيلاً عارماً. ويحمل هذا السيل الزبد في طريقه، ولما كان هذا الزبد خفيفاً فإنّه يطفو ويظهر على سطح الماء، إلا أنكم يجب أن تعلموا أن الله لم يرسل هذا الزبد، بل هو من لوازم حركة السيل وسيزول في أقرب فرصة، مثلما أن ظهور الباطل من لوازم الحياة والحركة في عالم الطبيعة، والباطل مثل الزبد سريع الزوال وهو لا يروي الإنسان أو النبات، ويبقى الحق كما يبقى الماء: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا...[12]).
واستمراراً في نفس السياق يشبه الحق والباطل بالمعدن المنصهر بفعل النار وما يطفو على سطحه من العناصر الدخيلة قائلاً إنّ الصاغة عندما يصهرون المعدن الثمين بالنار كي يصوغوا منه مختلف أنواع الحلي تطفو على سطح المعدن المنصهر والمذاب رغوة سرعان ما تزول وتُطرح جانباً: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ[13])، ثم يقول إن الله يمثل الحق والباطل بأنّ هذا الطافي ينيذ جانبا ويتم التخلص منه لكن ما ينفع الناس يبقى في الارض وهكذا يضرب الله الامثال: (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ[14]).
فالحق في المثال الاول مثل السيل الجارف الذي يروي العطاشى وفي المثال الثاني مثل الذهب المذاب الجاهز لكل أنواع الاستعمالات بينما الباطل في المثالين مثل الزبد الذي لا يستمر طويلا ولا ينفع في ارواء عطشان ولا يمكن الاستفادة منه لأي شيء، بل هو مجرّد بروز لفقاعات هوائية سرعان ما تؤول إلى الفناء.
ب. كما يشبه الحق والباطل أحياناً بالشجر الطيب والخبيث، فيقول إنّ الكلام الطيب مثل الشجرة الطيبة التي تكون ثمارها حلوة المذاق: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ[15]).
وقد تكررت كلمة (المثل) في هذه الآيات عدة مرات كي يتضح الحق والباطل للناس العاديين جيّداً.
والخلاصة أن الحق في الدنيا هو المنتصر ظاهراً وباطناً، ونهاية العالم هي من نصیب عباد الله والمتقين: (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ[16])، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[17]).
فالحق هو المنتصر في الظاهر؛ لأنّ نظام الخلق والإيجاد يقود الجنس البشري بالهداية التكوينية نحو الحق والسعادة، ويوصله إلى غايته، ولا قيمة لجولة الباطل، فهي مقدمة لدولة الحق.
وهو المنتصر أيضاً في الباطن؛ لأنّ الحجّة الإلهية هي الغالبة دوماً، مضافاً إلى أن من آثار وخواص أعمال الخير هو الصمود والنصر والاستمرار والاستقرار والأصالة، مثلما أن من خواص أعمال السوء هي الهزيمة والبطلان والفناء والسطحية.
[1] سورة آل عمران الآية 140 .
[3] سورة الأعراف، الآية 128 .
[4] نهج البلاغة الخطبة 175
[5] سورة يوسف، الآية 21 .
[6] سورة الصافات، الآيات 171 - 173 .
[7] سورة الأنعام، الآية 136 .
[8] سورة الأنفال، الآية 59.
[9] سورة مريم، الآية 86 .
[10] سورة يونس، الآية 32.
[11] راجع الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 185 - 187 .
[12] سورة الرعد، الآية 17 .
[13] سورة الرعد، الآية 17 .
[14] سورة الرعد، الآية 17 .
[15] سورة إبراهيم، الآيات 24 - 26.
[17] سورة الأعراف الآية 128 .