إشكال: لما كان عالم الطبيعة دائراً على أساس نظام العلة والمعلول؛ كانت جميع الحوادث العامة والخاصة - حلوها ومرها كالسيل والبركات السماوية والأرضيية - معلولة لعللها الطبيعية، بحيث إن وجود هذه الحوادث وعدم وجودها متوقفان على وجود عللها الطبيعية وعدم وجودها. وكلّ مؤمن أو كافر يستفيد من الطبيعة أو يتضرر بها بمقدار ما لديه من العلل الطبيعية. إذن، فإسناد الحوادث حلوها ومرها إلى الأعمال الحسنة والقبيحة للناس ليس صحيحاً، بل هي فرضية بعيدة عن الواقع.
الجواب: هذا الإشكال إشكال أساسي، ولا يكتفي بمجرد نفي ارتباط الأعمال مع الحوادث الكونية، بل ينفي أي ارتباط للإنسان مع عالم الطبيعة بوسائل ما وراء الطبيعة وما وراء المادة، سواء كان ذلك من خلال تأثير الأعمال الحسنة والسيئة، أم تأثير الدعاء والصدقة وصلة الرحم، أم تأثير معاجز الأنبياء.
ولكن نقول: 1. إن موضوعنا هو البحث التفسيري والقرآني لتأثير الأعمال، وهذا الإشكال إشكال فلسفي سنتطرق للإجابة عليه فلسفياً ذيل الآية 96 من سورة الأعراف إن شاء الله تعالى.
2. إن منشأ هذا الإشكال هو الفهم الخاطئ لمطالب القرآن وحديث أهل البيت عليهم السلام، لأن القائلين بارتباط أعمال الخير والشر مع حوادث الزمان الحلوة والمرة ليسوا في صدد إنكار أو نفي تأثير العلل الطبيعية، أو تشريك الأعمال مع العلل الطبيعية في التأثير، كما لا يريدون جعل الله شريكاً مع العلل الطبيعية، أو نسبة بعض الحوادث إلى الله وبعضها الآخر إلى العلل المادية، بل ما يريدونه هو إثبات علل باسم العلل المعنوية تكون فوق العلل المادية، وتقع في طولها. ومعنى ذلك أن الحوادث منسوبة إلى العلل المادية من ناحية، ومن ناحية ثانية فوق سابقتها منسوبة إلى العلل المعنوية، وذلك مثل الكتابة التي تستند إلى اليد مثلما تستند إلى الكاتب[1]. وهذا النوع من العلل المجهولة يندرج أحياناً ضمن العلل الفاعلية، وأحياناً ضمن العلل القابلية.
3. إن نظام العلة والمعلول - وبنفس الدليل الصحيح الذي يقوم عليه - يسلم زمام الحوادث في يد العلل الغيبية، ويرجع عالم الطبيعة إلى عالم ما وراء الطبيعة. توضيح ذلك أن كل موجود يختلف وجوده عن عين ذاته، لا يمكنه أن يعتمد على نفسه ولا أن يتكئ على موجود مثله، ولا مناص له من أن يستند إلى شيء يكون وجوده عين ذاته. و قانون العلّيّة) الذي يستند عليه من أورد هذا الإشكال يسوقنا إلى إله هو (علة العلل) و(مبدأ الكل). إذن، فالأشياء لها ارتباط غيبي مع العلة الأولى (علة العلل).
ولو تقرب الإنسان إلى الله سبحانه عن طريق الحسن الفعلي أو الفاعلي لشملته محبته وفيضه، وعندئذ سيوصل هذا الإله - الذي بيده الملك والملكوت وهو الذي يدير العلل والأسباب الطبيعية - الخير والبركة إلى الإنسان الصالح ويسلبهما من الفرد الطالح، وذلك من دون المساس بكافة مظاهر العلية.
مثال ذلك أنّ الله وإن كان لا يُنبت الأشجار دون وجود الأمطار، لكن نزول الأمطار له علل وأسباب عديدة بعضها مجهول، وإذا تحقق واحد منها - وهي جميعاً تحت ربوبية الله - نزل المطر. واستقامة المجتمع واستسقائه في الصلاة الخاصة من هذه العلل غير الطبيعية والمجهولة: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا[2]).
إن الإنسان الصالح له ارتباط مع المبدأ الذي يمسك بزمام المياه، والله سبحانه هو الذي يسوق الرياح كي تلقح الأشجار وتدفع بالسحب نحو الأراضي اليابسة العطشانة، ثم يأمر السحب بأن تنزل غيثها على الأرض الفلانية: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا[3])، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ[4]).
وهكذا، وانسجاماً مع نظام العلّة والمعلول فالمدبّر لكل العالم هو الله، ونظام الكون يسير حسب أمره، وإذا كان الناس يسيرون في الطريق الصحيح، فسيرسل الله إليهم الغيث في الوقت المناسب، وإلا فسيحرمون من الفيض والرحمة الإلهية. وعلى هذا فمناط الإشكال والجواب واحد، أي ارتباط أعمال الخير والشر بالحوادث الكونية لا ينفي قانون العلّيّة؛ لأنّ الإله الذي هو (علة العلل) و(مسبب الأسباب) يوفق اللائقين ويسوق الحوادث على وفق مرادهم ويوصلهم إلى ما يبتغون، أما إذا افتقر الإنسان إلى اللياقة فسيفتقر أيضاً إلى هذا التوفيق بينه وبين الحوادث الكونية.
تنبيه: 1. بينا سابقاً أن الحكمة الربانية قد تقضي أحياناً باختبار البعض بالتمكن المادي، أو جعل نتيجة أعماله الخيرية التوصلية (لا التعبدية) تأمين رفاهه المادي في الدنيا. وكلا الأمرين لا يتناقض مع المطالب السابقة.
2. إنّ التجربة تعطي الاطمئنان وهي معتبرة بالنسبة إلى لموارد التي جرى اختبارها؛ لكنها ليست دليلاً على الحصر أبداً. ومعنى ذلك عدم إمكانية الاستناد إلى العلوم التجربية لنفي شيء لم يدخل في دائرة الاختبار، كالدعاء والصدقة وصلة الرحم وصلاة الاستسقاء؛ لأنّ التجربة لها صبغة الإثبات لا النفي.
[1] راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص183.
[2] سورة الجنّ، الآية 16 .
[3] سورة السجدة، الآية 27.
[4] سورة النور، الآية 43 .