(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)
خلاصة التفسير: قضت السنة الالهية منذ القديم في جميع الأمم على أن الفوز بالجنة ونيل المقامات العالية لا يمكن تحقيقها إلا بالثبات في سبيل الدين واجتياز الامتحانات الالهية وعلى هذا فالأمة الاسلامية مثلها مثل باقي الامم السابقة لا تنفك تجابه المصاعب والمكاره وقد تعرض الانبياء السابقون وأممهم طبقا لهذه السنة الى الاختبارات العديدة حتى دافوا الاضطراب الشديد والتزلزل العنيف نتيجة ما جابهوه من الشدائد الخارجية (البأساء) كالحروب والضغوط الداخلية (الضراء) كالإصابة والقتل ومع كل ما تعرضوا له لم يكن لهم أمل إلا ما يأملوه من الله وما وعدهم به من النصر لقد كان هؤلاء يتصفون بالثبات الروحي والاستقرار الداخلي وحتى في أسوأ الظروف لم يجد التخاذل والضعف واليأس طريقه اليهم بل كان محور حديثهم هو ربنا تجاوز عن قصورنا وتقصيرنا واغفر لنا ذنوبنا وثبت أقدامنا وانصرنا.
وعبارة (مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ) تشير الى ما كانوا عليه من حالة الطمأنينة والهدوء الروحي وطلب النصرة الالهية لا الاعتراض الوقح على تأخر النصر الالهي وما أجابهم به الله (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) دليل على التماسهم النصر واستجابة الله لهم.
والمقصود من طلب الرسول والمؤمنين للنصرة ووعد الله لهم بالنصر هو نصرتهم وانتصارهم أنفسهم بالذات وليس مجرد انتصار دينهم وعقيدتهم لأن انتصار العقيدة ونصرة الدين هي وعد الله القطعي والمسلم ووعد الله لا يمكن تخلفه فالله سبحانه هنا يعد الرسول والمؤمنين بانتصارهم قريبا.
ويظهر من صدر هذه الاية الكريمة ونهايتها أن الأمة الاسلامية إذا صبرت عند المصاعب ولجأت الى الله عند الشدائد فسيكون النصر حليفها في الدنيا والجنة من نصيبها في الاخرة.
تفسير المفردات: أم: تحتمل (أم) وجوها متعددة منها:
1.الانقطاع على أنها بمعنى بل والهمزة
2. الاتصال على اضمار جملة قبلها
3. الاستفهام بمعنى الهمزة
4. الاضراب بمعنى بل... وقد اختار أبو حيان الاندلسي مثل بعض آخر من أدباء التفسير الوجه الاول وقال إنه هو الصحيح[1].
حسبتم: مصدر هذه المفردة هو الحسبان ومعنى الحسبان قريب من معنى الظن إلا أن الظن يعني أن يخطر النقيضين في الذهن ثم يغلب أحد هذين النقيضين على الآخر، بينما الحسبان يكون بصدد عروض الشك عليه. كما قيل: إن الحسبان هو أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر في ذهنه[2].
مَثَلُ: (المثل) بمعنى كون الشيء نظيراً وشبيها لشيء آخر. و(المثل) و(المثل) نظير (الشبه) و(الشَبَه)[3].
والمراد به ما يمثل الشيء ويحضّره ويشخّصه عند السامع، ومنه (المثل) بفتحتين؛ وهو الجملة أو القصة التي تفيد استحضار معنى مطلوب في ذهن السامع بنحو الاستعارة التمثيلية، كقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا[4])، ومنه أيضاً المثل بمعنى الصفة كقوله تعالى: (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ...[5]) وحيث إنّه تعالى بين المثل الذي ذكره بقوله (مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ)، فالمراد به المعنى الأول[6].
خَلُوا مِن قَبلِكُم: رغم أن عبارة (خَلَوْا مِن قَبْلِكُم) تعني المضي والتصرم أي (مَضَوا)؛ إلّا أنّ البعض استند إلى فقه اللغة وذكر أن أصل الخلوة هو وصف المكان كما في خلا المكان منهم، وهذا المعنى يقترن بانتهاء التمكن من المكان، وحينئذ تستخدم نفس هذه المفردة للتعبير عن المتمكّن نفسه فيقال: «خَلَوْا[7]»، وهكذا يكون هذا التعبير وارداً بعناية معينة.
البأساءُ وَالضَّرَّاءُ: ذكروا للبأساء والضراء وجوهاً، نشير إلى بعض منها في ما يلي:
1. إن البأساء هي الشدّة والصعوبة التي تأتي إلى الإنسان من خارجه: كالمصاعب في الأمور المالية والوظيفية والعائلية والأمنية، وهي الأمور التي يحتاج إليها الإنسان في حياته. أما الضراء فهي الشدّة والصعوبة التي تستهدف نفس الإنسان وبدنه، كالجروح والقتل والمرض[8].
2. إن البأساء ما يأتي من العدوّ والضراء من الله، وإن كان كل واحد منهما يستعمل في الآخر، وربما استعملتا أحياناً في الأعم[9].
3. وقال الفخر الرازي: عندي أنّ البأساء هي تضييق جهات الخير، والضراء انفتاح جهات الشر[10].
زُلْزِلُوا: (زَلَّت) في الأصل بمعنى اضطراب الرجل من دون تعمد. كما أنّ الزلزلة والزلزال بمعنى الاضطراب أيضاً، وتكرار حروفهما فيه إشارة إلى تكرار معنى الاضطراب، حيث يقال إنّ الأرض يحصل لها بعد وقوع الزلزلة - ارتجاجات متتالية (زلازل ارتدادية)، وعبارة (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ[11]) من هذا القبيل. والزلزال في هذه الآية كناية عن الاضطراب والدهشة الداخلية[12].
تناسب الآيات: بعد أن بين الله سبحانه مسائل الحجّ، قسم الناس إلى قسمين ظالم ومضح فقال: ليس صحيحاً أنّ الله لا يقف بوجه الطغاة وسفاكي الدماء في الدنيا، ويكتفي بتهديدهم بعذاب النار ويترك عصاينهم الدنيوي دون جواب بل إنه لما كان رحيما بعباده فإنه يبعث عددا من المضحين كي يقفوا بوجه تمرد الطغاة والمنافقين.
ثم قال إن القضاء على كل أنوع الظلم والعدوان لا يتم إلا بالاتحاد الشامل للمسلمين وان الذي يقف في وجه هذه الوحدة هو حب الدنيا.
ثم انتقل في الاية السابقة وتأكيدا لضرورة الاتحاد الشامل في المجتمع الذي يعد من أفضل بركات وجود الانبياء الالهين وصراعهم الدائب مع الاختلافات الظالمة الى بيان جذور الاختلاف والهدف السامي للأنبياء وحاجة الانسان الملحة الى الوحي والنبوة وذكر مخاطبيه بالخطر الكبير الذي تمثله الخلافات الدينية والتمذهب الطائفي لعلماء الدين.
وكان الحديث في تلك الاية عن جماعة المعتدين والمفرقين وجماعة المؤمنين والمصدقين بالوحي.
أما الاية التي هي مورد البحث فقد أشارت - ترغيبا للأمة الاسلامية على الثبات في الدفاع عن الدين وتحمل المصاعب - الى الصراع الشديد بين تلكما الجماعتين ومقاومة الجماعة المؤمنة معتبرة أن الفوز بالجنة والكمالات الانسانية يتوقف على تحمل الآلام والمصاعب والنجاح في الامتحانات الالهية.
فهذه الاية تمثل حلقة الوصل بين نهاية مجموعة الايات السابقة والتمهيد لمجيء آيات الانفاق والجهاد التي سوف تأتي بعدها كي يستعد المؤمنون للتضحية وبذل المال والأنفس في سبيل الله.
[1] تفسير البحر المحيط ج 2 ص140
[2] مفردات ألفاظ القرآن، ص 234، ح س ب .
[3] معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 296، م ث ل.
[4] سورة الجمعة، الآية 5.
[5] سورة الفرقان، الآية 9 .
[6] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 159 .
[7] تفسير التحرير والتنوير، ج 2، ص 299
[8] الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 159. وراجع: التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 1، ص 1 93، ب أس، و ج 7، ص27، (ضرر).
[9] بيان السعادة، ج 1، ص 191.
[10] التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 20.
[11] سورة النازعات، الآية 7.
[12] مفردات ألفاظ القرآن، ص 38 1 - 382، ز ل ل الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 159 .