0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث في العلم والمشيئة والإرادة والقدر والقضاء

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 79 ــ 90

2026-07-19

47

+

-

20

الحديث السادس: [في العلم والمشيّة والإرادة والقدر والقضاء]

ما رويته بأسانيدي المتقدّمة عن ثقة الإسلام، عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، قال: سُئل العالم (عليه السلام) (1): كيف علم اللَّه؟ قال: «علم وشاء وأراد، وقدّر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدّر، وقدّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيّة، وبمشيّته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء؛ فالعلم متقدّم على المشيّة، والمشيّة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء، فللّه البداء في ما علم متى شاء، وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم بالمعلوم قبل كونه، والمشيّة في المنشأ قبل عينه، والإرادة في المراد قبل قيامه.

والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً، والقضاء بالإمضاء، وهو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ من ذي لون وريح ووزن وكيل، وما دبّ ودرج من إنس وجنّ، وطير وسباع، وغير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ، فللّه تبارك وتعالى فيه البداء، ممّا لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، واللَّه يفعل ما يشاء.

فبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيّة عرّف صفاتها وحدودها، وأنشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها، وبالتقدير قدّر أقواتها وعرّف أوّلها وآخرها، وبالقضاء أبان للناس أماكنها، ودلّهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها، ذلك تقدير العزيز العليم» (2).

بيان: هذا الحديث من غوامض الأخبار ومتشابهات الآثار، الموكول علم حقيقته إلى معادن الوحي والأسرار، ولكنّا نذكر له بياناً على سبيل الاحتمال، واللَّه العالم بحقيقة الحال، ولعلّ غرض السائل الاستفهام عن كيفيّة علمه تعالى بالأشياء بأنّه هل هو مستند إلى الحضور العينيّ والشهوديّ وقت وجود الأشياء وحصولها - كما في علومنا - أو أنّه مستند إلى الذات سابق على الأشياء، متعلّق بالمكوّنات قبل تكوينها وإيجادها؟ فأجاب (عليه السلام): بأنّ علمه سابق على الأشياء، متقدّم عليها، وبينه وبين وجودها وسائط، فقال (عليه السلام):

(علم)، والعلم ما به ينكشف الشيء، أي علم في الأزل بأنّه سيوجد الأشياء.

(وشاء) ما يكون في وجوده مصلحة، ويكون وجوده خيراً محضاً أو خيراً غالباً.

والمشيّة لنا ملاحظة الشيء بأحوالٍ مرغوب فيها توجب فينا ميلًا، دون المشيّة له سبحانه؛ لتعاليه عن التغيّر والاتّصاف بالصفات الزائدة، ففيه وفيما بعده ونحوهما تؤخذ الغايات، وتترك المبادئ.

(وأراد) إرادة عزم، ولعلّ المراد بالإرادة: العزيمة على ما يشاء، أو الثبوت عليه، وأصل الإرادة: تحريك الأسباب نحو الشيء بحركة نفسانيّة فينا، بخلاف الإرادة فيه سبحانه. وقيل: إنّ المشيّة هي العلم بالشيء مع ما يترجّح به وجوده، فهي نوع من العلم مغايرة للإرادة حينئذٍ.

(وقدّر) أي قدّر الأشياء أوّلها وآخرها، وحدودها وذواتها، وصفاتها وآجالها، وأرزاقها إلى غير ذلك ممّا يعتبر في كمالها وتميّزها وتشخيصها، والقدر: التحديد وتعيين الحدود والأوقات.

(وقضى) أي حكم بوجود تلك الأشياء في الأعيان على وفق الحكمة والتقدير، والقضاء هو: الحكم والإيجاب.

(وأمضى) أي أنفذ حكمه وأتمّه، فجاءت الأشياء كما أرادها وقدّرها، وقضاها مع أسبابها وشرائطها، وتميّزاتها وتشخّصاتها في أماكنها ومساكنها طوعاً وانقياداً.

فهذه الأمور الستّة لا بدّ منها في خلق الموجودات.

ونظير ذلك - جلّ تعالى عن النظير - أنّ الصانع منّا لشيء لا بدّ أن يتصوّر ذلك الشيء أوّلًا، وأن يتعلّق مشيّته وميله إلى صنعه ثانياً، وأن يتأكّد العزم عليه ثالثاً، وأن يقدّر طوله وعرضه وحدوده وصفاته رابعاً، وأن يشتغل بصنعه وإيجاده خامساً، وأن يمضي صنعه سادساً حتّى يجيء على وفق ما قدّره، إلّا أنّ هذه الأمور في صنع الخلق لا تحصل إلّا بحيلة وهمّة، وفكر وشوق ونحوها، بخلاف صنع الخالق، فإنّه لا يحتاج إلى شيء، بل الأشياء محتاجة إليه تعالى.

وقوله (عليه السلام): (فأمضى ما قضى... إلى آخره)، أي فأوجد ما أوجب، وأوجب ما قدّر، وقدّر ما أراد. ولعلّه أشار بهذا التفريع إلى أنّ وجود القضاء وتحقّقه دليل على وجود جميع الأمور المذكورة المعتبرة في لحاظ العقل لتحقّقه؛ لأنّ وجود المسبّب دليل على وجود جميع أسبابه المتعاقبة، أو لأنّه يمكن اعتبار تلك الأمور وملاحظتها تارة على سبيل التعاقب، وتارة على سبيل الاجتماع.

ولعلّه (عليه السلام) لم يقل: وأراد ما شاء، وشاء ما علم؛ لظهور ذلك ممّا ذكر أوّلًا، أو لأنّه لا تفاوت بين المشيّة والإرادة إلّا بحسب الاعتبار، وتعلّق المشيّة بكلّ ما علم غير صحيح؛ لأنّه تعالى عالم بالمفاسد والقبائح وأسبابها.

ثمّ استأنف (عليه السلام) البيان على وجه أوضح وأبين، فقال (عليه السلام): (فبعلمه كانت المشيّة)؛ إذ مشيّة الشيء متوقّفة على العلم به وبجهات حسنه.

(وبمشيّته كانت الإرادة) أي الإرادة المؤكّدة بالعزم على المشيّة؛ إذ العزم على الشيء فرع لحصول ذلك الشيء.

(وبإرادته كان التقدير)؛ إذ التقدير مسبوق بالإرادة، كما أنّ الباني يقدّر في نفسه طول البيت وعرضه بعد العزم على بنائه.

(وبتقديره كان القضاء والإيجاب)؛ لأنّ خلق الشيء والحكم بوجوده يقع بعد تقديره بقدر معيّن، ووزن معلوم، ومقدار مخصوص، فإنّ القضاء بمنزلة البناء، والقدر بمنزلة الأساس، ولا يتحقّق البناء بلا أساس.

(وبقضائه كان الإمضاء)؛ إذ الإمضاء هو إتمام القضاء وإنفاذه والفراغ منه، ولا يتصوَّر ذلك بدون القضاء.

ثمّ أكّد ذلك بقوله (عليه السلام): (والعلم متقدّم على المشيّة)، وهو الأوّل بالنسبة إليها، (والمشيّة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء).

والنسبة بين التقدير والقضاء كالنسبة بين العلم والمعلوم في التقدّم والتأخّر، فكما أنّ العلم واقع على القضاء منطبق عليه إذا وجد المعلوم، كذلك التقدير واقع على القضاء منطبق عليه إذا وُجد القضاء بالإمضاء، ثمّ لمّا كان الانطباق من الطرفين كان القضاء أيضاً منطبقاً على التقدير، واقعاً على وفقه.

(فلله البَداء فيما علم، متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء) يعني أنّ الدخول في العلم أوّل مراتب السلوك إلى الوجود العينيّ، وله البداء فيما علم متى شاء أن يبدو، وفيما أراد، وحرّك الأسباب نحو تحريكه متى شاء قبل الإيجاب، فإذا وقع القضاء متلبّساً بالإمضاء فلا بداء.

والحاصل: أنّ تلك الأسباب إذا لوحظت من أوّلها إلى أعلى المسبّبات وهو القضاء بالإمضاء فلا بداء، وكان له تعالى البَداء في كلّ مرتبة من مراتب تلك الأسباب؛ إذ له أن يشاء وأن لا يشاء بقدرته واختياره على ما يقتضيه الحكمة والمصلحة، وأن يريد وأن لا يريد، وأن يقدّر وأن لا يقدّر، وهذا معنى البداء في حقّه تعالى.

وإذا لوحظتْ تلك المسبّبات من آخرها - وهو القضاء بالإمضاء - فلا بَداء له في شيء من مراتبها؛ لأنّ تحقّق القضاء دليل على وقوع جميع أسبابها ووقوع ما وقع خارج عن متعلّق القدرة والإرادة؛ إذ لا يقدر أحد على إيقاع ما وقع، ولا يمكن له إرادته؛ لأنّ القدرة والإرادة إنّما يتعلّقان بالشيء قبل وقوعه لا بعده.

ثمّ أشار (عليه السلام) إلى أنّ كلًّا من العلم والمشيّة والإرادة والتقدير متعلّقٌ بمتعلّقه قبل وجود ذلك المتعلّق في الأعيان على سبيل التفريع؛ لكونه نتيجة للسابق ومعلوماً منه بقوله (عليه السلام): (فالعلم بالمعلوم قبل كونه) أي قبل كون المعلوم وحصوله في الأذهان والأعيان بمراتب؛ لأنّ العلم أزليّ والمعلوم حادث.

(والمشيّة في المنشأ قبل عينه) أي قبل وجوده في الأعيان بمرتبتي الإرادة والتقدير، أو المراد: قبل تعيّن عينه وحقيقته.

(والإرادة في المراد قبل قيامه) في الزمان والمكان، والحاصل قبل وجوده في الأعيان؛ لأنّ قيامه إنّما هو بالإرادة المتعلّقة بإيجاده في وقت معيّن وحدها أو لمرجّح على اختلاف، وعلى التقديرين قيامه مسبوق بالإرادة.

(والتقدير لهذه المعلومات) المذكورة أعني المنشأ والمراد أو المحسوسة المشاهدة في هذا العالم (قبل تفصيلها وتوصيلها) أي تفصيل بعضها عن بعض، وتوصيل بعضها ببعض واقع؛ لأنّ التفصيل والتوصيل واقعان على وفق التقدير، أو المراد تفصيلها وتوصيلها في لوح المحو والإثبات، أو في الخارج.

(عياناً ووقتاً) منصوبان على الظرفيّة لكلّ من التفصيل والتوصيل؛ أمّا التفصيل العيانيّ - أي الخارجيّ - فهو مثل جعل السماء مرفوعة والأرض موضوعة، وجعل بعض الحيوان متحرّكاً على رجلين وبعض على أربع، ووضع بعض الأجسام في المشرق وبعضها في المغرب، ووضع بعض الأموال في محلّ وبعضها في محلّ آخر إلى غير ذلك.

وأمّا التوصيل العيانيّ فهو مثل جعل هذا الجسم متّصلًا بآخر ممّا شابهه مقارباً له في المكان، وجعل هذه الأشخاص متساوية في الحقيقة ولوازمها، ووضع هذه الأموال في محلّ واحد، وأمثال ذلك ممّا لا يعدّ كثرة.

وأمّا التفصيل الوقتي فهو كجعل بعض الأشياء موجوداً في هذا الزمان، وبعضها في زمان سابق، وبعضها في زمان لاحق.

وأمّا التوصيل الوقتيّ فهو كجعل كثير من الأشياء متشاركة بالوجود في هذا الزمان، وكثير منها متشاركة في الوجود في زمان آخر.

(والقضاء بالإمضاء) أي الحكم على تلك المعلومات بإمضائها ووجودها على وفق التقدير.

(وهو المبرم) أي المحكم المتقن الواقع بلا دافع ولا مانع، ولا خلل من جهة القضاء، ولا من جهة الإمضاء، ولا من جهة المقتضي، ولا من جهة انطباقه على التقدير الواقع على النظام الأكمل.

وقوله: (من المفعولات) بالفاء والعين يحتمل أن تكون «من» صلة للمبرم أو بياناً له، ويحتمل جعلها بياناً للمعلومات، ولكنّه بعيد.

(ذوات الأجسام) بيان للمفعولات أو بدل منه، أي الذوات التي هي الأجسام.

(المدركات بالحواس) فالإضافة بيانيّة، أو الذوات التي للأجسام، فالإضافة لاميَّة، فيندرج حينئذٍ في الذوات: العقول والنفوس الفلكيّة بناءً على ثبوتها، والحيوانيّة.

(من ذي لونٍ وريح ووزن وكيل) بيان للأجسام، أي كون تلك الأجسام على مقدار مخصوص وحدّ معلوم.

(وما دبّ ودرج) عطف على ذوات الأجسام من باب عطف الخاصّ على العامّ، والدبيب والدروج: المشي على الأرض، والمراد هنا مطلق الحركة وإن كانت في الهواء.

(من إنس وجنّ وطير وسباع وغير ذلك ممّا يدرك بالحواس) من أنواع الحيوان وأشخاصه.

(فللّه تعالى فيه) أي في كلّ واحد من المعلوم والمنشأ والمراد والمقدّر المذكور في قوله: (فالعلم بالمعلوم قبل كونه) إلى آخره، (البداء) أي الإرادة والقدرة على اختيار أحد الطرفين لمرجّح أو لا، على اختلاف المذهبين.

(ممّا لا عين له) أي لا وجود له في الأعيان، وهو حال عن الضمير المجرور في قوله فيه:

(فإذا وقع العين المفهوم المدرك) بالحواسّ بعد القضاء بالإمضاء، (فلا بداء)؛ إذ لا تتعلّق الإرادة والقدرة بإيجاد الموجود، (واللَّه يفعل ما يشاء) تأكيداً لثبوت البَداء له تعالى.

(فبالعلم) الذي هو عين ذاته تعالى.

(علم الأشياء قبل كونها) أي قبل وجودها وحصولها، وأصل العلم غير مرتبط بنحو من الحصول للمعلوم ولو في غيره بصورته المتجدّدة، ولا يوجب نفس العلم والانكشاف بما هو علم، وانكشاف الأشياء إنشاؤها.

(وبالمشيّة عرّف) من المعرفة (صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها) وإدخالها في الوجود العينيّ. وفيه إشعار بأنّ المراد بالمشيّة هنا هو العلم بالأشياء من حيث اتّصافها بالصفات المذكورة.

(وبالإرادة) تحريك الأسباب نحو وجودها العيني.

(ميّز أنفسها) أي أنفس الأشياء بعضها عن بعض بتخصيص تحريك الأسباب نحو وجود بعض دون بعض.

(في ألوانها وصفاتها) من الكيفيّات والحدود وغيرها، وخصّ كلّ شيء منها بلون مخصوص وصفة معيّنة.

(وبالتقدير قدّر أقواتها وعرّف أوّلها وآخرها) من الزمان المقدّر وجودها فيه، ويحتمل أن يراد أوّلها من حيث ذواتها، وآخرها من حيث صفاتها.

(وبالقضاء) وإيجابها بموجباتها.

(أبان للناس أماكنها) المحسوسة والمعقولة.

(ودلّهم عليها) بدلائلها، فاهتدوا إلى العلم بوجوبها حسبما يوجبه الموجب بعد العلم بالموجب.

(وبالإمضاء) والإيجاد (شرح) أي أوضح تفصيل (عللها) الفاعليّة والمادّيّة والصوريّة والغائيّة (وأبان أمرها) من حقائقها وصورها، ومصالحها ومنافعها، وحركاتها وسكناتها وغيرها، و(ذلك) المذكور من كيفيّة الإيجاد (تقدير العزيز) الغالب القاهر على جميع الممكنات (العليم) المحيط علمه بجميع الكائنات.

وقيل: إنّه (عليه السلام) أشار بالعليم إلى مرتبة أصل العلم، وبالعزيز إلى مرتبة المشيَّة والإرادة، وبإضافة التقدير إليهما إلى تأخّره عن العزّ بالمشيَّة والإرادة اللتين يغلب بهما على جميع الأشياء، ولا يغلبه فيهما أحد ممّا سواه، وبتوسّط العزيز بين التقدير والعلم إلى تأخُّره عن رتبة العلم، وتقدّم مرتبة العلم عليه كتقدّمه على التقدير، وأكثر هذا الحلّ اعتمدنا فيه على المحقّق المدقّق الفاضل المازندرانيّ (3) مع تغيير وزيادة.

وقال بعض الفضلاء في حلّ هذا الحديث: أشار (عليه السلام) إلى ستّ مراتب بعضها مرتَّب على بعض:

أوّلها: العلم؛ لأنّه المبدأ الأوّل لجميع الأفعال الاختياريّة، فإنّ الفاعل المختار لا يصدر عنه فعل إلّا بعد القصد والإرادة، ولا يصدر عنه القصد والإرادة إلّا بعد تصوُّر ما يدعوه إلى ذلك الميل، وتلك الإرادة والتصديق به تصديقاً جازماً أو ظنّاً راجحاً؛ فالعلم مبدأ مبادئ الأفعال الاختياريّة، والمراد به هنا هو العلم الأزليّ الذاتيّ الإلهيّ أو القضاء المحفوظ عن التغيير، فينبعث عنه ما بعده، وأشار عليه السلام إليه بقوله: «علم» أي: دائماً من غير تبدُّل.

وثانيها: المشيّة، والمراد بها مطلق الإرادة، سواءً بلغت حدّ العزم أم لا، وقد تنفكُّ المشيَّة فينا من الإرادة الحادثة.

وثالثها: الإرادة، وهي العزم على الفعل أو الترك بعد تصوّره وتصوّر الغاية المترتّبة عليه من خير أو نفع أو لذّة، لكنّ اللَّه بريء عن أن يفعل لأجل غرض يعود إلى ذاته.

ورابعها: التقدير، فإنّ الفاعل لفعل جزئيّ من أفراد طبيعة واحدة مشتركة إذا عزم على تكوينه في الخارج، كما إذا عزم الإنسان على بناء بيت فلا بدّ قبل الشروع أن يعيّن مكانه الذي يبني عليه، وزمانه الذي يشرع فيه، ومقداره الذي يكون عليه من كبر أو صغر، أو طول أو عرض، وشكله ووصفه ولونه وغير ذلك من صفاته وأحواله، وهذه كلّها داخلة في التقدير.

وخامسها: القضاء، وهو إيجاب الفعل واقتضاء الفعل من القوّة الفاعلة المباشرة، فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد، وهذه القوّة الموجبة لوقوع الفعل منّا هي القوّة التي تقوم في العضل والعصب، من العضو الذي توقع القوّة الفاعلة فيها قبضاً وتشنيجاً وبسطاً وإرخاءً أوّلًا، فيتبعه حركة العضو، فيتبعه صورة الفعل في الخارج من كتابة أو بناء أو غيرهما.

والفرق بين هذا الإيجاب وبين وجود الفعل في العين كالفرق بين الميل الذي في المتحرّك وبين حركته، وقد ينفكّ الميل عن الحركة كما تحسّ يدك من الحجر المسكّن باليد في الهواء.

ومعنى هذا الإيجاب والميل من القوّة المحرّكة أنّه لولا أنّ هناك اتّفاق مانع أو دافع من خارج لوقعتِ الحركة ضرورة؛ إذ لم يبق من جانب الفاعل شيء منتظر.

فقوله (عليه السلام): «وقضى» إشارة إلى هذا الاقتضاء والإيجاب الذي ذكرنا أنّه لا بدّ من تحقّقه قبل الفعل، قبليّة بالذات لا بالزمان، إلّا أن يدفعه دافع من خارج، وليس المراد منه القضاء الأزليّ؛ لأنّه نفس العلم، ومرتبة العلم قبل المشيّة والإرادة والتقدير.

وسادسها: نفس الإيجاب (4)، وهو أيضاً متقدّم على وجود الشيء المقدَّر في الخارج، ولهذا يعدّه أهل العلم والتحقيق من المراتب السابقة على وجود الممكن في الخارج، فيقال: أوجب فوجب، وأوجد فوجد.

ثمّ أراد (عليه السلام) الإشارة إلى الترتيب الذاتيّ بين هذه الأمور؛ لأنّ العطف بالواو سابقاً لم يفد الترتيب، فقال: «فأمضى ما قضى» ولمّا لم يكن أيضاً صريحاً في الترتيب صرّح بإيراد باء السببيّة، فقال: «فبعلمه كانت المشيّة... إلى آخره»، ثمّ لمّا كانت الباء أيضاً محتملة للتلبُّس والمصاحبة وغيرهما زاد في التصريح، فقال: «والعلم متقدّم المشيّة» (5) أي عليها.

وقوله: «والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء» أراد به أنّ التقدير واقع على القضاء الجزئيّ بإمضائه وإيقاع مقتضاه في الخارج.

ثمّ بيّن (عليه السلام) أنّ البداء لا يقع في العلم الأزليّ، ولا في المشيّة والإرادة الأزليّتين، ولا بعد تحقّق الفعل بالإمضاء، بل للَّه ‌البداء في عالم التقدير الجزئيّ وفي لوح المحو والإثبات.

ثمّ أراد (عليه السلام) أن يبيّن أنّ هذه الموجودات الواقعة في الأكوان الماديّة لها ضرب من الوجود والتحقّق في عالم القضاء الإلهيّ قبل عالم التقدير التفصيليّ، فقال: «فالعلم في المعلوم»؛ لأنّ العلم - وهو صورة الشيء مجرّدة عن المادّة - نسبته إلى المعلوم به نسبة الوجود إلى الماهيّة الموجودة، فكلّ علم في معلومه، بل العلم والمعلوم متَّحدان بالذات، متغايران بالاعتبار، وكذلك حكم قوله: «والمشيّة في المنشأ (6)، والإرادة في المراد قبل قيامه» أي قبل قيام المراد قياماً ساذجيّاً (7).

وقوله: «والتقدير لهذه المعلومات» يعني أنّ هذه الأنواع الطبيعيّة والطبائع الجسمانيّة التي بيّنّا أنّها موجودة في عالم علمه الأزليّ ومشيّته وإرادته السابقتين على تقديرها وإثباتها في الألواح القدريّة والكتب السماويّة، فإنّ وجودها القدريّ أيضاً قبل وجودها الكونيّ في موادّها السفليَّة عند تمام استعداداتها، وحصول شرائطها ومعدّاتها، وإنّما يمكن ذلك بتعاقب الذوات وتكثّر الأشخاص في ما لا يمكن استبقاؤه إلّا بالنوع دون العدد، وذلك لا يتصوّر إلّا في ما يقبل التفصيل والتركيب والتفريق والمزج، فأشار عليه السلام بتفصيلها إلى كثرة أفرادها الشخصيّة وبتوصيلها إلى تركّبها من العناصر المختلفة. وأراد بقوله: «عياناً ووقتاً» وجودها الخارجيّ الكونيّ الذي يدركه الحسّ الظاهريّ فيه عياناً.

وقوله (عليه السلام): «والقضاء بالإمضاء» يعني أنّ الذي وقع فيه إيجاب ما سبق في عالم التقدير جزئيّاً، أو في عالم العلم الأزليّ كلّيّاً بإمضائه هو الشيء المبرم الشديد من جملة المفعولات كالجواهر العلويّة والأشخاص الكونيّة وغير ذلك من الأمور الكونيّة التي يعتنى بوجودها من قبل المبادئ العلويّة.

ثمّ شرح (عليه السلام) المفعولات التي تقع في عالم الكون التي منها المبرم وغير المبرم القابل للبداء قبل التحقّق، وللنسخ بعده، وبيّن أحوالها وأوصافها، فقال: «ذوات الأجسام» يعني أنّ صورها الكونيّة ذوات أجسام ومقادير طوليّة عرضيّة عمقيّة، لا كما كانت في العالم العقليّ صوراً مفارقة عن الموادّ والأبعاد.

ثمّ لم يكتف بكونها ذوات أجسام؛ لأنّ الصورة التي في عالم التقدير العلميّ أيضاً ذوات أبعاد مجرّدة عن الموادّ، بل قيّدها بالمدركات بالحواسّ من ذي لون وريح، وهما من الكيفيّات المحسوسة، وبقوله: «ما دبّ ودرج» أي قبل الحركة، وهي نفس الانفعالات المادّيّة، لتخرج بهذه القيود الصور المفارقة، سواءً كانت عقليّة كلّيّة أو إدراكيّة جزئيّة.

ثمّ أورد لتوضيح ما أفاده من صفة الصور الكونيّة التي في هذا العالم الأسفل أمثلة جزئيّة بقوله: «من إنس وجنٍّ وطيرٍ وسباع» وغير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ.

ثمّ كرّ (عليه السلام) راجعاً إلى ما ذكره سابقاً من أنّ البداء لا يكون إلّا قبل الوقوع في الكون الخارجيّ، بل إنّما يقع في عالم التقدير تأكيداً بقوله عليه السلام: «فللّه تبارك وتعالى فيه البَداء» أي فيما من شأنه أن يدرك بالحواسّ، ولكن عندما لم يوجد عينه الكونيّ، فأمّا إذا وقع فلا بداء.

وقوله: «واللَّه يفعل ما يشاء» أي يفعل في عالم التكوين ما يشاء في عالم التصوير والتقدير.

ثمّ استأنف كلاماً في توضيح المراتب بقوله: «فبالعلم علم الأشياء» أي علماً عامّاً أزليّاً ذاتيّاً إلهيّاً أو عقليّاً أو قضائيّاً (8) قبل كونها في عالمي التقدير والتكوين، «وبالمشيّة عرّف صفاتها» الكلّيّة «وحدودها» الذاتيّة وصورها العقليّة، فإنّ المشيّة متضمّنة للعلم بالمشيء قبل وجوده في الخارج، فإنّ المشيّة إنشاء للمشيء إنشاءً علميّاً، كما أنّ الفعل إنشاء له إنشاءً كونيّاً  جسمانيّاً] (9) ولذا (10) قال: «أنشأها قبل إظهارها» أي في الخارج على المدارك الحسّيّة «وبالإرادة ميّز أنفسها»؛ لأنّ الإرادة - كما مرّ -: هي العزم التامّ على الفعل بواسطة صفة مرجّحة ترجّح أصل وجوده أو نحواً من أنحاء وجوده، فبها يتميّز الشيء في نفسه فضل تميّز لم يكن قبل الإرادة.

«وبالتقدير قدّر أقواتها»؛ لأنّه قد مرّ أنّ التقدير عبارة عن تصوير الأشياء المعلومة أوّلًا على الوجه العقليّ الكلّي، جزئيّة مقدّرة بأقدار معيّنة، متشكّلة بأشكال وهيئات شخصيّة، مقارنة لأوقات مخصوصة على الوجه الذي يظهر في الخارج قبل إظهارها وإيجادها.

قوله: «وبالقضاء» وهو إيجابه تعالى لوجودها الكونيّ «أبان للناس أماكنها ودلّهم عليها»؛ لأنّ الأمكنة والجهات والأوضاع ممّا لا يمكن ظهورها على الحواسّ البشريّة إلّا عند حصولها الخارجيّ في موادّها الكونيّة الوضعيّة، وذلك لا يكون إلّا بالإيجاب والإيجاد الذين عبّر عنهما بالقضاء والإمضاء، كما قال: «وبالإمضاء» وهو إيجادها في الخارج.

«شرح» أي فصّل عالمها الكونيّ (11)، و«أبان أمرها» أي أظهر وجودها على الحواسّ الظاهرة، «وذلك» الشرح والتفصيل والإبانة والإظهار صورة «تقدير» اللَّه «العزيز» الذي علم الأشياء قبل تقديرها في لوح القدر، وقبل تكوينها في مادّة الكون (12). انتهى.

ويحتمل أن تكون المراتب المذكورة إشارة إلى مراتب تقدير الأشياء في الألواح السماويّة، أو اختلاف مراتب ترتّب أسبابها إلى وقت حصولها، ويكون قوله: «قبل تفصيلها وتوصيلها» أي في لوح المحو والإثبات أو في الخارج.

وقوله (عليه السلام): «فإذا وقع العين المفهوم المدرك» أي فُصّل وميّز في اللوح أو أوجد في الخارج.

ولعلّ تلك الأمور عبارة عن اختلاف مراتب تقديرها في لوح المحو والإثبات، وقد جعلها اللَّه من أسباب وجود الشيء وشرائطه؛ لمصالح - كما مرّ بيانها - فالمشيّة: كتابة وجود زيد وبعض صفاته - مثلًا - مجملًا، والإرادة: كتابة العزم عليه مبيّناً مع كتابة بعض صفاته أيضاً، والتقدير: تفصيل بعض صفاته وأحواله، لكن مع نوع من الإجمال أيضاً، والقضاء: تفصيل جميع الأحوال، وهو مقارن للإمضاء، أي الفعل والإيجاد، والعلم بجميع تلك الأمور أزليّ قديم.

فقوله (عليه السلام): «وبالمشيّة عرّف» على صيغة التفعيل، وشرح العلل كناية عن الإيجاد، ونستغفر اللَّه من المقال، ونكل العلم إلى اللَّه المتعال، ونبيّه وآله خير آل.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المراد بالعالم موسى بن جعفر (عليهما السلام).

(2) الكافي، ج 1، ص 148 - 149، باب البداء، ح 16؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 102، ح 27.

(3) شرح المازندراني، ج 4، ص 252 - 257.

(4) في المصدر: «الإيجاد».

(5) في الحديث: «متقدّم على المشيّة» وحينئذ فلا حاجة إلى تفسيرها بقوله: «أي عليها».

(6) في مرآة العقول: «المشاء».

(7) في المصدر ومرآة العقول: «خارجيّاً».

(8) في المصدر ومرآة العقول: «أو عقليّاً وقضائيّاً».

(9) أثبتناها من المصدر.

(10) في نسخ الكتاب ومطبوعه: «وكذا قال»، وما أثبت من المصدر.

(11) في «ر»: «عللها»، وعليه فالأنسب: «عللها الكونيّة».

(12) ما ذكره هنا عن بعض الفضلاء في شرح الحديث هو لصدر الدين الشيرازي، راجع: شرح أصول الكافي، ج 4، ص 219 - 227. وقد لخّصه المجلسي في مرآة العقول، ج 2، ص 143 - 149. والمصنّف نقل نفس ما في مرآة العقول.

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد