التدريب على محو الأمية الإعلامية:
اصبحت وسائل الإعلام الجماهيري تعلّم، ومع هذا فما زال المعلمون في الفصول وغيرهم من المشاركين في العمل بالمدارس يطلقون على أنفسهم "نظام التعليم" وهي تسمية خاطئة بلا شك.
الطلاب فقط يتعلمون في المدارس، ولكن الناس جميعاً بمن فيهم الطلاب يتعلمون خارج المدارس عن طريق مناهج مجتمعية مناهج شاملة مستمرة وغير رسمية منبثقة عن الأسرة والأصدقاء والجيران ودور العبادة والتنظيمات والمؤسسات ووسائل الإعلام وغيرها من قوى التوافق الاجتماعي التي نتعلم منها جميعاً طوال سني حياتنا، وقد أصبح الدور الفعال الذي تلعبه هذه القوى التعليمية غير الرسمية خطيراً بصفة خاصة في أمور التعلم والحياة في البيئات الحضرية التي تتنامى تعقيداتها يوماً بعد يوم.
أولاً: التعليم والتعلم من خلال وسائل الإعلام:
إن المدى الزمني للتعليم والتعلم خارج المدرسة يتجاوز بكثير فترة المدرسة. فصغار السن يبدأون التعلم من خلال المنهاج المجتمعي قبل دخول المدارس ويستمرون في التعلم من المجتمع طوال مدة ذهابهم إلى المدرسة.
إن اليوم الدراسي ينتهي للغالبية الكبرى منا مع انتهاء الدرس، لكن التعلم المجتمعي يستمر ما دمنا لم نزل على قيد الحياة.
والعنصر المركزي في عملية التعليم والتعلم المجتمعية على مدى حياتنا هو المنهاج الإعلامي أو التفجير المستديم للمعلومات والأفكار النابعة من وسائل الإعلام الجماهيري وكي نهيئ الشباب لمعالجة وتقييم المعلومات والأفكار، وكي تبنى المعرفة الموجهة لتقييم تلك المعلومات والأفكار بصورة انتقادية وكي توجد الحكمة القائمة على استخدام هذه المعرفة، يجب على المدارس أن تساعد الطلاب على أن يتعلموا تحليل مضمون وفحوى الرسائل الإعلامية.
وبالنسبة للطلاب في البيئة الحضرية، ينبغي أن تتضمن هذه العملية التعليمية مساعدتهم على إدراك الطريقة التي يتعامل بها الإعلام مع القضايا المحلية والموضوعات الحضرية.
لسوء الحظ، فإن كثيراً من معلمي المدارس تمثل رد فعلهم على المنهج الإعلامي في تجاهله باستثناء شكواهم من المضمون الإعلامي أو مقدار الوقت الذي يقضيه الطلاب مع وسائل الإعلام وخصوصاً التلفزيون.
مثلما جاء في التحذير الذي وجهته ويلي لونجستريت (1989م) من جامعة نيو أورليانز في مقالها بعنوان "التعليم للمواطنة: أبعاد جديدة" حيث كتبت تقول: قضينا سنوات تعلم القراءة والقراءة التصحيحية، بينما لم نكد نلتفت برهة لوسائل الإعلام الأحدث والأثرى شبابنا واقعون تماماً تحت رحمة التلفزيون، تحاصرهم كميات هائلة من المعلومات تقدمها كل شاشة، وتزيد كثيراً عما يمكن أن يتوافر على صفحات الكتب، ولكننا لا نقدم لهم أية مساعدة لفرز وتحليل هذا السيل من المعطيات أو للدفاع عن أنفسهم تجاه ما يبثه من مثيرات، وهذا السيل الإعلامي يأتي من مصادر أخرى إلى جانب التلفزيون، وينبع من جميع وسائل الإعلام التلفزيون والصور المتحركة والإذاعة والتسجيلات الموسيقية والصحف والمجلات.
إضافة لذلك فإنّ هذا السيل يحتوي على أكثر المعطيات، حيث إن وسائل الإعلام تبث رسائل وصوراً خيالية من خلال برامج وأفلام ومطبوعات يفترض أنها أنتجت فقط لتقديم التسلية (كسب المال)، وكذا من خلال وسائط مماثلة يقصد منها تقديم المعلومات والتحليل بعض العاملين في ما يُسمى «الإعلام الترفيهي» يزعمون أنهم يقدمون ما يدعو للانحراف ظاهرياً، ولكنهم في الواقع يعلمون في نفس الوقت سواء عن قصد أو مصادفة.
إذا عكسنا المعادلة سنقول بأنه مهما كانت الأهداف المعلنة أو غير المعلنة لوسائل الإعلام، فإنّ الناس يتعلمون من مصادر الإعلام الخيالية أو الواقعية رغم أنهم قد لا يدركون أن عملية التعلم هذه تحدث في الحقيقة.
ماذا يستطيع المعلمون إزاء ذلك؟ يمكنهم مساعدة الطلاب في إيجاد وتطوير التعلم من خلال وسائل الإعلام، والقدرة على فحص وفهم وتقييم الرسالة الإعلامية.
وحتى تمكن من مساعدة الطلاب ليصبحوا مستهلكين إعلاميين أفضل تلقياً للمعلومات وأكثر مقدرة على التحليل، فإننا نحتاج الى التوجه لوسائل الإعلام الجماهيري ضمن نظام المدرسة باعتبارها عنصراً رئيسياً في عملية التعليم والتعلم.
ثانياً: إيجاد وتطوير التعليم من خلال الإعلام:
بالنسبة لكثير من المعلمين قد يكون تطوير مثل هذه المهارات التربوية القائمة على الإعلام بمثابة تحد شخصي نظراً لأن الغالبية منهم لم يحصلوا من قبل على تدريب أو إستراتيجية الفصول الدراسية في مجال التعليم من خلال الإعلام.
يستطيع المعلمون والطلاب أن يبدأوا عن طريق زيادة وعيهم الإعلامي من خلال عدة أساليب مثل إمساك سجل يومي للمنهاج الإعلامي، حيث يمكن للمعلمين في المدارس الحضرية توثيق ما يلاحظونه من أنّ وسائل الإعلام بما فيها وسائل الإعلام المحلي تقوم بالتعليم عن قصد أو بغير قصد سواء باستخدام طرق خيالية أو واقعية وتعطي أهمية خاصة للموضوعات ذات الصلة المباشرة بالبيئة الحضرية مثل العرقية والجنس والدين والعلاقة بين الجماعات المختلفة والتغيرات الديموغرافية والعمليات الحكومية والبيئة.
إن ذلك سيساعد المعلمين والطلاب على زيادة وعيهم فيما يتصل بمدى ومضمون وانتشار المنهاج الإعلامي بما في ذلك التعليم الذي يقدمه عن المدن التي ينتمون إليها إضافةً إلى تنمية النزعة إلى التفكير التحليلي عن وسائل الإعلام. وبهذه التوعية العامة، يأتي تطوير وتنفيذ إستراتيجيات تربوية على أساس الإعلام.
ويمكن تحديد الطرق المختلفة التي يتم بها التعليم الإعلامي، وعلى أساس أكثر من عشرين عاماً قضاها كارلوس كورتيز في البحث والتعليم الإعلامي، وكذا جهوده لدمج وتوسيع وتقوية التحليل الإعلامي كعنصر للتعليم في المدارس الثانوية والمعاهد العليا، فقد استنتج أن الإعلام سواء الخيالي أو غير الخيالي يعلم بخمس طرق أساسية على الأقل هي:
- تقديم المعلومات.
- يساعد على تنظيم المعلومات والأفكار.
- يساعد على خلق وتقوية وتعديل القيم والمواقف.
- يساعد على تشكيل التوقعات.
- تقديم نماذج للعمل.
وعن طريق إشراك المعلمين والطلاب باستمرار في تحليل الرسالة الإعلامية تستطيع المدارس أن تقوم بدور رئيس في إعداد الشباب لمستقبل يصبح فيه الاستخدام التحليلي للمعلومات أمراً حيوياً.
وعن طريق إشراك المعلمين والطلاب في تحليل أنظمة الرسالة الإعلامية حول وطنهم بصورة عامة وحول مدينتهم بصورة خاصة، يمكن للمدارس أن تعد الطلاب الحياة فاعلة وحَاسَة في مجتمعاتهم، ويشمل ذلك مساعدتهم عبر تنمية الفكر النقدي بما فيه التعليم عن طريق وسائل الإعلام من أجل زيادة مقدرتهم على التعامل بكل كفاءة وفعالية كمستهلكين واعين لهذا المعلّم الذي يلازمهم طوال حياتهم، الا وهو وسائل الإعلام.
إنّ التحليل الإعلامي في المدارس يمكن أن يساعد المعلمين والطلاب على السواء على اتخاذ خطوة مهمة باتجاه إيجاد وتطوير مثل هذا التعليم من خلال وسائل الإعلام وفي هذا العالم الذي يجدون أنفسهم فيه مُحاطين بوسائل الإعلام يتلقون من كل جانب المعلومات والأفكار والرسائل في شكل إعلامي وترفيهي، فإنّ مقدرتهم على التعامل مع وسائل الإعلام بكفاءة ووعي وفاعلية تعتبر ضرورية لتنمية إمكانيات أكبر للسيطرة على مصائرهم.
وإحدى الوسائل المؤدية إلى الحكمة اللازمة في عصر المعلومات هي ضرورة أن يتدرّب المعلمون ويتعلّم الطلاب كيف يستغلون، وليس أن تستغلهم وسائل الإعلام.
ونظراً لأهمية التربية الإعلامية، فإنّه يلزم بذل الجهد من قبل المفكرين والباحثين الإعلاميين والتربويين لوضع تصور علمي للمعلومات والمعارف التي ينبغي أن يلم بها الإنسان المسلم وهو يعيش الآن في القرن الحادي والعشرين، وكذلك القيم والاتجاهات التي ينبغي أن يتحلى بها والاتجاهات التي ينبغي أن تتوافر لديه والمهارات التي ينبغي أن يكتسبها.
ومن المهام التي ينبغي إنجازها بإلحاح تصميم برامج تدريبية للمعلمين في مجال التربية الخاصة بوسائل الإعلام، فالمطلوب، هو أن يعرف المعلم كيف يكسب التلاميذ القدرة على استثمار المعلومات التي تصلهم عبر وسائل الإعلام بالإضافة إلى الاهتمام بالبرامج التدريبية الموجهة للمعلمين بحيث يكونون أكثر قدرة على تعليم الصبية والشباب فن السيطرة على أنفسهم.
ويقتضي الأمر اليوم تصميم برامج تربوية لجميع المراحل التعليمية ترتكز على تدريب الطالب على كيفية التعرف على وسائل الإعلام ومده بمعارف تتعلق باليات البث وبرمجة صور العالم التي تصله عبر الشاشة الصغيرة، وتعليمه كيف ينتقي وكيف ينقد، بالإضافة إلى جعله أكثر انفتاحاً وفضولاً على المعلومات الحديثة مما يؤدي إلى فهم أوسع للمحيط الذي ينتمي إليه، كما أنه يتعين على وسائل الإعلام أن تشارك هي نفسها في تربية المشاهد والمستمع والقارئ عن طريق برامج خاصة.
إن محو الأمية الإعلامية والتربية الإعلامية قد تكون وسيلة ناجعة وحلاً مناسباً لمواجهة الفيض المتدفق من الغزو الإعلامي والثقافي الأجنبي المتواصل لعقول أبنائنا وطلابنا، والتربية الإعلامية ينبغي أن توجه في الأساس إلى الذين مازالوا على مقاعد الدرس بداية من مرحلة ما قبل الدراسة وحتى الدراسة الجامعية، وينبغي أن تتناسب مع المرحلة التي يمر بها الطالب.
كذلك ينبغي إكساب المعلمين وأولياء أمور التلاميذ بعض المعلومات عن البرامج الإعلامية والقنوات الفضائية والإنترنت وغيرها من وسائل الإعلام، وذلك حتى يتمكنوا من توجيه أبنائهم ومتابعتهم، ويُمكن أن يتبنى هذا الأمر في مرحلته الأولى مجالس الآباء التي لا تخلو منها أية مدرسة.
كل ذلك سوف يؤدي بلا شك إلى تقليل الآثار السلبية لوسائل الإعلام ويمثل صورة من صور الدفاع عن ديننا وقيمنا ومبادئنا ضد هجوم لن نستطيع أن نقهره بسهولة.
يرى خبراء الاتصال أن التعرض لوسائل الإعلام (التلفزيون، الأفلام، الفيديو، العاب الكمبيوتر والجرائد والمجلات والكتب والدعايات والإنترنت) يحمل معه السلبيات والإيجابيات على الأطفال والمراهقين حتى البالغين.
لكن التربية الإعلامية يمكن أن تقلل من التأثيرات الضارة للإعلام. ومن الإيجابيات المحتملة للإعلام اختيار البرامج التلفزيونية ذات المغزى التعليمي ومقالات المجلات المحفزة للتفكير.
أما السلبيات فتكمن في تبني العنف ومحاكاة المشاهد الجنسية واستسهال تدخين السجائر وتعاطي المسكرات والمخدرات وضعف التحصيل الدراسي وتعلم أساليب ارتكاب الجريمة والانحراف وقلة الحركة والنشاط والترويج للمواد الغذائية الضارة بالصحة.
من هنا تأتي أهمية التربية الإعلامية للمعلم للحد من التأثيرات الضارة لوسائل الإعلام على الأطفال والمراهقين والبالغين من خلال تعليمهم الأساليب المثلى في التعامل مع تلك الوسائل.