خدمات الأبرار المالية
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص116-119
2026-06-07
45
فيما يتعلق بالمسائل المالية، ومن باب تقديم الأهم على المهم، يُفضّل (ذَوِي الْقُرْبَىٰ) على سائر المحتاجين كما قال سبحانه (وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَ...) إلا أن الفقر لا يُعدّ شرطاً للاهتمام بذوي القربي أو الإحسان إليهم. ولا ريب في أنّ الاهتمام بذوي القربى ورعايتهم يُعتبر صدقة وصلة للرحم في نفس الوقت: الصَّدَقَةُ عَلَى مِسْكِينٍ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي رَحِمٍ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ[1] ، ولا يخفى ما لهذا الاهتمام والرعاية من آثار مهمة ونتائج عظيمة بحيث لو أعطى شخص ما صدقة لأحد وكان من ذوي قُرباه من هو بحاجة إلى تلك الصدقة فلن تُقبَل صدقته: لَا صَدَقَةَ وَذُو رَحِم محتاج[2]، وهذا البيان حول الصدقة يُشبه الحديث الشريف القائل: «لا صَلَاةَ لَجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ[3]».
حول الصلاة، والمراد هنا نفي الكمال عن الصلاة التي يؤديها جيران المسجد في غير مسجدهم وليس نفي صحتها ككل. ويرى البعض أن أقرب الناس إلى المؤمن هو المؤمن نفسه[4]، وأن نجاته وخلاصه هما أفضل طريق لإنفاق المال في سبيل الله تعالى. وتأتي مرتبة «اليتيم بعد ذي القربى المحتاج: (وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ)، لفقدانه المال والمعيل معاً، ثم يأتي بعده المسكين» الذي لم يُؤخذ بعين الاعتبار فقدانه للمُعيل رغم فقدانه للمال. وقال بعضهم: المسكين هو الذي لا شيء له، وهو أبلغ من الفقير، وقوله تعالى (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ[5])، فإنه جعلهم مساكين بعد ذهاب السفينة أو لأن سفينتهم غير مُعتد بها في جنب ما كان لهم من المسكنة[6]، واستناداً إلى ذلك فالمسكين هو أسوأ حالاً من الفقير؛ لأنه لا يجرى عليه السكون والحركة[7]، ومنهم من اعتبر الفقير أجهد من المسكين؛ لأنّ الفقير مأخوذ من كسر الفقار من شدة الحاجة فعجز عن القيام[8].[9]
أما (وَابْنَ السَّبِيلِ) المذكور بعد (المسكين)، فهو الذي يملك مالاً في وطنه، لكن الأقدار تسببت في انقطاع السُّبُل أمامه أو أدت إلى ذهاب أمواله[10].
و(السَّائِلِينَ) هم الذين لهم حق في أموال المصلين الحقيقين: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[11]) وقد ورد ذكرهم في آخر قائمة المستحقين لقلة احتياجهم واستحقاقهم بل ربما وجد فيهم من هو غير مستحق بالفعل وهنا لا بد من البحث والتقصي عن المحتاجين والمستحقين الواقعيين الذين لا يسألون الناس ولا يببنون فقرهم وحاجتهم لعفتهم ولا يلبسون ثيابا رثة مما يوحي الى الاخر الى الاعتقاد بأن هؤلاء أثرياء أو غير محتاجين: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [12]).
وتجدر الاشارة الى أن بعض الفقهاء الكبار يرى أن سؤال من هو قادر على الاكتساب حرام وهو ماقاله كذلك صاحب الجواهر قدس سره... من المكروهات الاكتساب بالسؤال وخصوصا بالكف ويحرم لبعض الاشخاص ومن بعض الاشخاص[13]. هذا ويعتبر تحرير العبيد بالمال من نماذج (البر): ) وَفِي الرِّقَابِ) كما أن فك الرقاب يعد قناة من القنوات الثمانية للزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[14]) وتهدف الاحكام الدينية والفقهية في الاسلام الى تحرير العبيد وتجنب الاستبعاد واتخاذ بالعبيد بالاضافة الى احتواء الكتب الفقهية على العديد من المسائل المتعلقة بالعبيد تحت عنوان كتاب العتق.
ونظرا لأهمية موضوع تحرير العبيد وازالة كل أشكال الاستبعاد والسرق في المجتمع الاسلامي قال سبحانه وتعالى: (وَآتَى الْمَالَ... وَفِي الرِّقَابِ) والمقصود بعبارة (وَفِي الرِّقَابِ) هو فكها وتحريرها ومن ناحية أخرى فإن العبيد هم تحت تكفل رئيسهم ومالكهم فهم ليسوا كاليتامى والمساكين بحيث إذا لم يعطوا المال هلكوا. أما السر في اضافة حرف الجر {في} الى كلمة {الرقاب} في هذه الاية وآية الزكاة[15] فهو لبيان ضرورة انفاق المال لتحرير العبيد وفك رقابهم وليس دفع ذلك المال اليهم[16]، إذ ربما انفاق المال لتحرير العبيد وفك رقابهم وليس دفع ذلك المال اليهم إذ ربما صرفوه أو أنفقوه في غير عتقهم أو فك رقابهم.
إلماعة: قد تكون الحكمة في تقديم سبل الانفاق المذكورة على تحرير العبيد هي أن الهدف من الانفاق على السائل واليتيم ابن السبيل هو الحفاظ على أصل حياة هؤلاء والحؤول دون هلاكهم في حين أن الانفاق في سبيل تحرير العبد يهدف الى تحصيل كمال حياته.
[1] الدر المنثور: 1 / 415
[3] المصدر السابق: 379/80
[4] رحمة من الرحمن: 1 / 251 .
[6] مفردات الراغب الإصفهاني: 417 - 418 ، مادة «سكن».
[7] راجع: تفسير الميزان: 1 / 428: التحقيق 5 / 189 - 190 ، مادة «سكن».
[8] راجع: المصباح: 283؛ مجمع البحرين: 2 / 418 ، مادة (فقر).
[9] الفواقر الدواهي، واحدتها فاقرة، كأنها تحطم فقار الظهر، كما يُقال قاصمة الظهر. (مجمع البحرين: 2، مادة «فقر».
[10] وأبناء السبيل، هم أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة الله فينقطع عليهم ويذهب مالهم. (مجمع البحرين: 2، مادة «سبل».
[13] جواهر الكلام: 22/ 466-468
[16] راجع: روض الجنان: 2/ 316 تفسير الكشاف: 1/219
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة