يعود الضمير في كلمة (حبه) كما قلنا سابقا واستنادا الى الخطوط العامة والمتعددة للسير والسلوك كذلك يعود الى عدة جهات ويقع كل واحد من هذه الجهات وهي المال وإيتاء المال و المعطي والقابض والله سبحانه على طول الاخر ولا عرضه. ومعنى هذا هو أن انزال القرآن الكريم يشبه تعليق أو إنزال حبل متين وليس كقطرة من قطرات المطر وأن المرحلة الاخيرة من حب الله الطويل والمحكم هذا هو عربي مبين[1] بينما تبدأ أولى مراحله بالعلي الحكيم[2] فكل مؤمن مسؤول عن تقييم نفسه وفقا للكتاب الالهي والمؤمنون على درجات: (لَّهُمْ دَرَجَاتٌ[3]) بل هم أنفسهم درجات (هُمْ دَرَجَاتٌ[4]) وبإمكان كل واحدة من الدرجات الثلاث أو الاربع سنذكرها عند بيان عود الضمير في كلمة {حبه} تطبيق وتقييم ذاتها وفقا للقرآن الركيم لتتصرف – استنادا الى ذلك وتحصل على النتيجة فإذا تم وضع جامع انتزاعي (أو قاسم مشترك) لتلك الدرجات الثلاث أو الاربع أمكن نسبة الضمير اليها ولن يكون تعدد المصداق أو الفرد سببا لتعدد المفهوم والمستعمل فيه لكن إذا لم يكن بالإمكان تصور أي جامع انتزاعي فلا مناص من استخدام اللفظ على عدة معان أو إرجاع الضمير الى أكثر من مرجع واحد.
وأما الذين لم يوافقوا على أي وجه من تلك الوجوه أو لا يوافقون على ذلك أصلا ويفضلون التفكير بشكل حصري حول اختيار مرجع الضمير فقد عرضوا الكثير من الاراء على سبيل المثال رأى الشيخ الطوسي قدس سره: إن من الافضل ارجاع الضمير في كلمة (حبه) الى الله عز وجل[5] في حين نقل أمين الاسلام الطبرسي عن الشريف المرتضى قدس سره قوله: لم نسبق الى هذا الوجه في هذه الاية[6] فيما رجح البعض الاخر عود الضمير الى المال لقربه من الضمير[7].
ولعل ما ورد في أسلوب التصوّر بشأن القرآن من أن القُرب المعنوي لا اللفظي هو المعيار الرئيسي إنّما هو لتجنّب مثل تلك التعابير، لكن مَن وُهِب بعد النظر وفضل إرجاع الضمير إلى الله عزّ وجل بدلاً من «المال» فإنّه يطبق ذلك كذلك في فقه اللغة الخاص بكلمة «المال» باعتبار أن هذه الكلمة تنتمي إلى «الميل». فهل تم التعبير عن المال؛ لأنّ أطباع البشر تميل إليه أو لكون طبع البشر. ذاك يقوده إما إلى الصواب أو إلى الخطأ[8]، أو المراد بذلك الشخص المؤمن المسيطر على المال والذي يقود ماله إلى وجهة الحق؟ لكن الواقع يقول بأن مالك المال لا المملوك له، أولاً لن يميل قلبه لغير الله سبحانه؛ ثانياً مثل هذا الشخص لن يُسلّم عنان قلبه إلى ماله.
هذا الشخص يعرف حق المعرفـة مـقـدار مــا يُكلّفه هذا الفعل وذلك لإمساكه بزمام الأمور جيداً، وأما رابعاً: فلما كان هذا الشخص يتحرّك نحو الله سبحانه، فهو قادر على سوق المال إلى الله كذلك من خلال قيادته الحكيمة والعادلة.
وعندما يقوم مثل هذا الفرد المؤمن بتقييم نفسه وذاته بمعيار القرآن الكريم وميزانه ، فإنّه لن يجرؤ على نسبة الضمير في كلمة {وحبه} لغير الله سبحانه رغم اختلاف الأفكار وتباين الآراء لدى من رجّح نسبة الضمير إلى المال.
ووفقاً لإرجاع الضمير إلى المراجع المذكور، وهي إما «المال» و«إيتاء المـال و«المعطي والقابض» و«الله سبحانه»، واستناداً إلى هذا الترتيب، تتجلى لدينا المراحل المتعددة للسير والسلوك وبالشكل التالي: يقوم الإنسان في بداية سيره وسلوكه عندما كان يُحب المال ويعشقه، يقوم بإنفاق ذلك المال المحبوب ليصل إلى مقام الأبرار من خلال نجاته من خطر حُبّ المال.
وأثناء هذه المرحلة كذلك، يزداد حُبّ المؤمن لذوي قرباه الذين يُمثلون القابضين للمال، وهذه المحبة تدفعه إلى بذل المال لأرحامه وأقاربه. وهنا يمكن نسبة الضمير في كلمة {حبه} إلى الشخص المعطي للمال أو الواهب له وبذلك يكون المحبوب محذوفاً، فيصبح المال كالتالي: «... على حُبّ المعطي أقرباءه». وبعد بلوغه منزلة الأبرار، يصبح السالك الذي نجا من شر حب المال ولم تعد له أية محبة أو رغبة فيه، يصبح مولعاً يبذل المال وإعطائه في سبيل الله، فيغدو إنفاق المال محبوبه ومعشوقه. وإبان هذه المرحلة التي تمثل المقام الأوسط للأبرار وبسبب ما تعلمه من الدين الذي صرح بأنّ اليد العليا خير من اليد السفلى»، نرى ذلك السالك يتلذذ بكل ما يمكن تسميته جُود أو سَخاء، ويهيم في حُبّ عمله، وهو الإنفاق الذي يُعادل العبادة، تماماً كالجود والسخاء. وأثناء وجود الإنسان في مقام الأبرار، فإنّه ينظر إلى ماله فينفق أحسنه أو يُشغل نفسه بأنفاق أحب ماله؛ لأنه لم يصل بعد إلى الخلوص المحض فلا يرى فيه سوى الله تعالى ليكون محبوبه الأول والأخير ويعمل بموجب حبّه الله سبحانه؛ لأن معرفته وعمله ما زالا مشوبين بمحبة فعله ووصفه هو. ورغم أنه من أصحاب الجنة بالطبع، لكن بما أن توحيده ليس خالصاً تماماً فإنّه لن يشرب في الجنة من شرابها الخالص أيضاً، بل سيكون شرابه عبارة عن قطرات من الكافور والتسنيم المعد للمقربين - وليس الشراب الخالص تماما - يُقدم إليه في كأس خاص به (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا *عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا)[9] (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ... يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ... وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ[10]).
وبعد اجتيازه للمرحلة الوسطى من السير والسلوك، لا يعود السالك في المرحلة الثالثة والنهائية شغوفاً بعمله ووصفه - أي بَدل المال والجود والسخاء ـ كما أنه لم يعد يحب المال أصلاً ، فهو لا يهتم بالمال ولا بالعمل ولا وصفه ولا حتى ذاته، إلا الله سبحانه؛ لأن قلبه أصبح متيّماً بحب الله تعالى وحده ولم يعد لـه محبوب غيره، ولم يعد كذلك لا المال ولا وصفاه الجود والسخاء) ولا الإنفاق الذي يعتبر عمله ولا الجواد أو السخي الذي يُمثله هو ، لم يعد أي من أولئك محبوباً عنده، وعلى هذا فلو كان محباً للصلاة مثلاً في المرحلة السابقة: «قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلَاة[11]»، فإنّ قرّة عينه في هذه المرحلة سيكون معبوده وليس الصلاة رغم أنه ما زال يُؤدّيها. وأما ما يخص خاتم النبيين ﷺ وهو محور المحبة والعشق ولا يوجد في عقيدته وإيمانه وخُلقه وعمله سوى حُبّ الله سبحانه، فإنّ هذه المسألة ستكون بشكل آخر؛ لأنه ﷺ يرى جميع الشؤون فانية في الله سبحانه تماماً كجوهر ذاته الشريفة.
وتوجد بين المراحل المذكورة درجات متباينة، ولذلك فمنهم من قسم مراحل السير والسلوك إلى سبعة أقسام[12] أو سبعين قسماً أو سبعمئة أو سبعين ألفاً... وهكذا. والخلاصة فإنّ تلك الدرجات كثيرة ومتعددة بحيث لو أردنا حساب كل لحظاتها ومقاطعها فإنّ الرّقم سيكون أكبر مما قلنا بكثير؛ لأنّ المسافة بين السالك المخلوق وبين الله سبحانه شاسعة وغير متناهية.
وعلى أية حال، فإنّ آخر المقامات وأفضلها في إعطاء وبذل المال والإطعام هو مقام الإطعام وبذل المال على حُبّ الله لا حُب الطعام والمال ولا حُبّ الإطعام وإيتاء المـال ولا حُبّ المعطي لأرحامه وأقاربه. والمقصود في الآية الشريفة بـ (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ[13])، وبقرينة الآية (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ[14])، هو مقام المقربين وآل بيت النبوة عليهم السلام[15] وليس أبرار هذا الحبّ، لكن مما لا شك فيه هو أن المقربين يحتلون المرحلة العليا لمقام الأبرار لعدم وجود مسافة وجودية بينهم، فأعلى درجة من درجات الأبرار هي أدنى درجة من درجات المقربين، وعندما يصل الأبرار إلى أوج مقامهم فسيكون بإمكانهم بلوغ مقام المقربين.
[1] (بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ) [الشعراء: 195]
[2] (وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الزخرف: 4]
[6] مجمع البيان :1-2/ 476-477
[8] رحمة من الرحمن: 1 / 250 .
[9] الإنسان: 5-6 2. المطففين: 22 - 28 .
[11] بحار الأنوار: 73 / 141
[12] وقال أحدهم هذا البيت: لقد اجتاز عطار مدائن العشق السبعة... أما نحن فما زلنا تائهين في هذا الزقاق ! فذهب مثلاً.
[15] بحار الأنوار: 35/ 237 - 257