أهل الكتاب وافتقادهم لأركان البر
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص89-93
2026-06-03
33
بعد أن أشار الله عزوجل في هذه الاية الى عناصر فلاح المسلمين وتعريفهم بتلك العناصر فند ما ادعاه المدعين من أهل الكتاب وبين للمسلمين ماحرم أولئك في الواقع من النعم ونبههم على ذلك قائلا: بأن على اليهود والنصارى الذين يطعنون فيما فعله المسلمون امتثالا لاوامر الله بشأن تحويل قبلتهم عليهم أن يعلموا بأنهم هم أنفسهم يفتقدون لإركان البر ومقوماته وعناصره وأن البر إنما يكون في الايمان بالمبدأ والمعاد والملائكة والكتب السماوية والانبياء عليهم السلام وايتاء ذي القربى واليتامى والمسكاين وابن السبيل والسائلين وإنفاق المال في تحرير الرقاب وإقامة الصلاة وإعطاء الزكاة بينما يفتقد هؤلاء (أي اليهود والنصارى) من الناحية العقائدية اي إيمان صحيح بمثل تلك الامور وهم أسرى البخل وعبيد الجشع أما من ناحية العبادة فهم لايؤدون الصلاة بشكلها الصحيح وذلك لتوجههم في الصلاة الى قبلة منسوخة وكان الاجدر بهم الصلاة باتجاه الكعبة الشريفة. ويمكن انحراف الايمان التوحيدي لدى هؤلاء في اعتبار اليهود أو فئة منهم عزيزا عليه السلام والمسحيين عيسى بن مريم عليهما السلام كابنين لله – سبحانه وتعالى – عما يصفون: (وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ)[1] وبسبب عقيدتهم الضالة والبالطة هذه ازاء الله عزوجل فإن إيمانهم التوحيدي ليس كاملا ولهذا فهم ليسوا سوى مشركين وإن كانوا موحدين في بعض الجوانب .وكذلك الحال بالنسبة لموضوع الاخرة فإذا لم ينكروا أصل ذلك فإن بعضهم يصر على نفي المعاد الجسماني وأما ما يتعلق باللملائكة فإن عداوتهم وبغضهم لجبريل عليه السلام هو أكبر دليل وأوضح شاهد على فقدانهم للإيمان الصحيح بملائكة الله سبحانه وما عداوتهم لروح الله جبريل عليه السلام إلا لعدم نزوله بزعمهم بالوحي على شخص من بني إسرائيل ليكون خاتم الانبياء وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 97 مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ)[2] إذا فشرط البر وبلوغ مقام الابرار هو الايمان بجميع العناصر المحورية للدين بينما لم يؤمن أهل الكتاب بجميع الملائكة الذين هم ركن من أركان الايمان. وأما العنصر الاساسي الاخر للبر – كما ذكرنا - فيتمثل في الايمان بأصل الكتاب ومطلق ماأنزل الله عزوجل فاليهود والنصارى لايؤمنون سوى ببعض الكتب السماوية ولايؤمنون البتة بالقرآن الكريم وهو المهين على جميع الكتب السماوية. ويعتبر الايمان جميع الرسل والانبياء عليهم السلام أصلا آخر للبر في حين أن أهل الكتاب لم يعترفوا بجميع الانبياء والدليل على ذلك هو قيامهم بقتل بعض الانبياء والرسل كما أشار القرآن الكريم: (وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ)[3] وإيدائهم للبعض الاخر بالاضافة الى عدم إيمانهم بخاتم الانبياء محمد ﷺ فاليهود لايؤمنون إلا بالنبي موسى عليه السلام وبالانبياء الذين جاءووا من بعده أما النصارى فلا يؤمنون سوى بالمسيح عيسى بن مريم عليهما السلام والانبياء الذين سبقوه.
ومن أركان البر والخير الاساسية تقديم المساعدة المالية للمحتاجين أما أغلب أهل الكتاب فلم يكن من عاداتهم الانفاق أبدا وكانوا يبررون ذلك بقولهم: إذا كان الانفاق على المحرومين برا فلينفق الله عليهم فلماذا نطعم من لو أراد الله أطعمه ؟ لقد شاء القدر أن يعيش هؤلاء المساكين والمحتاجين حياتهم بهذا الشكل: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ)[4] هذاما كان يبرر به أهل الكتاب تصرفاتهم أما المشركون فلم يكونوا كذلك؛ لأنهم لا يعتبرون الله سبحانه مطعماً، بل يقتصر - عمله على الخلق لا الربوبية، وكانوا يسندون الربوبية في الرزق وغير ذلك للأصنام مدعين أن هؤلاء هم أربابهم وأنّ الله هو رب الأرباب. إذاً فالقول بأن الله سبحانه هو الذي يرزق المحتاجين هو ما كان أهل الكتاب يرددونه لا المشركين، إلّا عندما يجادل المشركون المسلمين قائلين مثلاً: ألستم تؤمنون بربوبية الله، فليرزق الله هؤلاء إذاً؟!
وفي مثل هذه الحالات يكون جواب القرآن الكريم بأنــه لـو أراد الله تعالى لرزق المحرومين والمساكين عبر مسالك أخرى، لكنه شاء أن يختبر المجتمع الإنساني ومدى امتثاله لأوامره الخاصة بالإنفاق، وآخرين من خلال الصبر والتحمّل وغيرهم بالمساعدة والشكر كما هي الحال في الحرب، فلو أراد الله أ سبحانه لدفع الكافرين كما فعل بأصحاب الفيل عندما رد كيدهم بطير أبابيل وصان الكعبة من شر الكافرين لكنه إنما يريد بذلك اختبارنا بالجهاد: (وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ)[5]
ويعتبر الوفاء بالعهود أيضا أحد اركان البر الذي لايعيره أهل الكتاب أية أهمية فكانوا معروفين بنقض العهود ومنها الكتاب السماوي الذي هو عهد الله تعالى اليهم والذي نبذوه وراء ظهورهم بعدما أخذ منهم أيمانا غليظا بالمحافظة عليه وعدم هجره وتركه «أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ»[6] هذا وأشار القرآن الكريم في العديد من آياته الى نقض أهل الكتاب لعهودهم كقوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ...[7])، و(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ[8])، وهاهي ذا معاتبة موسى كليم الله عليه السلام لهم بسبب نقضهم للعهد قائلا: (أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي[9]) فأهل الكتاب لايختلفون عن المشركين من حيث نقض العهود: (ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ[10]) إذا فمثل هؤلاء لا حظ لهم ولا خلاق[11] من البر والخير أبدا.
ومن أهم أركان البر هو الصبر ماكان أهل الكتاب محرومين من نعمهما فلم يكونوا أهل صبر ولا تحمل فهم الذين اعترضوا على نبيهم في البرية حول تنوع الطعام الذي كان يرسل اليهم: (يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ[12]) ولم يكفوا عن مضايقة كليم الله عليه السلام حتى قال لهم: إن من يكرس همه واهتمامه بالطعام والشراب لا يليق به أن يكون محاربا شريفا ومقاتلا شجاعا أمام العدو: (أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ[13]) لكن لا يخفى أن فئة قليلة من بني إسرائيل ظلت مواظبة على الصبر والشجاعة وتحملت الاذى في جنب الله تعالى فبلغت مقاما محمودا ومنزلة شريفة وأوتي أفرادها الايات الحسنى: (وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ[14]) وهؤلاء هم أنفسهم الذين تحدث الله سبحانه عنهم قائلا: (وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ[15]) ففرق بين هؤلاء وغيرهم من أهل الكتاب في المحاسبة والجزاء: (لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ[16])وهذه الفئة المؤمنة الصابرة لم تلمز المسلمين ولاجرحوهم بالقول أو الفعل. والخلاصة: فإن أولئك الذين كانوا يلزمون المسلمين ويعيبون عليهم بعض أفعالهم هم أنفسهم يفتقدون لأي من العناصر المحورية للبر وهكذا فليس باستطاعة هؤلاء حرمان المسلمين من البر أو إبعادهم عن الخير .
[11] خلاق النصيب الوافر من الخير.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة