الحمل على المعنى ابتداء:
نقصد بالحمل على المعنى ابتداءً أن يكون في الجملة حمل على المعنى لا يتبعه حمل على اللفظ ، وإنما قلنا (ابتداء) ؛ لأنّ الكثير في الحمل أن يكون على اللفظ اولاً وعلى المعنى ثانياً. وهذا جائز في أدوات الاستفهام، نقول: من هؤلاء الرجال؟ أي الرجال حضروا كم رجلاً حضروا؟ وقال تعالى: {وَكَأَن مِن قَرْيَةٍ عَتتْ عَنْ أَمْرِ ربهَا وَرُسُلِهِ} [الطلاق: 8] وقد ورد في الأسماء الموصولة، قال تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس: 42]، قال أبو حيان والضمير في يَسْتَمِعُونَ عائد على معنى (مَنْ) والعود على المعنى دون العود على اللفظ في الكثرة)) (1) وقال الزركشي: ((وقد يقتصر على معناها في الجميع)) (2).
ومن ذلك قوله تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء:82] قال أبو حيان: ((وجمع الضمير في {يَغوصُونَ}حملاً على معنى (مَنْ) وحسَّنَ ذلك تقدم جمع كما قال الشاعر:
وإنَّ من النسوان من هي روضةً تهيج الرياض قبلها وتُصوّحُ
لما تقدم لفظ (النسوان) حمل على معنى (مَنْ) فأنث ولم يقل: من هو روضة))(3) والصواب في البيت وجوب الحمل على المعنى - كما ذهب الى ذلك الصبان(4) - ليحصل التطابق بين المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث فلا يجوز : من هو روضة. وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفَلَحَ مَن زَكَاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس : 109] أجاز أبو حيان(5) أن يكون الضمير في زَكَاهَا و دَسّها ( عائداً إلى (مَنْ) باعتبار المعنى إذ هي بمعنى (نفس).
والابتداء بالحمل على المعنى جائز في الأسماء الموصولة دون اعتراض، ولذلك عقب مكي على قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ}[البقرة: 8] بقوله: ((ولو جاء في الكلام: ومن النـاس مـن يقولون، لجاز حمله على المعنى))(6) ولهذا الجواز محسن هو سبق لفظة (الناس) الدالة على الجمع. ومما جاء من الشواهد الشعرية قول الشاعر:
ألمّا بسلمى عنكما إن عرضتُما وقولا لها عوجي على من تخلفوا(7)
وقول الفرزدق: تعش فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل مَن يا ذنب يصطحبان(8)
وقول امرئ القيس:
فتوضح فالمقراة لم يعفُ رسمها لما نسجتها من جنوب وشمال(9)
وقد جاء الحمل على المعنى ابتداءً في الشرط، ومنه قراءة عمرو بن فائد الأسواري(10): (تأت) بالتاء في قوله تعالى: {يَا نسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشةٍ مبينةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}[الأحزاب:30] قال ابن جني عن هذه القراءة: ((هذا حمل على المعنى، كأنَّ (مَنْ) هنا امرأة في المعنى فكأنه قال: أي امرأة أتت منكنَّ بفاحشة أو تأتِ بفاحشة))(11) وحسَّن التأنيث هنا سبق لفظه (النساء) الدالة على التأنيث.
ومن ذلك قراءة من قرأ (فلا مرسل لها)(12) في قوله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ}[فاطر: 2] وذلك أنّ الضمير يعود على ( ما ) (13) ؛ لأنها بمعنى الرحمة. ومن ذلك عند النحاة قول الشاعر:
وإنَّ من النسوان مَنْ هي روضةً تهيج الرياض قبلها وتصوخ فسبق (من النسوان) مقو لجانب المعنى وهو التأنيث(14) وقد سبق أن ذكرنا وجوب الحمل على المعنى في هذا البيت.
اختيار الحمل على المعنى وترجيحه:
وقد يُختار الحمل على المعنى ويترجّح إذا تقدم عليه ما يعضد المعنى ويقويه كقولنا: (منهنَّ مَنْ أُحبّها)، فهو أولى من: أحبُّه. ومنهنَّ مَنْ كانت أختك، ومن كانتا أختيكَ ، ومن كنَّ أخواتك(15). وعلى ذلك قوله تعالى : {وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلَ صَلِحًا} [الاحـــــــزاب: 31] بتأنيـــــــث {وَتَعْمَلْ}وهي قراءة الجماعة غير حمزة والكسائي(16)، فقد قوى هذه القراءة سبق مِنكُن لها فترجح المعنى فحمل عليه، ولهذا جاء جــواب الشرط {تُؤْتِهَا أَجْرَهَا} على المعنى(17) قال الزركشي: ((وتوجيه الجماعـــة أنّه لما تقدم على الثاني صريح التأنيث في مِنكُنَّ حَسنُ الحمل على المعنى))(18). ومثل ذلك قوله تعالى: {وَمن الشَّيَاطِينِ مَن يَغوصُونَ لَهُ} [الانبياء: 82] فقد حسن الحمل على المعنى في {يَغُوصُونَ}تقدّمُ جمع قبله (19).
وجوب الحمل على المعنى:
أوجب النحويون العدول عن الحمل على اللفظ الى الحمل على المعنى إذا حصل بسبب الحمل على اللفظ لبس او عدم مطابقة بين اطراف الجملة كالإخبار عن المذكر بمؤنث، أو عن المؤنث بمذكر وهذا ما يُعبر عنه بلزوم القبح أو حصوله في الكلام.
فإذا حصل لبس بمراعاة اللفظ، وجب مراعاة المعنى، فلا نقول: لقيتُ من أحبه، ونعني به من النساء إلا إن كانت هناك قرينة توضح الشيء المطلوب. وكذلك قولنا: أعط من سألتك، وأعرض عمن مررت بها ، ففي هذه الحالة يجب مراعاة المعنى لئلا يقع لبس في فهم المراد(20).
أما حصول القبح وعدم المطابقة في الكلام فله ثلاث صور:
1. في قولنا: مَنْ هو حمراء جاريتُكَ، لم يحصل تطابق بين المبتدأ والخبر الواقعين في صلة الموصول إذ أخبر عن الضمير المذكر بكلمة (حمراء) المؤنثة. .2. في قولنا: من هي أحمرُ جاريتك، هنا ايضاً لم يحصل تطابق بين المبتدأ والخبر الواقعين في صلة الموصول، إذ أخبر عن المؤنث بمذكر.
3. في قولنا من هو أحمر جاريتك، تطابق المبتدأ والخبر في صلة الموصول في التذكير، ولكن لم يحصل التطابق بين المبتدأ (من) وهو اسم موصول مفرد مذكر وبين خبره الذي هو مفرد مؤنث والموصول والصلة كالشيء الواحد فيجب أن يتطابقا، لكن القبحَ الصورتين الأوليين أشدّ؛ لأن تخالف الخبر والمخبر عنه فيهما في الصلة وفي الموصول، وخبره، وفي الصورة الثالثة في الموصول وخبره فقط)) (21).
وقد استقبح النحويون الصور الثلاث، والظاهر أنّ الكوفيين - وإن لم يُنقل عنهم - أجازوا الصورتين الأولى والثالثة، فد جاء عن ثعلب قوله: (من) هو أحمرُ جاريك. قال: هو قليل، والاجود: (من هــو حمراء جاريتك)(22) والذين منعوا ذلك لم يفرقوا بين أن تكون علامة التأنيث الفا كما في (حمراء) أو أن تكون تاء كما في (محسنة)(23).
وقد وافق ابن السراج النحويين في منع الصور الثلاث، ولكنه أجاز المطابقة(24) فيما فُرّق بين مذكره ومؤنثه بالتاء نحو: (من محسن جاريتك) و(مَنْ) هي محسن جاريتك) و (من) هو محسن جاريتك). ويظهر أن ما أجازه ابن السراج - هنا هو رأي الكوفيين أو رأي ثعلب في الأقل فقد اورد ثعلب :قوله: (من) هو قائم جاريتك، ومن هو يقوم جاريتك، جيد... وهو يشبه من هو قائمة جاريتك))(25).
وقد عقب ابن مالك على ما أجازه ابن السراج فقال: فأما من محسن أمك، فغريب، واما من هي محسن أمك، ففيه من القبح قريب ما في: من هي احمر أمتك، فوجب اجتنابهما)) (26). وقد بيّن ابن مالك(27) السبب الذي دفع ابن السراج الى ما اجازه وهو كون (محسن) شبيهاً بــ (مرضع) ونحوه من الصفات الجارية على الإناث بغير علامة بخلاف (أحمر) فإنه لم يقع على مؤنث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحر المحيط 161/5.
(2) البرهان في علوم القرآن 383/3.
(3) البحر المحيط 333/6 ، وينظر : المجيد في اعراب القرآن المجيد 1 ورقة 29.
(4) ينظر: حاشية الصبان 161/1.
(5) ينظر : البحر المحيط 481/8
(6) مشكل إعراب القرآن 77/1.
(7) المذكر والمؤنث لابن الانباري / 665، وجامع البيان 149/2
(8) المذكر والمؤنث لابن الانباري/ 665، وجامع البيان 2/ 150 ، والمحتسب 219/1 ، و 179/2
(9) شرح القصائد السبع الطوال / 20 .
(10) ينظر المحتسب 179/2 ، والبحر المحيط 227/7 .
(11) المحتسب 179/2
(12) ينظر : معاني القرآن للفراء 366/2، والكشاف 597/3
(13) ينظر : البحر المحيط 299/7
(14) ينظر : شرح التسهيل لابن مالك / 240 ، وشرح التسهيل للمرادي / 231 ، والبحر المحيط 333/6 ، والمجيد في اعراب القرآن المجيد 1 / ورقة 29 ، والدر المصون 4/ ورقة 43.
(15) ينظر: الاصول في النحو 366/2.
(16) ينظر: السبعة في القراءات /521.
(17) ينظر شرح الكافية 056/2.
(18) البرهان في علوم القرآن 385/3.
(19) ينظر : البحر المحيط 333/6.
(20) ينظر : شرح التسهيل لابن مالك / 239 ، وشرح الكافية 56/2.
(21) حاشية الصبان 161/1.
(22) مجالس ثعلب 592/2.
(23) ينظر: شرح التسهيل للمرادي / 232 ، وتعليق الفرائد / ورقة 105، وهمع الهوامع 300/1 ، وحاشية الصبان 161/1.
(24) ينظر : الاصول في النحو 360/2-361.
(25) مجالس ثعلب 386/2.
(26) شرح التسهيل لابن مالك / 236-240.
(27) ينظر شرح التسهيل / 240.