ابن
عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن مردويه بن سالم
بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رشيد الدين المعروف بالوطواط الأديب
الكاتب الشاعر كان من نوادر الزمان وعجائبه وأفراد الدهر وغرائبه أفضل زمانه في
النظم والنثر وأعلم الناس بدقائق كلام العرب وأسرار النحو والأدب طار في الآفاق
صيته وسار في الأقاليم ذكره وكان ينشئ في حالة واحدة بيتا بالعربية من بحر وبيتا
بالفارسية من بحر آخر ويمليهما معا وله من التصانيف حدائق السحر في دقائق الشعر
باللغة الفارسية ألفه لأبي المظفر خوارزم شاه وعارض به كتاب ترجمان البلاغة لفرحي
الشاعر الفارسي وللوطواط أيضا ديوان شعر وديوان رسائل عربي وديوان رسائل فارسي
وتحفة الصديق من كلام أبي بكر الصديق وفصل الخطاب من كلام عمر بن الخطاب وأنس
اللهفان من كلام عثمان بن عفان ومطلوب كل طالب من كلام علي بن أبي طالب وغير ذلك
مولده ببلخ ومات بخوارزم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ومن رسائله ما كتبه لأبي القاسم
محمود بن عمر الزمخشري وهي:
(لقد حاز جار الله دام جماله ... فضائل فيها لا
يشق غباره)
(تجدد رسم الفضل بعد اندراسه ... بآثار جار الله
فالله جاره) [الطويل]
أنا منذ لفظتني الأقدار من أوطاني ومعاهد أهلي
وجيراني إلى هذه الخطة التي هي اليوم بمكان جار الله أدام الله دولته جنة للكرام
وجنة من نكبات الأيام كانت قصوى منيتي وقصارى بغيتي أن أكون أحد الملازمين لسدته
الشريفة التي هي مخيم السيادة ومقبل أفواه السادة من ألقى فيها عصاه حاز في
الدارين مناه ونال في المحلين مبتغاه ولكن سوء التقصير أو مانع التقدير حرمني تلك
الخدمة وحرم علي هذه النعمة والآن أظن وظن المؤمن لا يخطىء أن آفل جدي هم بالإشراق
وذابل إقبالي أقبل على الإبراق فقد أجد في نفسي نورا مجددا يهديني إلى جنته ومن شوقي
داعيا موفقا يدعوني إلى حضرته ويقرع لسان الهيبة كل ساعة سمعي بنداء اخلع نعلك
واطرح بالواد المقدس رحلك ولا تحفل بحقد حاقد وحسد حاسد فإن حضرة جار الله أوسع من
أن تضيق على راغب في فوائده وأكرم من أن تستثقل وطأة طالب لعوائده ومع هذا أرجو
إشارة تصدر من مجلسه المحروس إما بخطه الشريف فإن في ذلك شرفا لي يدوم مدى الدهر
والأيام وفخرا يبقى على مر الشهور والأعوام وإما على لسان من يوثق بصدق مقالته ويعتمد على تبليغ رسالته من
المنخرطين في سلك خدمته والراتعين في رياض نعمته ورأيه في ذلك أعلى وأصوب.
ومن إنشائه أيضا تقليد حسبة صدر عن ديوان خوارزم
وهو إن أولى الأمور بأن تصرف أعنة العناية إلى ترتيب نظامه وتقصر الهمم على مهمة
إتمامه أمر يتعلق به ثبات الدين ويتوقف عليه صلاح المسلمين وهو أمر الاحتساب فإن
فيه تثبيت الزائغين عن الحق وتأديب المنهمكين في الفسق وتقوية أعضاد أرباب الشرع
وسواعدها وإجراء معاملات الدين على قوانينها وقواعدها وينبغي أن يكون متقلد هذا
الأمر موصوفا بالديانة معروفا بالصيانة معرضا عن مراصد الريب بعيدا عن مواقف التهم
والعيب لابسا مدارع السداد سالكا مناهج الرشاد والشيخ الإمام فلان - أدام الله
فضله - متحل بهذه الخصائص المذكورة والفضائل المشهورة ومستظهر في دولتنا للحقوق
المرضية ومستشعر للصفات المرضية فقلدناه هذا الأمر الذي هو من مهمات الأعمال
ومعظمات الأشغال واعتمدنا في التقليد والتقلد على دينه المتين وفضله المبين
وعقيدته الطاهرة وأمانته الظاهرة وأمرناه أولا أن يجعل التقوى شعاره والزهد دثاره
والعلم معلمه والدين مناره ثم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقيم حدود الشرع على
وفق النصوص والأخبار ومقتضى السنن والآثار من غير أن يتسور الحيطان، ويتسلق
الجدران ويرفع الحجب المسدولة ويكسر الأبواب المسدودة ويسلط الأوباش على دور
المسلمين وحرم المؤمنين فيغيروا على أموالهم ويمدوا الأيدي إلى نسائهم وأطفالهم
ويظهروا ما أمر الله تعالى بستره وإخفائه ونهى عن إشاعته وإفشائه فإن عبادة
الأوثان خير من ذلك الاحتساب والعقوبة أجدر بمباشر ذلك من الأجر والثواب وأمرناه
أن يبالغ في تعديل المكاييل والموازين على وفق أحكام الشرع والدين فإن وجد تفاوتا
في شيء منها سواه وعدله وغيره وبدله وأدب صاحبه على رؤوس الأشهاد لينزجر عن مثله
أهل الخيانة والفساد وليعلم أنه في عهده ما يطوي وينشر وينهى ويأمر يوم ينشر الديوان
وينصب الميزان { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } وسبيل
الأئمة والعلماء وكافة الرعايا - حاطهم الله - أن يتوفروا على تعظيم قدره وتفخيم
أمره ويبالغوا فيما يرجع إلى تمهيد قواعد حرمته وتشييد أركان حشمته ولا يعترضوا
عليه في شغل الاحتساب فإن ذلك أمانة هو حاملها ووديعة هو ضامنها والسلام.
ولرشيد الدين شعر دون نثره جودة فمن ذلك قصيدة
أوردها ضمن كتاب إلى صدر الدين ابن نظام الدين رئيس جرجان: [الوافر]
(جنابك صدر الله حصن ... لأهل الفضل من نوب الزمان)
(وصدرك في الخطوب إذا ألمت ... محط رحال حفاظ القران)
(وجودك دونه فيض الغوادي ... وعزمك دونه حد السنان)
(وبابك فيه مسكن كل عاف ... وعفوك فيه مأمن كل جاني)
(غدوت قريع فرسان القوافي ... وحائز سبقها يوم الرهان)
(لقد بلغت قاصية المعالي ... كما ملكت ناصية المعاني)
(وأعجزت الأفاضل في التحدي ... بمعجزة الفصاحة والبيان)
(يشق
سناك جلباب الليالي ... وجنح ظلامها ملقي الجران)
(بك الآداب آهلة المغاني ... ودار المجد شاهقة المباني)
(فما لك في فحول الفضل ند ... ولا لك في رجال
العلم ثاني)
(مغانيك الرحاب رياض عز ... سقى صوب الحيا تلك المغاني)
(نمتك عصابة بيض هجان ... وهل تلد الهجان سوى الهجان)
(لقد أخرجت من أزكى نصاب ... وقد أرضعت من أصفى لبان)
(فأنت الغيث في وقت العطايا ... وأنت الليث في
يوم الطعان)
(أتتني منك آيات تحاكي ... بدائع نظمها عقد الجمان)
(بلفظ مثل أفراد اللآلي ... وخط مثل أصداغ الغواني)
(فألبسني كتابك بعد خوف ... من الحدثان أردية
الأمان )
(وقد شاهدت في الدنيا عيانا ... بما أهديت روضات
الجنان)
(بقيت مدى الزمان حليف أمن ... ويمن تجتني ثمر الأماني)
(وطاوعك الأسافل والأعالي ... وتابعك الأباعد والأداني)
(صديقك ساحب ذيل المعالي ... وخصمك لابس ثوب الهوان)
وقال: [البسيط]
(ست بليت بها والمستعاذ به ... من شرها من إليه
الخلق يبتهل )
(نفسي وإبليس والدنيا التي فتنت ... من قبلنا
والهوى والحرص والأمل )
(إن لم تكن منك يا مولاي واقية ... من شرها الجم
أعيت عبدك الحيل)
وقال: [الطويل]
(تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت ... وتحدث من
بعد الأمور أمور)
(وتجري
الليالي باجتماع وفرقة ... وتطلع فيها أنجم وتغور)
(فمن ظن أن الدهر باق سروره ... فقد ظن عجزا لا
يدوم سرور)
وقال: [الوافر]
(إذا ما شئت أن تحيا سعيدا ... وتنجو في الحساب
من الخصوم)
(فلا تصحب سوى الأخيار واصرف ... حياتك في
مدارسة العلوم)