صُورَتُكِ بِالحِجَابِ وَلكِنْ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• صادق مهدي حسن
فِي عَصْرِ التِّكْنُولُوجِيَا وَالِاتِّصَالَاتِ الْحَدِيثَةِ، أَصْبَحَتْ مَنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، وَأَصْبَحَ نَشْرُ الصُّوَرِ وَمُشَارَكَةُ اللَّحَظَاتِ الشَّخْصِيَّةِ أَمْرًا سَهْلًا لَا يَحْتَاجُ سِوى ضَغْطَةِ زِرٍّ. وَبَيْنَ رَغْبَةِ الْإِنْسَانِ فِي التَّوَاصُلِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَبَيْنَ الْحَاجَةِ إِلَى الْحِفَاظِ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ وَالْوَقَارِ، تَظْهَرُ مِنْ بًعضِ النسوَةِ المُلتزمات تَسَاؤُلَاتٌ مُهِمَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى وَعْيٍ وَتَأَمُّلٍ، وَمِنْ أَبْرَزِهَا: مَا دَامَ حِجَابِي كَامِلًا وَمَظْهَرِي مُحْتَشِمًا، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ نَشْرِ صُورَتِي عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؟
قَدْ يَبْدُو الْأَمْرُ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى مُتَشَابِهًا؛ فَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَخْرُجُ إِلَى الشَّارِعِ بِحِجَابِهَا الْكَامِلِ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي قَدْ تَنْشُرُ صُورَتَهَا بِالْحِجَابِ ذَاتِهِ عَلَى الْإِنْتِرْنِتِ، لَكِنَّ التَّأَمُّلَ فِي طَبِيعَةِ الْعَالَمِ الْوَاقِعِيِّ وَالْعَالَمِ الِافْتِرَاضِيِّ يَكْشِفُ عَنِ اخْتِلَافٍ كَبِيرٍ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ. فَالْوُجُودُ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ يَكُونُ غَالِبًا مُرْتَبِطًا بِحَاجَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ وَمَوَاقِفَ مُحَدَّدَةٍ، وَتَكُونُ نَظَرَاتُ النَّاسِ عَلَى الْأَغْلَبِ عَابِرَةً بِحُكْمِ طَبِيعَةِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَمَا يُحِيطُ بِهَا مِنْ ضَوَابِطَ وَأَعْرَافٍ. أَمَّا الصُّورَةُ الْمَنْشُورَةُ عَلَى الْإِنْتِرْنِتِ فَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا؛ إِذْ تَتَحَوَّلُ مِنْ لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ إِلَى مَادَّةٍ قَابِلَةٍ لِلْبَقَاءِ وَالِانْتِشَارِ، وَيُمْكِنُ لِأَيِّ شَخْصٍ الْوُصُولُ إِلَيْهَا وَالِاحْتِفَاظُ بِهَا وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا مُطَوَّلًا، بَلْ الأنكى مِنْ ذَلِك أنَّها قَدْ تُسْتَخْدَمُ بِطُرُقٍ لَا تَخْطُرُ عَلَى بَالِ صَاحِبَتِهَا، خُصُوصًا فِي ظِلِّ التِّقْنِيَّاتِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي جَعَلَتْ نَسْخَ الصُّوَرِ وَتَعْدِيلَهَا وَإِعَادَةَ نَشْرِهَا أَمْرًا سَهْلًا.
فَالْخُرُوجُ بِالْحِجَابِ لِقَضَاءِ الْحَاجَاتِ حَقٌّ مَشْرُوعٌ وَحَاجَةٌ مِنْ حَاجَاتِ الْحَيَاةِ، أَمَّا نَشْرُ الصُّورَةِ عَلَى فَضَاءٍ مَفْتُوحٍ فَهُوَ اخْتِيَارٌ يَمْنَحُ الْآخَرِينَ إِمْكَانِيَّةَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ وَمِنْ أَيِّ مَكَانٍ، دُونَ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ تَفْرِضُ ذَلِكَ..وهذا منافٍ تماماً للحِشمَةِ والعفاف. وَمِنْ هُنَا يَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَ حُضُورٍ تَفْرِضُهُ ظُرُوفُ الْحَيَاةِ، وَصُورَةٍ تُعْرَضُ بِاخْتِيَارِ صَاحِبَتِهَا أَمَامَ جُمْهُورٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ.
إِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ لَيْسَتْ تَضْيِيقًا عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَا انْتِقَاصًا مِنْ حُرِّيَّتِهَا، بَلْ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْوَعْيِ بِحَقِيقَةِ الْعَالَمِ الرَّقْمِيِّ وَطَبِيعَةِ التَّعَامُلِ مَعَهُ. فَالْمَرْأَةُ الَّتِي تَحْرِصُ عَلَى عَدَمِ نَشْرِ صُوَرِهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَخْجَلُ مِنْ نَفْسِهَا أَوْ تُقَلِّلُ مِنْ قَدْرِهَا، وَإِنَّمَا لِأَنَّهَا تُدْرِكُ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَشْيَاءَ ثَمِينَةً يَحْرِصُ عَلَى صِيَانَتِهَا، وَأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ جُزْءٌ مِنَ الْكَرَامَةِ. فَالْحَيَاءُ قِيمَةٌ عَظِيمَةٌ تَمْنَحُ الْإِنْسَانَ مَكَانَتَهُ، وَحِفْظُ الصُّورَةِ الشَّخْصِيَّةِ بَعِيدًا عَنْ أَيْدِي الْغُرَبَاءِ هُوَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الِاحْتِيَاطِ وَصِيَانَةِ النَّفْسِ.
كَمَا أَنَّ تَجَنُّبَ نَشْرِ الصُّوَرِ يُسَاهِمُ فِي إِغْلَاقِ أَبْوَابٍ قَدْ يَدْخُلُ مِنْهَا أَصْحَابُ النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ أَوْ مَنْ لَا يُحْسِنُونَ التَّعَامُلَ مَعَ الْآخَرِينَ بِاحْتِرَامٍ، وَيَحْفَظُ لِلْمَرْأَةِ مَسَاحَةً خَاصَّةً تَكُونُ فِيهَا صُورَتُهَا وَمُحَيَّاهَا ضِمْنَ دَائِرَةِ أَهْلِهَا وَمَنْ تَثِقُ بِهِمْ ومُرَاعَاةَ مَشَاعِرِ الزَّوْجِ وَالْأُسْرَةِ فِي هَذَا الْأَمْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ عَلَى أَنَّهَا سَيْطَرَةٌ أَوِ انْتِقَاصٌ مِنْ شَخْصِيَّةِ الْمَرْأَةِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ تَعْبِيرًا عَنِ الْمَوَدَّةِ وَالْغَيْرَةِ الْمَحْمُودَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى مَكَانَتِهَا وَخُصُوصِيَّتِهَا.
لِذَلِكَ يُمْكِنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَجْعَلَ مِنْ حُضُورِهَا فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ مَسَاحَةً لِلْعَطَاءِ وَالْفَائِدَةِ، فَتَنْشُرَ عِلْمَهَا وَأَفْكَارَهَا وَتَجَارِبَهَا النَّافِعَةَ، وَتَتْرُكَ أَثَرًا طَيِّبًا يَدُلُّ عَلَى شَخْصِيَّتِهَا وَقِيَمِهَا. فَالْعَصْرُ الرَّقْمِيُّ يَحْتَاجُ إِلَى وَعْيٍ لَا إِلَى انْدِفَاعٍ، وَإِلَى حِكْمَةٍ فِي الِاخْتِيَارِ لَا إِلَى مُجَرَّدِ مُسَايَرَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْآخَرُونَ. وَمِنْ الْحِكْمَةِ بِمَكانٍ كبير أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ مَا يُشَارِكُهُ مَعَ الْعَالَمِ، وَمَا يَحْتَفِظُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ تَبْقَى كَرَامَتُهُ وَخُصُوصِيَّتُهُ فَوْقَ رَغْبَةِ الظُّهُورِ الْمُؤَقَّتَةِ.
تَذَكَّرِي دَائِمًا سَيِّدَتِي الْفَاضِلَةَ.. أَنَّ قِيمَةَ الْمَرْأَةِ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تُقَاسُ بِعَدَدِ بَصَمَاتِ الْإِعْجَابِ أَوِ التَّعْلِيقَاتِ أَوِ الْمُشَارَكَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ عَلَيْهَا صُورَتُهَا، وَإِنَّمَا تُقَاسُ بِعِلْمِهَا وَفِكْرِهَا وَأَخْلَاقِهَا وَأَثَرِهَا الطَّيِّبِ فِيمَنْ حَوْلَهَا. فَالْحُضُورُ الْجَمِيلُ لَا يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى صُورَةٍ، وَالْكَلِمَةُ الرَّاقِيَةُ وَالْفِكْرَةُ النَّافِعَةُ وَالْمَوْقِفُ النَّبِيلُ قَدْ تَكُونُ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا وَبَقَاءً مِنْ أَيِّ مَظْهَرٍ عَابِرٍ.







ياسين فؤاد الشريفي
منذ يومين
واقع وحقيقة وليس خيال
واقعة الغدير.. دلالات وتأملات (1)
منارة موقدة العراقية : نارٌ للحجيج والإنذار
EN