كرنفال الحزن بين السماء والأرضِ (27)
بقلم: أحمد السراي
حينَ انكسرَتِ الأستارُ
ما أقسى أن تستباحَ الحرمةُ بعدَ أن كَانَتْ مصونةً بأجنحةِ الهيبةِ، وما أشدّ لوعةَ الزمانِ حين يرى بناتِ الوحي وقد انتقلْنَ من ظلالِ الخدورِ إلى وهجِ الفلواتِ، ومن سكينةِ الدورِ إلى وعثاءِ الطرقاتِ، لا لذنبٍ اقترفْنَهُ، ولا لجنايةٍ أتينَ بها، وإنَّما لأنهنَّ انتسبنَ إلى النورِ الذي أرادَ الظلامُ أن يطفئَهُ...
كانَتْ نساءُ آل محمد (صلى الله عليه وآله) درراً مخبوءةً في أصدافِ الطهرِ، لم تعرفِ العيونُ إلى وجوههن سبيلاً، إلا كما تقعُ الأبصارُ على النجومِ البعيدةِ في ساعاتِ السَّحرِ، بعيدةَ المنالِ، مهيبةَ الجلالِ، تلفُّها أستارُ العفافِ كما يلفُّ الضياءُ القمرَ في تمامِهِ…
لكن كربلاء لم تكن مأساةَ سيوفٍ فحسب، بل كانَتْ مأساةَ قيمٍ أرادَ الطغيانُ أن يذبحها مع الحسين (عليه السلام)، فلما سقطَتِ الأجسادُ الطاهرةُ على الرمضاءِ، وأثخنَتْها الرماحُ والسيوفُ، لم يكتفِ القومُ بقتلِ الرجالِ، بل مدُّوا أيديهم إلى الخيامِ، حيث الأراملُ والثكالى واليتامى، وحيث القلوبُ التي لم تفُقْ بعدُ من هولِ المصابِ...
ارتجفَتِ الإنسانيةُ كلها أمامَ مشهدٍ لم تعرف له الأرضُ نظيراً، نساءٌ كُنّ بالأمسِ زهراتِ بيتِ النبوّةِ، تحفُّ بهنَّ المهابةُ، فإذا بهنَّ يُسقنَ من بلدٍ إلى بلدٍ، وتتناوبُ عليهن نظراتُ الشماتةِ، بعدَ أن كُنّ موضعَ التبجيلِ والإجلالِ، كيفَ لقلبٍ يحتملُ أن يرى بناتِ الرسالةِ في الفلواتِ، بينما بناتُ الطغاةِ في القصورِ والحجالِ؟!
وأيُّ ميزانٍ هذا الذي انقلبَ حتى صارَ أهلُ الحقِّ سبايا، وأهلُ الباطلِ سادةً متنعمينَ؟!
لقد كانَ السبي امتحاناً آخرَ من السماءِ، أرادَتْ به أن تظهرَ عظمةُ أولئك النسوةِ اللواتي لم تنحنِ هاماتهن أمامَ القيودِ، ولم تنكسر أرواحهن تحتَ وطأةِ المحنةِ، فكلُّ خطوةٍ خطَتها زينب (عليها السلام) على طريقِ الأسرِ كانت انتصاراً جديداً للحسين (عليه السلام)، وكلُّ دمعةٍ سقطَتْ من عينِ طفلٍ يتيمٍ كانَتْ تكتبُ على صفحاتِ الدهرِ شهادةً جديدةً على بشاعةِ الجريمةِ...
وحين نتأمّلُ ذلك الركبَ الحزينَ، لا نرى نساءً مغلوباتٍ على أمرهن، بل نرى قمماً من الصبرِ تمشي على الأرضِ، نرى الرسالةَ وهي تواصلُ طريقها بعدَ أن ظنَّ الطغاةُ أنهم دفنوها تحت سنابكِ الخيلِ، نرى الكرامةَ وهي ترفعُ رأسها بينَ السلاسلِ، والعزةَ وهي تخاطبُ الجبابرةَ من خلفِ ستارِ الألمِ...
لقد أرادوا للسبي أن يكونَ خاتمةَ المأساةِ، فإذا به يصبحُ بدايةَ الخلودِ، وأرادوا للأسرِ أن يكونَ عنوانَ الهوانِ، فإذا به يتحوّلُ إلى رايةٍ من المجدِ لا تزالُ تخفقُ في ضميرِ الأحرارِ، فما كانَ الطريقُ من كربلاء إلى الشام طريقَ سبايا فحسب، بل كانَ طريقَ نورٍ يشقُّ عتمةَ الزمنِ المظلمِ، وطريقَ دموعٍ غسلَتْ وجهَ الإنسانيةِ من زيفِ المنتصرينَ، وطريقَ نساءٍ أثبتنَ أنَّ العظمةَ لا تسكنُ القصورَ، بل تسكنُ القلوبَ التي تعرفُ كيفَ تقفُ مع الحقِّ وإن أثقلتها المصائبُ.
سلامٌ على تلك الوجوهِ التي لفحَها وهجُ الطريقِ، ولم ينطفئ نورها، وسلامٌ على تلك القلوبِ التي حملَتْ ثقلَ الرزيةِ، فحفظَتْ للدينِ صوتَهُ، وللحقِّ حضورَهُ، وللأجيالِ حكايةَ المجدِ المجبولةَ بالدموعِ والآلامِ.







وائل الوائلي
منذ 1 يوم
عناوين أم عنوانات؟
خطة فرض التعليم
العالَم يُكرِّم بابل الحَضارة والتَّاريخ، نَحْنُ والتَّاريخ والوَاقِع
EN