0

بمختلف الألوان
تاهَ الخَلقُ في وادي الجَّهلِ والضَّلالِ والعَمى، فبعثَ اللهُ سبحانَهُ حبيبَهُ محمّد، ليكونَ مُبشِّراً ومُنذِراً ومُخَلِّصاً لهُم مِن براثنِ الشِّركِ والظُّلمِ والفَسادِ. فأنزلَ اللهُ كلمتَهُ التامَّةَ ونورَهُ الأبلجَ ليُضِيءَ سماءَ عقولِ النّاسِ، فاستغرقَ القُرآنُ قلوبَهُم بعدَ أَنْ خرقَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الفيزياء في غرفة الطوارئ: كيف جعلت الفيزياء الأوردة مرئية؟

منذ 3 شهور
في 2026/06/22م
عدد المشاهدات :669
عندما يحاول ممرض أو طبيب إدخال إبرة في وريد مريض، تبدو العملية بسيطة للوهلة الأولى، لكن الواقع أكثر تعقيدًا مما يظن معظم الناس. فالعثور على وريد مناسب قد يكون تحديًا حقيقيًا لدى الأطفال والرضع وكبار السن ومرضى السمنة ومرضى الأورام الذين تعرضت أوردتهم لإجراءات طبية متكررة. ولعقود طويلة اعتمد النجاح في هذه المهمة على الخبرة السريرية وحدها. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان رؤية شبكة الأوردة تحت الجلد مباشرة بفضل تقنية تجمع بين الفيزياء البصرية والهندسة الطبية والطب السريري، تُعرف باسم تصوير الأوردة بالأشعة تحت الحمراء القريبة (Near Infrared Vein Imaging)، وهي واحدة من أبرز الأمثلة الحديثة على انتقال فكرة فيزيائية من المختبر إلى الاستخدام اليومي في المستشفيات.
تعتمد هذه التقنية على خاصية فيزيائية أساسية تتعلق بتفاعل الضوء مع الأنسجة الحية. فعندما يسقط الضوء على الجلد لا ينعكس كله بالطريقة نفسها؛ إذ تمتص الأنسجة المختلفة أطوالًا موجية معينة وتسمح بمرور أو انعكاس أطوال موجية أخرى. وخلال أبحاث التصوير الحيوي في تسعينيات القرن العشرين لاحظ الباحثون أن الهيموغلوبين الموجود داخل الدم يمتص الأشعة تحت الحمراء القريبة بصورة تختلف عن امتصاص الجلد والدهون والأنسجة المحيطة. وعند استخدام ضوء في نطاق يتراوح تقريبًا بين 700 و1000 نانومتر تظهر الأوردة في الصور الملتقطة أكثر قتامة من الأنسجة المحيطة بها. هذه الظاهرة هي الأساس الفيزيائي الذي تقوم عليه جميع أجهزة كشف الأوردة الحديثة.
تشير المصادر التاريخية الخاصة بتطوير التقنية إلى أن الفيزيائي الأمريكي هربرت زيمان Herbert Zeman كان من أوائل الباحثين الذين ساهموا في تحويل هذه الملاحظات الفيزيائية إلى نظام عملي قادر على التقاط صورة للأوردة ثم إعادة إسقاطها مباشرة على جلد المريض. وفي ذلك الوقت لم تكن الكاميرات الرقمية أو المعالجات الإلكترونية بالسرعة والكفاءة المتاحة اليوم، ولذلك احتاج الأمر سنوات من التطوير في مجالات البصريات والإلكترونيات ومعالجة الصور قبل أن تصبح التقنية جاهزة للاستخدام الطبي الحقيقي.
في عام 2005 حصل جهاز VeinViewer، الذي طورته شركة Christie Medical Holdings المعروفة سابقًا باسم Luminetx، على الموافقات التنظيمية الطبية اللازمة ليصبح أول نظام تجاري واسع الانتشار يسمح برؤية الأوردة دون اختراق الجلد. وكانت آلية عمله تقوم على إرسال ضوء تحت أحمر قريب إلى الجلد، ثم التقاط صورة للأوردة بواسطة كاميرا حساسة للأشعة تحت الحمراء، وبعد ذلك معالجة الصورة حاسوبيًا وإسقاطها فورًا على الجلد فوق موضع الوريد الحقيقي. وهنا تكمن عبقرية الفكرة؛ فالصورة لا تُعرض على شاشة منفصلة، بل تُسقط مباشرة فوق جسم المريض في موقعها الحقيقي. ولهذا السبب يعتبر كثير من الباحثين VeinViewer أحد أوائل تطبيقات الواقع المعزز الناجحة في المجال الطبي.
ومن أكثر الأسئلة شيوعًا عند رؤية هذه الأجهزة لأول مرة: لماذا تظهر الأوردة باللون الأخضر؟ المفاجأة أن الجهاز لا يرى اللون الأخضر أصلًا. فالمرحلة الأساسية من التصوير تتم باستخدام الأشعة تحت الحمراء غير المرئية للعين البشرية، وبعد معالجة الصورة رقميًا يختار الحاسوب لونًا مرئيًا لعرض خريطة الأوردة. وقد أوضحت أدلة تقنية صادرة عن شركات متخصصة في هذا المجال مثل CollMedical وZD Medical Imaging أن اللون الأخضر اختير لسببين رئيسيين؛ الأول أن العين البشرية تبلغ أقصى حساسية لها تقريبًا في المنطقة الخضراء من الطيف المرئي، مما يجعل التفاصيل الدقيقة أكثر وضوحًا للمستخدم، أما السبب الثاني فيتعلق بالتباين البصري، إذ يوفر اللون الأخضر فرقًا بصريًا كبيرًا بين مسار الوريد والأنسجة المحيطة، الأمر الذي يسمح للطبيب أو الممرض بتمييز الشبكة الوريدية بسرعة أثناء العمل السريري. ولهذا أصبح اللون الأخضر اللون القياسي في معظم أجهزة كشف الأوردة الحديثة، رغم أن بعض الأنظمة المتطورة تسمح باستخدام ألوان أخرى بحسب ظروف الإضاءة أو لون البشرة.
نجاح VeinViewer جذب شركات أخرى إلى هذا المجال. ففي عامي 2008 و2009 ظهرت شركة AccuVein الأمريكية التي قدمت جهاز AV300 ثم AV400، وهو أول جهاز يدوي محمول يعتمد التقنية نفسها تقريبًا. تميزت أجهزة AccuVein بخفة الوزن وسهولة الحمل، ما ساعد على انتشار التقنية خارج غرف العلاج الثابتة ووصولها إلى سيارات الإسعاف وأقسام الطوارئ والمراكز الطبية الصغيرة. كما ظهرت أنظمة أخرى مثل VascuLuminator وVenoscope وAimVein، وأصبح سوق أجهزة كشف الأوردة واحدًا من أسرع قطاعات الهندسة الطبية نموًا خلال العقدين الماضيين.
ومع تزايد القيمة التجارية للتقنية دخلت الشركات في نزاعات قانونية حول ملكية الأفكار الأساسية. ومن أشهر هذه النزاعات القضية التي رفعتها شركة Luminetx ضد شركة AccuVein بشأن بعض براءات الاختراع المرتبطة بتصوير الأوردة وإسقاط الصورة على الجلد. وانتهى النزاع لاحقًا بتسويات قانونية، لكنه كشف حجم الأهمية الاقتصادية والعلمية لهذه التكنولوجيا. وبحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كانت شركة AccuVein وحدها تمتلك عشرات البراءات المسجلة في الولايات المتحدة في مجالات البصريات الطبية ومعالجة الصور والتصوير الوريدي.
ورغم الانطباع الذي تعطيه الصور الدعائية، فإن الجهاز لا يرى الدم يتدفق داخل الأوردة. ما يراه في الحقيقة هو نمط امتصاص الضوء داخل الأنسجة. وبعبارة أخرى فإن الجهاز لا يشاهد الوريد مباشرة، بل يستنتج موقعه من الاختلافات البصرية الناتجة عن وجود الدم. وهذا مثال رائع على كيفية استخدام الفيزياء لاستخراج معلومات مخفية لا تستطيع العين البشرية رؤيتها مباشرة.
ومن منظور فيزيائي فإن هذه الأجهزة لا تعتمد على الأشعة السينية كما يعتقد البعض، بل تستخدم ضوءًا غير مؤين وآمنًا تمامًا. فالضوء تحت الأحمر القريب يمتلك طاقة أقل بكثير من الأشعة السينية، ولا يسبب ضررًا للخلايا عند استخدامه ضمن الحدود الطبية المعتادة. ولهذا يمكن استخدام التقنية مرات عديدة دون تعريض المريض لمخاطر إشعاعية. كما أن الأشعة تحت الحمراء القريبة تمتلك قدرة أفضل على اختراق الجلد والأنسجة السطحية مقارنةً بمعظم أطوال الضوء المرئي، وهو ما يسمح برؤية أوردة تقع على أعماق قد تصل إلى نحو 10 أو 15 مليمترًا تحت سطح الجلد.
ورغم نجاحها الكبير فإن لهذه الأجهزة حدودًا مهمة. فهي لا تقيس ضغط الدم داخل الوريد، ولا تستطيع تحديد جودة تدفق الدم بدقة، كما أنها لا توفر قياسًا مباشرًا لعمق الوريد أو قطره الحقيقي. ولهذا لا تزال الموجات فوق الصوتية تحتفظ بأهميتها في العديد من الحالات المعقدة، خصوصًا عند تركيب القساطر المركزية أو التعامل مع الأوردة العميقة. لذلك ينظر الأطباء إلى أجهزة كشف الأوردة باعتبارها أداة مساعدة وليست بديلًا عن الخبرة السريرية.
أصبحت التقنية اليوم جزءًا من الممارسة الطبية في أقسام الطوارئ ووحدات العناية المركزة ومستشفيات الأطفال ومراكز الأورام والعلاج الكيميائي وبنوك الدم ومراكز التبرع والخدمات الطبية العسكرية. كما دخلت إلى بعض التطبيقات البيطرية لمساعدة الأطباء البيطريين في الوصول إلى أوردة الحيوانات الكبيرة. وقد تبنتها مستشفيات جامعية ومراكز أبحاث ومؤسسات صحية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط، لما توفره من تحسين في معدلات نجاح المحاولة الأولى وتقليل الحاجة إلى الوخز المتكرر.
ومن اللافت للنظر أن النسخ الأولى من هذه الأجهزة كانت تزن عشرات الكيلوغرامات وتتطلب حوامل كبيرة داخل المستشفيات، في حين أن بعض الأجهزة الحديثة لا يتجاوز وزنها بضع مئات من الغرامات ويمكن حملها بيد واحدة. كما أصبحت الخوارزميات أكثر تطورًا ودقة، ويعمل بعض المصنعين حاليًا على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع التصوير تحت الأحمر لتحسين التعرف التلقائي على أفضل مواقع إدخال الإبر وتقليل نسبة الخطأ البشري.
قد تبدو أجهزة كشف الأوردة أدوات طبية بسيطة، لكنها في الحقيقة نتاج تفاعل معقد بين الفيزياء البصرية والهندسة الإلكترونية وعلوم الحاسوب والطب السريري. فمن خلال استغلال اختلاف امتصاص الضوء داخل الأنسجة تمكن العلماء والمهندسون من جعل شبكة الأوعية الدموية مرئية للعين البشرية دون الحاجة إلى جراحة أو أشعة سينية. إنها قصة تذكّرنا بأن كثيرًا من الابتكارات الطبية الكبرى تبدأ بملاحظة فيزيائية صغيرة داخل مختبر، ثم تتحول عبر الهندسة والإبداع إلى أداة يستخدمها الأطباء يوميًا لتحسين حياة ملايين المرضى حول العالم.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 1 اسبوع
2026/09/22
حين نتحدث عن جغرافية العراق، فإننا لا نتحدث عن الأرض والأنهار والصحراء فقط، بل...
منذ 1 اسبوع
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...