0

بمختلف الألوان
لقد فاضلَ الله سبحانه وتعالى بحسب حكمته في التشريع بين الشهور كما فاضلَ بين الأيّام، وكما فاضل بين السّاعات لأجل أن تكون هذه الفضيلة منبّهات للإنسان على مزيدٍ من الجد والتبصّر والاستعداد للحياة الأخرى. فلو كان الإنسان مدعوّاً إلى عمل الخير في جميع الأوقات على وجهٍ واحدٍ لم يكن له حافز على استثمار... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
مآرب أخرى

منذ ساعتين
في 2026/11/02م
عدد المشاهدات :23

في ليلةٍ من ليالي بغداد الطويلة، حين كان القمر يتسلّل من بين نخيل ضفاف دجلة كأنه يخشى أن يوقظ النائمين، جلس "سليمان الوراق" في دكانه الصغير بسوق السراجين، يعالج كتابًا قديمًا مثقوب الأطراف، وقد اعتاد أن يحاور الكتب كما يحاور الناس.
كان سليمان رجلًا لا يشبه أهل زمانه؛ يحمل في عينيه ذاكرة قرنٍ كامل، ويتكلم بلغةٍ يظنها الناس فصيحةً أكثر مما ينبغي. لم يكن يبيع الكتب بقدر ما كان يبيع الأسرار، فمن يشتري منه ديوانًا قديمًا يخرج وفي جيبه ورقةٌ مطوية لا يعرف من أين جاءت.
دخلت عليه في تلك الليلة امرأةٌ مُلثَّمة، تحمل بين يديها صندوقًا خشبيًا محكم الإغلاق، وقالت بصوتٍ يشبه حفيف الورق:
— أريد أن أبيع لك ما لا يُباع، وأن تشتري مني ما لا يُشترى.
رفع سليمان رأسه ببطء، ثم أشار إلى المقعد المقابل كمن يستقبل قدرًا لا يُرَدّ.
— الكتب تُباع بالدنانير يا سيدتي، والأسرار تُباع بالصمت.
فتحت المرأة الصندوق، فإذا فيه مخطوطةٌ واحدة، جلدها أسود كالليل، وعليها بخطٍّ دقيق عنوانٌ لم يقرأه سليمان من قبل: "مآرب أخرى".
ارتجفت يده وهو يتحسس الحروف، فقد كان يعرف هذا العنوان؛ هو عنوانٌ يتردد في حكايات الوراقين القدماء، يُروى أن صاحبه كان عالمًا في اللغة، جمع فيه كل المعاني التي تختبئ خلف الألفاظ، فإذا قرأها الإنسان عرف ما يريد الناس حقًّا حين يتكلمون. ومن قرأها كاملةً، لم يعد يستطيع أن يكذب، ولا أن يصدّق الكذب.
— من أين لكِ هذه؟ سألها.
— ورثتها عن أبي، وقد ورثها عن جدّي، وكلُّ من امتلكها كان يحمل معه مَأْرَبًا خفيًّا لا يعرفه إلا هو. أما أنا، فقد تعبت من حملها.
قلّب سليمان الصفحات الأولى، فوجد أن كل سطرٍ فيها ليس نصًّا عاديًّا، بل هو مرآةٌ تعكس وجوه القارئ. كلما توقّف عند عبارة، رأى فيها شيئًا من نفسه لم يجرؤ على الاعتراف به: ذنبًا قديمًا، وحبًّا مؤجَّلًا، ووعدًا لم يُوفَ به لأخيه.
ثم وصل إلى صفحةٍ واحدة كُتب فيها:
"ما من كلمةٍ تُقال إلا ولها مأرَبٌ آخر، فاحذر أن تكون المأرَبَ الذي لم تقصده."
أغلق الكتاب فجأة، وقال وهو يلهث:
— هذا الكتاب لا يُشترى، ولا يُقرأ في ليلةٍ واحدة.
— أعلم، قالت المرأة وهي تنهض. ولهذا جئتك أنت. فقد كتبتَ قبل ثلاثين عامًا رسالةً إلى رجلٍ لم تعرفه، وقلت فيها كلامًا جميلًا لم تكن تعنيه حقًّا. وذلك الرجل هو أبي، وقد مات وهو يظن أنك صديقه الوحيد.
ساد الصمت. تذكّر سليمان الرسالة؛ كانت كلماتٍ عابرة كتبها لينال عملًا في مكتبة بعيدة، ولم يفكّر يومًا في أثرها. لكنه الآن يرى أن لكل كلمةٍ مأربًا، وأن مأربه القديم كان أعمق مما ظنّ.
— ما الذي تريدين مني إذن؟ سأل بصوتٍ خافت.
ابتسمت المرأة ابتسامةً حزينة، وقالت:
— أريد أن تقرأ الكتاب إلى آخره، وأن تكتب الصفحة الأخيرة بنفسك.
أمسك سليمان بالمخطوطة، وشعر بثقلها يتجاوز وزن الورق والجلد. وفي الخارج، بدأ الفجر يتسلّل فوق دجلة، والكتاب مفتوح على صفحةٍ بيضاء، تنتظر كلمةً واحدة لم تُكتب بعد.
وفي الصباح، وجدوا دكان الوراق مغلقًا، وعلى بابه ورقةٌ مكتوبٌ عليها بخطٍّ مرتجف:
"لم أكن صديقه، بل كنتُ مأربه الذي لم يعرف."

اعضاء معجبون بهذا

قد يكون الفراق قرارنا ياجورجيو!!
بقلم الكاتب : د.أمل الأسدي
في طفولتنا بكينا مع " جورجيو" في الفلم الكارتوني" نيلز" وكم كرهنا قسوة القائد "أكسا" الذي تخلی عن ربيبه، وتنازل عن أبوته تجاه " جورجيو" وكيف حلّق بعيدا مع سربه من دون الاكتراث بوجع "جورجيو" ومن دون الالتفات أو الإصغاء الی نداءاته المتكررة ولهفته! فلم تحركه صرخاته بكلمة: أبي أبي أبي أكسا... وقد اعترض"... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ 1 اسبوع
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...
منذ 1 اسبوع
2026/10/25
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة وواحد وعشرون: أينشتاين وانحناء الضوء:...
منذ اسبوعين
2026/10/20
خلق الإنسان: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:...