شهر شعبان هو فاصل زمني بين رجب ورمضان، بل هو "المختبر التربوي" الذي تُصهر فيه الشخصية الرسالية. إن تسمية ولاداته بـ "الأقمار" تشير إلى وظيفة النور في تبديد ظلمات الحيرة، حيث تشكل هذه المناسبات منظومة قيمية متكاملة (الإصلاح، الوفاء، العبادة، الأمل) التي لا يمكن تجزئتها إذا أراد المجتمع المسلم تحقيق "المشروع الإلهي" على الأرض ويُعدّ شهر شعبان من الأشهر العظيمة في المنظومة العبادية الإسلامية، إذ تميّز بارتباطه الوثيق بأهل البيت (عليهم السلام)، حتى وُصف في الروايات بأنه شهر النبي (ص)، وفيه تتلألأ مناسبات ولادات أئمة الهدى كأقمارٍ أنارت دروب الهداية قبل بزوغ شمس شهر رمضان المبارك. وتمثّل مناسبات الشهور الدينية في الإسلام محطاتٍ إيمانية مقصودة ضمن المنظومة التربوية للمشروع الإلهي، إذ لم تُشرَّع على نحوٍ عابر أو زماني محض، بل جُعلت حلقاتٍ متكاملة في مسار صناعة الإنسان المؤمن وبناء الأمة الرسالية. فتعاقب الشهور بما تحمله من عبادات وذكريات وشعائر، يُسهم في ترسيخ الوعي الإيماني وربط الفرد بحركة التاريخ الإلهي الممتد من النبوّة إلى الولاية، ومن التكليف إلى التمهيد للعدل الإلهي الشامل في هذه المناسبات ـ كأيام العبادة، والولادات، والوفيات، والمواقف الرسالية ـ بعدًا تربويًا عميقًا، إذ تُعيد إحياء القيم الكبرى كالتوحيد، والعدل، والصبر، والولاية، وتربطها بالواقع العملي للمؤمن. فالمناسبات لا تُستحضر بوصفها أحداثًا تاريخية جامدة، بل بوصفها نماذج حية للاقتداء، تُفعّل الذاكرة الإيمانية وتدفع الإنسان نحو الالتزام الأخلاقي والاجتماعي في إطار المشروع الإلهي العام.
ومن هنا يتّضح أن مناسبات الشهور تمثّل أدوات إعدادٍ مستمر للشخصية المؤمنة، وتُسهم في تهيئة المجتمع لحمل مسؤولية الخلافة الإلهية، ولا سيّما في بُعدها المهدوي، حيث تُنمّي روح الانتظار الواعي، وتحوّل الإيمان من حالة وجدانية إلى مشروع عملٍ وإصلاح. وبذلك تكون هذه المناسبات جزءًا أصيلًا من الحركة الإلهية الهادفة إلى بناء الإنسان الرسالي وتحقيق الوعد الإلهي بإقامة الحق والعدل.
أولا : مكانة شهر شعبان في القرآن والروايات حظي شهر شعبان بعناية خاصة في النصوص الإسلامية، فقد ورد عن النبي الأكرم (ص): «شعبان شهري، رحم الله من أعانني على شهري»، وهو شهر تتنزّل فيه الرحمات وتُرفع فيه الأعمال. كما شكّل شعبان مرحلة إعداد روحي لشهر رمضان، حيث تتكثّف فيه الدعوات إلى الصيام، والاستغفار، والتقرّب إلى الله تعالى عبر ولاية محمد وآل محمد (ص).
ثانيًا : أقمار شعبان من أهل البيت (ع) سُمّيت مناسبات شعبان بـ«الأقمار» لما تحمله من إشراقات ولادات مباركة، أبرزها:
ولادة الإمام الحسين (عليه السلام) في الثالث من شعبان، رمز التضحية والإصلاح، الذي مثّل الامتداد العملي لرسالة جده المصطفى (ص).
ولادة الإمام العباس (عليه السلام) في الرابع من شعبان، عنوان الوفاء والبصيرة والطاعة المطلقة للإمام.
ولادة الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) في الخامس من شعبان، مدرسة الدعاء والارتباط الروحي بالله تعالى.
ولادة الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) في الخامس عشر من شعبان، أمل الإنسانية وبقية الله في أرضه.
هذه الأقمار لم تكن مجرد ولادات تاريخية، بل محطات وعي متجددة تُرسّخ قيم الإيمان، والصبر، والجهاد، والانتظار.
ثالثا : الدلالات المهدوية لشهر شعبان تُعدّ ولادة الإمام المهدي (عج) ذروة إشراقات شعبان، حيث يرتبط الشهر ارتباطًا وثيقًا بثقافة الانتظار الإيجابي، الذي يُنتج إنسانًا واعيًا، مصلحًا، منتظرًا عاملًا لا قاعدًا. فشعبان يربّي الفرد على الاستعداد الروحي والفكري للانخراط في مشروع الإمام المهدي (عج)، من خلال تهذيب النفس، وتعميق الولاية، وإن أقمار شعبان تمثّل منظومة نورانية متكاملة، تُعيد للإنسان بوصلته الإيمانية، وتربطه بأهل البيت (ع) فكرًا وسلوكًا، وتمهّد له طريق الإصلاح الفردي والاجتماعي. ومن هنا، فإن إحياء مناسبات هذا الشهر ليس مجرد طقسٍ عاطفي، بل ممارسة الوعي في بناء هندسة الوجود الإلهي، لا يمر الزمان عبثاً، بل ينساب وفق نظمٍ تربوي غايته "صناعة الإنسان". ومن هنا، يبرز شهر شعبان كـ "مرحلة وسيطة" بالغة الأهمية؛ هو البرزخ النوراني الذي يربط بين "توبة رجب" و"ضيافة رمضان".
إن سرّ العظمة في شعبان يكمن في كونه "شهر المحمدية والولاية". فالمشروع الإلهي في هذا الشهر يطرح رؤية كونية مفادها: أن الطريق إلى الله (في رمضان) لا يُسلك إلا عبر الإنسان الكامل (في شعبان). فلا يمكن للقلب أن يتلقى فيوضات ليلة القدر، ما لم يستضئ أولاً بأنوار الأقمار الشعبانية.
التكامل القيمي:تبدأ الرحلة في الثالث من شعبان بـ "الحسين"، وهو يمثل "الانفجار الروحي" الذي يزلزل ركود النفس، واضعاً مبدأ الإصلاح كأول خطوة في الطريق. ثم يليه "العباس" في الرابع، ليمنح النفس "البصيرة والوفاء"، وهي الأدوات التي تمنع السالك من التراجع. وفي الخامس، يأتي "السجاد" ليحول ذلك الحماس وتلك البصيرة إلى "لغة حوار" مع السماء عبر السجود والدعاء.
التمهيد كغاية: تتوج هذه السلسلة في منتصف الشهر بولادة "المهدي" (عج)، ليكون هو "الشمس" التي ننتظر شروقها، ولكن بعد أن استأنسنا بنور الأقمار. إن المشروع الإلهي هنا يعلمنا أن "الانتظار" ليس حالة من الفراغ، بل هو "امتلاء" بقيم هؤلاء الأئمة.
إننا في شعبان لا نحيي ذكريات ولدت وماتت، بل نستحضر "منظومة حياة". نحن في هذا الشهر نتدرب على أن نكون "أقماراً" تدور في فلك الحجة، لنستحق الدخول في محراب شهر الله بقلوبٍ ممهدة، وأرواحٍ صقلتها ولاية آل محمد.
واعية لبناء الشخصية المهدوية المنتظرة، التي تستعد لاستقبال شهر الله الأكبر بروحٍ نقية، وقلبٍ عامر بالولاية.
واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين







د.أمل الأسدي
منذ 6 ايام
الريفُ العراقيّ .. إضطهادٌ مستمرّ
شباب المواكب الحسينية
كيف تجتهد في دراستك؟
EN