سلسلة في مفاهيم الفيزياء
الجزء الثاني عشر: دالة الموجة ومبدأ عدم اليقين: نظرة في قلب العالم الكمي
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
قد يعترض البعض قائلين إنّه في العالم المجهري يمكن إجراء تجارب تُقاس فيها موضعة وسرعة جسيم بدقة أعلى مما تنص عليه النظرية الكمّية، ومن ثم فإن مبدأ عدم اليقين غير صحيح. مثل هذه الاعتراضات طُرحت في بدايات ميكانيكا الكم، لكن تبيّن أنها غير صائبة.
السبب الجوهري لذلك هو أن جهاز القياس نفسه يخضع لقيود ميكانيكا الكم. فمن غير الممكن قياس كمية بدقة دون التأثير بشكل ملموس في كمية أخرى.
فعلى سبيل المثال، لنفترض أننا نستخدم مجهرًا لقياس موضع جسيم. يكتشف المجهر الضوء المنعكس عن الجسيم، لكن هذا الضوء يتكوّن من فوتونات، ولكل منها كمية حركة. وهكذا، تتغيّر سرعة الجسيم بفعل الضوء المستخدم في قياس موضعه.
ولا يمكن حساب هذه التغيرات بدقة، نظرًا لأن الفوتونات تنطلق في اتجاهات عشوائية بعد التصادم. ويمكن إثبات أن مقدار عدم اليقين الناتج يتوافق مع التنبؤات النظرية.
حتى الآن، اعتبرنا أن الاحتمالية تعتمد على متغيّر واحد فقط، وهو المسافة على طول خط معين. لكن في الواقع، تعتمد الاحتمالية على الموضع في الفضاء ثلاثي الأبعاد. لكن جوهر الفكرة السابقة يظل صحيحًا، ولا يتأثر كثيرًا بانتقالنا إلى الفضاء ثلاثي الأبعاد.
إن عدم اليقين في الموضع في أي اتجاه معين يرتبط دائمًا بعدم اليقين في السرعة في الاتجاه نفسه. وبما أننا نتحدث عن جسيم واحد، يجب أن تكون احتمالية وجوده في نقطة معينة من الفضاء، عند جمعها على جميع النقاط الممكنة، مساوية للواحد الصحيح. وبما أن نقاط الفضاء ليست متقطعة بل مستمرة، يتم هذا الجمع عن طريق التكامل.
قد لا يرغب العديد من القراء في الخوض في هذه التفاصيل التقنية، لذا نوصيهم بالرجوع إلى أي كتاب في ميكانيكا الكم لمن يرغب في فهم أعمق. ومن الحقائق المهمة أن احتمال وجود الجسيم في مجال معين يُعطى بمساحة الجزء الواقع تحت منحنى دالة الاحتمالية.
ولكي نتابع، لا بد أن نتجاوز مفهوم الاحتمالية لننظر إلى الكمية التي تُشتق منها، وهي ما يُعرف بدالة الموجة. ورغم أن تفسير دالة الموجة قد يبدو غامضًا بعض الشيء، إلا أن تعريفها بسيط جدًا. وبما أن هذه الفكرة قد تكون جديدة لبعض القراء، فسوف نخصّص القسم التالي لها.
ندرس نظامًا يتكوّن من جسيم واحد تؤثّر عليه بعض القوى. في الميكانيكا الكلاسيكية، تُحدَّد حالة النظام في أي لحظة زمنية بواسطة موضع الجسيم وسرعته في تلك اللحظة. ومن ثم، فإن الحركة المستقبلية تُحدَّد بشكلٍ فريد عبر حل قانون نيوتن الثاني للحركة، الذي ينص على أن التسارع يساوي القوة مقسومة على الكتلة.
أما في النظرية الكمّية، فتُحدَّد حالة النظام بواسطة دالة موجية. وبدلاً من قانون نيوتن، لدينا معادلة شرودنغر، التي تؤدي دورًا مشابهًا؛ إذ تتيح تحديد الدالة الموجية بشكل فريد في جميع الأوقات، إذا كانت معروفة عند لحظة زمنية ابتدائية. وهكذا، فإن ميكانيكا الكم هي نظرية حتمية للدوال الموجية، تمامًا كما أن الميكانيكا الكلاسيكية حتمية في مواضع الجسيمات.
وها هو لفظ "الحتمية" يعود من جديد، لكن هذه المرة بمعانٍ مختلفة تمامًا.
يتبع في الجزء 13







محمد عبد السلام
منذ 4 ساعات
الغيرة من براءة الطفل إلى توجسات المرأة
تأثير الخلل في الحاضنة على سوء تلقي الدين
كيف قتلت الدارونية (50) مليون من البشر؟!
EN