قال تعالى في محكم كتابه المجيد: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}./(القصص: 23).
عرض القرآن الكريم مجموعة من القصص للعبرة والاتعاظ، وهذه الآية الكريمة التي بين أيدينا تبيّن وبشكل واضح معالم الحياء الطاهرة، وشهامة الرجولة إلى جانب العلاقة الطيبة التي تكون بين المؤمنين من رجالٍ ونساء.
ولو تأملنا في الكلمات القرآنية النوارنية التي حددت التعامل ما بين الجنسين، وفق الضـرورة الملحة مختصرة بكلمات مقتضبة وبيّنة واضحة في هذه الآية الكريمة: {لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}.وهذا إن دلّ فإنه يدلّ على ورع بنات نبيّ الله شعيب(ع) وتقواهنّ وحسن تصـرفهنّ الفطري السليم.
أمّا ما يخصّ النبي موسى(ع) في هذا الموقف قال تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}./ (القصص: 24).
وهذا يدلّ أيضاً على الميزات التي يجب أن يتحلى بها الشاب المؤمن من الأدب والصدق مع النفس، والإخلاص لله، ومراقبته في السـر والعلن، فعندما يصدق فيها الإنسان، فسرعان ما تظهر على جوارحه وسلوكه وتصرفاته، لذا تجد سيّدنا نبي الله موسى(ع) لما انصرف إلى الظل لم تحدّثه نفسه أن يعاود النظر إلى الفتاتين مرة أخرى ليبادلهما النظرات مثلاً، أو ليختلس نظرة أو نظرتين . ولم يؤنب نفسه على عدم استغلال الفرصة في محاولة الإيقاع بهنّ. وإنما جلس مع نفسه ليتوجه إلى الله في ذلّ وخضوع بقوله: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ليؤكد أنه يريد وجه الله في جميع حركاته وسكناته بصدق وإخلاص، ثم بقيت الحدث تحكيه هذه الآية الشريفة:
{فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشـِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا..}/(القصص: 25).
فليتأمل القارئ الكريم في هذه الصورة الجميلة التي وردت في هذه الآية حيث وصفت الحالة التي كانت عليها بنت نبي الله شعيب(ع) حين جاءت تنقل دعوة أبيها إليه وهي حالة أو صفة الحياء إضافة إلى الاحترام الذي أبدته لسيدنا موسى(ع) بعد ما رأت منه الأمانة والشجاعة المملوءتين بالتقوى والإيمان، وهذا ما يفترض أن تقتدي به كل فتاة طاهرة عفيفة.
وهو ما يكشف عن التربية الإيمانية لنبينا شعيب(ع) ، في زرع الثقة في قلوب بناته، مما جعلهنّ يصارحنَ أباهنّ في ما حصل لهنّ ذلك اليوم، ولتستفيدا من أبيهما لما ملكه من خبرة على مدى سنوات، ناهيك عن أنه نبي من أنبياء الله تعالى، وختام المسك:
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}./ (القصص: 26).
إن هذه الآية الكريمة تبين مدى محبة الفتاة لوالدها فعندما رأت ما رأته في النبي موسى(ع) من قوةٍ ومثابرة في أداء العمل الطوعي الذي أقام به من سقي أغنامهما، وصدق في الحديث وأمانة وورع، حبذت أن يستأجره أبوها للعمل في شعابهم ورعي أغنامهم، ولو أمعنا النظر جيداً في هذه الآية الكريمة، نجد أنّ هناك رغبة شديدة لبنات النبي(ع) إلى عدم الخروج من البيت ومزاحمة الرجال لولا الواقع الذي يحتّم عليهنّ الخروج، وهو إعانة والدهنّ في أعمال هي من خصوصيات الرجال؛ لأنهم قد خلقوا للعمل والجهاد، وهذا مما لا تقدر عليه الفتاة كونها غير مهيّأة جسميّاً ونفسيّاً للأعمال الشاقّة، وقد جعل الله أعمالاّ أسمى وأعظم للمرأة والفتاة بوجهٍ خاص.
المصادر
1- ينظر الميزان في تفسير القرآن: 16/25.
2- المنهج الحركي في قصَّة سيدنا موسى(ع) : 1/122.







د.أمل الأسدي
منذ 6 ايام
في شأن التعليم العالي وما يتّصل به ..
في باب عتبة ضريح الإمام
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN