لم تُسفر الأقدار عن ولادة طاغية، بل كان «صخر» بشراً سوياً، حتى أكلت السُّلطة قلبه كما يأكل الصدأ الحديد؛ فاستمرأ الظلم إذ وجده ممرّاً ممهداً، واتخذ من الترهيب سوطاً يطوي به رقاب العباد. اعتلى عرشاً باذخاً، لكنّ قوائمه لم تكن من ذهب، بل كانت مغروسة في أنين الفقراء ومرارة دموع الثكالى. كلما شيد في قصره صرحاً، هدم في بيوت الناس أماناً، وكلما علا زئيره بالأوامر، خنقت هيبته الموهومة صوت الحق. كان يظن أن لمعان السيوف يحرس ملكه، ولم يدرك أن دعاء الأرامل في عتمة الليل يثقب الدروع، وأن صمت السجون ليس هدوءاً، بل هو بركانٌ يغلي بالوجع المؤجل.
مرت الأعوام وهو يقهقه فوق جراحهم، لكن خلف القناع كان يرتجف من ظلّه. وفي ليلةٍ كأنها الفزع، رأى في منامه عرشه يتآكل كالخشب المنخور، ينهار بلا ضجيج ولا لهب. استيقظ والذعر ينهش صدره، ليجد القصر غارقاً في سكونٍ مريب؛ فلا حرس يضربون الأرض بأقدامهم، ولا خدم يهرعون لرضاه. أطل من شرفته على المدينة، فإذا هي جثة هامدة من الصمت، صمتٌ ثقيل كأنه القيامة. ومع بزوغ الفجر، لم يطرق بابه أحد؛ لقد انسحب الجميع من حياته كما ينسحب الضوء من الغرفة المظلمة. لم يثوروا، لم يصرخوا، بل تركوه وحيداً لمصيره. جلس «صخر» على عرشه المهجور يجرجر خيبته، وأدرك في النزع الأخير أن الطاغية لا يموت حين تنكسر سيوفه، بل يسقط حين ينتزع الناس خوفهم من قلوبهم. مات وحيداً، بلا نعيٍ ولا أثر، وبقيت حكايته عبرةً لمن ظن أن القوة تدوم.
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)