أقرأ أيضاً
التاريخ: 23-04-2015
![]()
التاريخ: 2023-12-13
![]()
التاريخ: 7-11-2014
![]()
التاريخ: 2024-04-28
![]() |
هناك للعلماء ـ سلفاً وخلفاً ـ بحوث ودراسات وافية حول مسألة إعجاز القرآن ، مُنذ مطالع القرون الأُولى فإلى هذا الدور ، ولهم كلمات ومقالات ضافية عن وجه هذا الإعجاز المُتحدّي به من أَوّل يومه ، ولا يزال مُستمرّاً عِبر الخلود ولهذه الأبحاث والدراسات قيمتها ووزنها العلمي النظري في كلّ عصر وفي كلّ دور ، وأنّ الفضل يرجع إلى الأسبق ممّن فتح هذا الباب وأَسّس أساس هذا البنيان ، فكان مَن يأتي مِن بعد ، إنّما يجري على منواله ويضرب على ذات وتره ، مهما تغيّر اللون أو تنوّع الأُسلوب . ونحن نقدّم من آراء مَن سلف الأهمّ منها فالأهمّ ، ثُمّ نعقبها بطرف من آراء المتأخّرين ممّن قاربنا عصره ، وعلى أيّ تقدير ، فإنّ مساعيهم جميعاً مشكورة ، ومواقفهم في استنباط حقائق من الكتاب العزيز مقدّرة ، فلله درّهم وعليه أجرهم ، وإليك :
1 ـ رأي أبي سليمان البُستي :
يرى أبو سليمان حمد بن محمّد بن إبراهيم الخطّابي البُستي (1) ( توفّي سنة 388هـ ) في رسالته الوجيزة التي وضعها في بيان إعجاز القرآن ـ ولعلّه أَسبق مِن توسّع في هذا البحث أفاد وأجاد ـ : أنّ الإعجاز قائم بنظمه ، ذلك المتّسق البديع ورصفه ، ذلك المؤتلف العجيب ، قد وُضعت كلّ كلمة في موضعها اللائق بدقّة فائقة ، ممّا يستدعي إحاطة شاملة تعوزها البشرية على الإطلاق ، الأمر الذي أبهر وأعجب .
قال : قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديماً وحديثاً ، وذهبوا فيه كلّ مذهب من القول وما وجدناهم بعدُ ، صَدَروا عن ريٍّ ؛ وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن ، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيّته ، فأمّا أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة (2) بكونه معجزاً للخلق ممتنعاً عليهم الإتيان بمِثله على حال ، فلا موضع لها ، والأمر في ذلك أَبين مِن أن نحتاج إلى أن نُدِلّ عليه بأكثر من الوجود القائم المستمرّ على وجه الدهر ، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه ، وذلك أنّ النبي ( صلّى الله عليه وآله ) قد تحدّى العرب قاطبةً بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه وانقطعوا دونه ، وقد بقيَ ( صلّى الله عليه وآله ) يُطالبهم به مدّة عشرين سنة ، مُظهِراً لهم النكير ، زارياً على أديانهم ، مُسفِّهاً آراءهم وأحلامهم ، حتى نابذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس ، وأُريقت المُهج ، وقُطعت الأرحام ، وذهبت الأموال .
ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم لم يتكلّفوا هذه الأُمور الخطيرة ، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة ، ولم يكونوا تركوا السَهل الدَمِث من القول ، إلى الحَزِن الوعر من الفعل .
هذا مالا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لبّ ، وقد كان قومه قريش خاصّة موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب ، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المفلّقون ، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللَّدَد ، فقال سبحانه : {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } [الزخرف : 58] ، وقال سبحانه : {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم : 97] ، فكيف كان جوز ـ على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة ـ أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه وأن يضربوا عنه صَفحاً ، ولا يجوزوا الفلح والظفر فيه ، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه .
قال : وهذا ـ من وجوه ما قيل فيه ـ أبينُها دلالةً وأَيسرها مؤونةً ، وهو مُقنع لمَن تُنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الإعجاز فيه .
2 ـ اختيار ابن عطيّة :
ولأبي محمّد عبد الحقّ بن غالب المحاربي الغرناطي ـ الفقيه المفسّر ( توفّي سنة 542هـ ) ـ اختيار يشبه اختيار أبي سليمان البُستي ، ولعلّه اختزال منه ، ذَكره في مقدّمة تفسيره ( المحرّر ) ونقله الإمام بدر الدين الزركشي ، مع تصرّف واختصار .
قال ابن عطيّة : إنّ الذي عليه الجمهور والحذّاق ـ وهو الصحيح في نفسه ـ أنّ التحدّي إنّما وقع بنظمه ، وصحّة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه ، ووجه إعجازه أنّ الله قد أحاط بكلّ شيء علماً ، وأحاط بالكلام كلّه علماً ، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم ـ بإحاطته ـ أيّ لفظة تصلح أن تلي الأُولى ، ويتبيّن المعنى دون المعنى ، ثُمّ كذلك من أَوّل القرآن إلى آخره .
والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلومٌ ضرورةً أنّ بشراً لم يكن قطّ مُحيطاً ، فبهذا جاء نظم القرآن ، في الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا النظر يَبطل قول مَن قال : إنّ العرب كان في قدرتها الإتيان بمِثله ، فلمّا جاءهم محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) صُرفوا عن ذلك وعَجزوا عنه ! والصحيح أنّ الإتيان بمِثل القرآن لم يكن قطّ في قدرة أحد مِن المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر ، في أنّ الفصيح منهم يضع خطبةً أو قصيدةً يستفرغ فيها جهده ، ثُمّ لا يزال يُنقِّها حولاً كاملاً ، ثُمّ تُعطى لأحد نظيره فيأخذها بقريحة خاصّة فيُبدّل فيها ويُنقّح ، ثُمّ لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل .
وكتاب الله سبحانه لو نُزعت منه لفظة ، ثمّ أُدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد ، ونحن تتبيّن لنا البراعة في أكثره ، ويخفى علينا وجهها في مواضع ؛ لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذٍ في سلامة الذوق ، وجودة القريحة ، وميز الكلام .
قال : وقامت الحجّة على العالم بالعرب ؛ إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة المعارضة كما قامت الحجّة في معجزة عيسى بالأطبّاء ، وفي معجزة موسى بالسَحَرة ، فإنّ الله تعالى إنّما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أَبرع ما يكون في زمن النبيّ الذي أراد إظهاره ، فكان السحر في مدّة موسى قد انتهى إلى غايته ، وكذلك الطبّ في زمن عيسى ، والفصاحة في مدّة محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) (3) .
3 ـ رأي عبد القاهر الجرجاني :
يرى الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني ( تُوفّي سنة 472هـ ) ـ وهو الواضع الأَوّل لأُسس عِلمَي المعاني والبيان ـ : أنّ إعجاز القرآن الذي تحدّى به العرب قائم بجانب فصاحته البالغة وبلاغته الخارقة ، وبأُسلوب بيانه ذلك البديع ، ممّا هو شأن نظم الكلام وتأليفه في ذلك التنافس والتلاؤم العجيب ، الأمر الذي لا يمسّ شيئاً من معاني القرآن وحِكَمِه وتشريعاته ، وهي كانت موجودةً من ذي قبل في كتب السالفين ، وقد أطلق لهم المعاني من أيّ نمط كانت .
وقد وضع كتابَيه ( أسرار البلاغة ) و( دلائل الإعجاز ) تمهيداً لبيان وجوه إعجاز القرآن لمن مارس أسرار هذا العلم . وثَلّثهما برسالته ( الشافية ) التي خصّصها بالكلام حول إعجاز القرآن والإجابة على أسئلة دارت حول الموضوع .
قال ـ في مقدّمة كتابه ( دلائل الإعجاز ) بعد أن أشاد بشأن النَظم في الكلام وتأليفه وتنسيقه ـ : وإذا كان ذلك كذلك فما جوابنا لخصم يقول لنا : إذا كانت هذه الأُمور الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم موجودة على حقائقها وعلى الصحّة وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه ، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكملوا بمعرفتها ، وكانت حقائق لا تتبدّل ولا يختلف بها الحال ، إذ لا يكون للاسم بكونه خبراً لمبتدأ أو صفة لموصوف أو حالاً لذي حال أو فاعلاً أو مفعولاً لفعل في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر .
فما هذا الإعجاز الذي تجدّد بالقرآن من عظيم مزيّة ، وباهر الفضل ، والعجيب من الوصف ، حتّى أعجز الخلق قاطبةً ، وحتّى قهر من البلغاء والفصحاء القُوَى والقُدَر ، وقيّد الخواطر والفكر ، حتّى خرست الشقاشق (4) وعدم نطق الناطق ، وحتّى لم يجرِ لسان ، ولم يبنِ بيان ، ولم يساعد إمكان ، ولم ينقدح لأحد منهم زند ، ولم يمضِ له حدّ ، وحتّى أَسال الوادي عليهم عجزاً ، وأخذ منافذ القول عليهم أخذاً ؟!
أَيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله ، ونردّه عن ضلاله ، وأن نطبّ لدائه ، ونزيل الفساد عن رائه ؟ فإن كان ذلك يلزمنا فينبغي لكلّ ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه ( يريد نفس كتاب دلائل الإعجاز ) ويستقصي التأمّل لما أودعناه (5) .
وكرّ في الكتاب قائلاً : وإنّه كما يَفضل النظمُ النظمَ ، والتأليفُ التأليفَ ، والنسجُ النسجَ ، والصياغةُ الصياغةَ ، ثُمّ يعظُم الفضل ، وتكثر المزيّة ، حتّى يفوق الشيء نظيره ، والمجانس له درجات كثيرة ، وحتّى تتفاوت القيم التفاوت الشديد ، كذلك يفضل بعضُ الكلام بعضاً ، ويتقدّم منه الشيء الشيء ، ثُمّ يزداد من فضله ذلك ، ويترقّى منزلةً فوق منزلة ، ويعلو مرقباً بعد مَرْقب ، ويستأنف له غاية بعد غاية ، حتّى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع ، وتنحسر الظنون ، وتسقط القُوى ، وتستوي الأقدام في العجز (6) .
ثم قال : واعلم أنّه لا سبيل إلى أن تعرف صحّة هذه الجملة حتّى يبلغ القول غايته ، وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك ، وتصويره في نفسك ، وتقريره عندك ، إلاّ أنّ هاهنا نكتة ، إن أنت تأمّلتها تأمّل المُتثبّت ، ونظرت فيها نظر المُتأنّي ، رجوت أن يحسن ظنّك ، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك ، وهي : إنّا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا : لولا أنّهم حين سمعوا القرآن ، وحين تحدّوا إلى معارضته ، سمعوا كلاماً لم يسمعوا قطّ مِثله ، وأنّهم قد رازوا أنفسهم فأحسّوا بالعجز على أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه ، أو يقع قريباً منه ، لكان محالاً أن يدّعوا معارضته وقد تحدّوا إليه ، وقرعوا فيه ، وطولبوا به ، وأن يتعرّضوا لشبا الأسنّة ويقتحموا موارد الموت .
فقيل لنا : قد سمعنا ما قلتم ، فخبّرونا عنهم ، عمّاذا عجزوا ، أَعَن معانٍ من دقة معانيه وحسنها وصحّتها في العقول ؟ أم عن ألفاظ مِثل ألفاظه ؟ فإن قلتم : عن الألفاظ ، فماذا أَعجزهم من اللفظ ، أم بهرهم منه ؟
فقلنا : أَعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نَظمه ، وخصائص صادفوها في سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها ، ومجاري ألفاظها ومواقعها ، وفي مضرب كلّ مثل ، ومساق كلّ خبر ، وصورة كلّ عظة وتنبيه وإعلام وتذكير وترغيب وترهيب ، ومع كلّ حجّة وبرهان ، وصفة وتبيان ، وبهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة ، وعشراً عشراً ، وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها ، أو يَرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه ، أو أحرى وأخلق ، بل وجدوا اتّساقاً بَهر العقول ، وأَعجز الجمهور ، ونظاماً والتئاماً ، وإتقاناً وإحكاماً ، لم يدع في نفس بليغ منهم لو حكّ بيافوخه السماء موضع طمع حتّى خرست الألسن عن أن تدّعي وتقول ، وخلدت القُروم فلم تملك أن تصول (7) .
ويُعقّب ذلك بأنّ هذه كانت دلائل إعجاز القرآن ، ومزايا ظهرت في نَظمه وسياقه ، بَهرت العرب الأوائل ، فهل ينبغي للفتى الذكي العاقل أن يكون مُقلّداً في ذلك ؟ أم يكون باحثاً ومتتبّعاً كي يعلم ذلك بيقين ؟ ومِن ثَمّ وَضع كتابه الحاضر ( دلائل الإعجاز ) ليَدلّ الناشدينَ على ضالّتهم ، ويضع يدهم على مواقع الإعجاز من القرآن ، ويدعم مُدّعاه في ذلك بالحجّة والبرهان ، والرائد لا يُكذِّب أهله ، قال : وبذلك قد قطعتُ عذرَ المتهاون ، ودللت على ما أضاع من حظّه ، وهدايته لرشده (8) .
وقال ـ في رسالته ( الشافية ) : كيف يجوز أن يظهر في صميم العرب وفي مِثل قريش ذوي الأَنفس الأبيّة والهِمم العليّة والأَنفة والحميّة مَن يدّعي النبوّة ويقول : وحجّتي أنّ الله قد أنزل عليّ كتاباً تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه ، إلاّ أنّكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله ولا بعشر سورٍ منه ولا بسورة واحدة ، ولو جَهدتم جهدَكم واجتمع معكم الجنّ والإنس ، ثُمّ لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبيّنوا سَرَفه في دعواه ، لو كان ممكناً لهم ، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته حدّاً تركوا معه أحلامهم وخرجوا عن طاعة عقولهم ، حتّى واجهوه بكلّ قبيح وَلَقوه بكلّ أذىً ومكروه ووقفوا له بكلّ طريق .
وهل سُمع قطّ بذي عقل استطاع أن يخرس خصمه بكلمة يجيبه بها ، فيترك ذلك إلى أُمور ينسب معها إلى ضيق الذَرع ، وأنّه مغلوب قد أَعوزته الحيلة وعزّ عليه المَخلص ؟ وهل مِثل هذا إلاّ مِثل رجل عَرض له خصم فادّعى عليه دعوى خطيرة وأقام على دعواه بيّنةً ، وكان عند المدّعى عليه ما يُبطل تلك البيّنة أو يُعارضها ، فيترك إظهار ذلك ويضرب عنه الصفح جملةً ، ليصير الحال بينهما إلى جِدال عنيف وإخطار بالمُهج والنفوس ؟ قال : هذه شهادة الأحوال ، وأمّا شهادة الأقوال فكثيرة (9) .
ثمّ قال : في وجه التحدّي ـ : لم يكن التحدّي إلى أن يُعبّروا عن معاني القرآن أنفسها وبأعيانها بلفظ يُشبه لفظه ونَظم يوازي نظمه ، هذا تقدير باطل ، فإنّ التحدّي كان إلى أن يجيئوا ، في أيّ معنى شاءوا من المعاني ، بنَظم يبلغ نظم القرآن ، في الشرف أو يقرُب منه ، يدلّ على ذلك قوله تعالى : {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود : 13] أي مِثله في النظم ، وليكن المعنى مُفترى لِما قلتم ، فلا إلى المعنى دعيتم ، ولكن إلى النظم ... (10) .
قال : ويجزم القول بأنّهم تحدّوا إلى أن يجيئوا في أيّ معنى أرادوا مطلقاً غير مقيّد ، وموسّعاً عليهم غير مضيّق ، بما يشبه نظم القرآن أن يقرب من ذلك (11) .
4 ـ رأي السكّاكي :
يرى أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن علي السكّاكي ـ صاحب ( مفتاح العلوم ) ( توفّي سنة 567 هـ ) ـ أنّ الإعجاز في القرآن أمرٌ يُمكن دركه ولا يمكن وصفه ، والمَدرك هو الذوق ، الحاصل من ممارسة عِلمَي الفصاحة والبلاغة وطول خدمتهما لا غير ، فقد جعل للبلاغة طرفينِ ، أعلى وأسفل وبينهما مراتب لا تُحصى ، والدرجة السُفلى هي التي إذا هبط الكلام عنها شيئاً التَحق بأصوات الحيوانات ، ثُمّ تتزايد درجةً درجةً متصاعدة ، حتّى تبلغ قمّتها وهو حدّ الإعجاز ، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه ، فقد جعل من الدرجة القصوى وما يقرب منها كليهما مِن حدّ الإعجاز .
ثُمّ قال بشأن الإعجاز : واعلم أنّ شأن الإعجاز عجيب ، يُدرك ولا يُمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تُدرك ولا يُمكن وصفها ، وكالمَلاحة ، ومَدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلاّ ، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذينِ العِلمَينِ ( المعاني والبيان ) .
ثمّ أخذ في تحديد البلاغة وإماطة اللثام عن وجوهها المُحتجبة ، وكذا الفصاحة بقسميها اللفظيّ والمعنويّ ، وضرب لذلك مثلاً بآية {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} [هود : 44] وبيان جهاتها الأربع من جهتي المعاني والبيان ، وهما مَرجعا البلاغة ، ومِن جهتي الفصاحة المعنوية واللفظية ، وأسهب في الكلام عن ذلك ، وقال أخيراً : ولله دَرّ التنزيل ، لا يتأمّل العالم آية من آياته إلاّ أدرك لطائف لا تسع الحصر (12) .
وغرضه من ذلك : أنّ لحدّ الإعجاز ذروةً لا يبلغها الوصف ، ولكن يُمكن فهمها ودرك سَنامها ؛ بسبب الإحاطة بأسرار هذين العِلمَينِ ، فهي حقيقة تُدرك ولا توصف .
5 ـ رأي الراغب الأصفهاني :
لأبي القاسم الحسين بن محمّد المعروف بالراغب الأصفهاني ( توفّي سنة 502 هـ ) ـ صاحب كتاب ( المفردات ) ـ رأي في إعجاز القرآن يخصّه ، إنّه يرى من الإعجاز قائماً بسبكه الخاصّ الذي لم يألفه العرب لحدّ ذاك ، فلا هو نثر كنثرهم المعهود ؛ لأنّ فيه الوزن والقافية وأجراس النغم ، ولا هو شعر ؛ لأنّه لم يجرِ مجرى سائر أشعار العرب ولا على أوزانها المعروفة وإن كانت له خاصّية الشعر من التأثير في النفس بلحنه الشعريّ النغميّ الغريب .
قال ـ بعد كلام له في وصف إعجاز القرآن قدّمناه آنفاً (13) ـ :
وهذه الجملة المذكورة ، وإن كانت دالّةً على كون القرآن مُعجزاً ، فليس بمقنع إلاّ بتبيين فصلَينِ :
أحدهما : أن يُبيّن ما الذي هو مُعجز : اللفظ أم المعنى أم النظم ؟ أم ثلاثتها ؟ فإنّ كلّ كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة .
والثاني : أنّ المُعجز هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان ، كإحياء الموتى وإبداع الأجسام .
فأمّا ما كان نوعه مقدوراً ، فمحلّه محلّ الأفضل ، وما كان من باب الأفضل في النوع فإنّه لا يحسم نسبة ما دونه إليه ، وإن تباعدت النسبية حتّى صارت جزءً مِن ألف ، فإن النجّار الحاذق وإن لم يُبلغ شَأوُه لا يكون مُعجزاً إذا استطاع غيره جنسَ فِعْلِه ، فنقول وبالله التوفيق :
إنّ الإعجاز في القرآن على وجهين : أحدهما إعجاز متعلّق بفصاحته ، والثاني بصرف الناس عن معارضته .
فأمّا الإعجاز المتعلّق بالفصاحة : فليس يتعلّق ذلك بعنصريه الذي هو اللفظ والمعنى ؛ وذاك أنّ ألفاظه ألفاظهم ، ولذلك قال تعالى : {قُرْآنًا عَرَبِيًّا } [يوسف : 2] وقال : {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ } [البقرة : 1، 2] تنبيهاً أن هذا الكتاب مُركّب من هذه الحروف التي هي مادّة الكلام .
ولا يتعلّق أيضاً بمعانيه ، فإن كثيراً منها موجود في ( الكتب المتقدّمة ) ولذلك قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء : 196] وقال : {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [طه : 133] ، وما هو مُعجز فيه من جهة المعنى كالإخبار بالغيب فإعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن ، بل هو لكونه خبراً بالغيب ، وذلك سواء كونه بهذا النظم أو بغيره ، وسواء كان مورداً بالفارسيّة أو بالعربيّة أو بلغة أُخرى ، أو بإشارة أو بعبارة .
فإذا بالنَظم المخصوص صار القرآن قرآناً ، كما أنّه بالنَظم المخصوص صار الشعر شعراً ، والخطبة خطبةً .
فالنظم صورة القرآن ، واللفظ والمعنى عنصراه ، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره ، كالخاتم والقُرط والخَلخال اختلفت أحكامها وأسماؤها باختلاف صورها لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضّة ، فإذا ثَبت هذا ثبت أنّ الإعجاز المختصّ بالقرآن متعلّق بالنظم المخصوص .
وبيان كونه مُعجزاً هو أن نُبيّن نظم الكلام ، ثُمّ نُبيّن أنّ هذا النظم مخالف لنظم سائره ، فنقول : لتأليف الكلام خمس مراتب :
الأُولى : النظم : وهو ضمّ حروف التهجّي بعضها إلى بعض ، حتّى تتركّب منها الكلمات الثلاث : الاسم والفعل والحرف .
والثانية : أن يُؤلِّف بعض ذلك مع بعض حتّى تتركب منها الجمل المفيدة وهي النوع الذي يتداوله الناس جميعاً في مخاطباتهم ، وقضاء حوائجهم ، ويُقال له : المنثور من الكلام .
والثالثة : أن يضمّ بعض ذلك إلى بعض ضمّاً له مبادٍ ومقاطع ومداخل ومخارج ، ويُقال له : المنظوم .
والرابعة : أن يُجعل له في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع ، ويقال له : المُسجّع .
والخامسة : أن يُجعل له مع ذلك وزن مخصوص ، ويُقال له : الشعر ، وقد انتهى .
وبالحقّ صار كذلك ، فإنّ الكلام إمّا منثور فقط ، أو مع النثر نظم ، أو مع النظم سجع ، أو مع السجع وزن .
والمنظوم : إمّا محاورة ويُقال له : الخطابة ، أو مكاتبة ويقال لها : الرسالة ، وأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الجملة ، ولكلّ من ذلك نظم مخصوص .
والقرآن حاوٍ لمحاسن جميعه بنَظم ليس هو نظم شيء منها ، بدلالة أنّه لا يصح أن يُقال : ( القرآن رسالة ، أو خطابة ، أو شعر ، كما يَصحّ أن يُقال : هو كلام ، ومَن قرع سمعه فصل بينه وبين سائر النَظم ، ولهذا قال تعالى : {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت : 41، 42] تنبيهاً أنّ تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر ، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأخر .
فإن قيل : ولِمَ لمْ يُبلغ بنظم القرآن الوزن الذي هو الشعر ، وقد عُلم أنّ للموزون من الكلام مرتبةً أعلى مِن مرتبة المنظوم غير الموزون ؛ إذ كلّ موزون منظوم وليس كلّ منظوم موزوناً ؟
قيل : إنما جُنّب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصّية في الشعر منافية للحِكمة الإلهية ، فإنّ القرآن هو مقرّ الصدق ، ومعدن الحقّ ، وقصوى الشاعر : تصوير الباطل في صورة الحقّ ، وتجاوز الحدّ في المدح والذمّ دون استعمال الحقّ في تحرّي الصدق ، حتّى أنّ الشاعر لا يقول الصدق ولا يتحرّى الحقّ إلاّ بالعَرض ، ولهذا يُقال : مَن كان قوّته الخياليّة فيه أكثر كان على قَرض الشعر أقدر ، ومَن كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضه أقصر .
ولأجل كون الشعر مقرّ الكذب ، نزّه الله نبيّه ( صلّى الله عليه وآله ) عنه ؛ لِما كان مُرشّحاً لصدق المَقال ، وواسطة بين الله وبين العباد ، فقال تعالى : {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس : 69] فنفى ابتغاءه له ، وقال : {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} [الحاقة : 41] أي : ليس بقول كاذب ، ولم يعنِ أن ذلك ليس بشعر ، فإنّ وزن الشعر أَظهر مِن أن يشتبه عليهم حتّى يحتاج إلى أن ينفي عنه . ولأجل شهرة الشعر بالكذب سُميّ أصحاب البراهين الأقيسة المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعريّة ، وما وقع في القرآن من ألفاظ مُتّزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العَرض بالاتّفاق ، وقد تكلّم الناس فيه .
وأمّا الإعجاز المتعلّق بصرف الناس عن معارضته فظاهر أيضاً إذا اعتُبر ؛ وذلك أنّه ما مِن صناعة ولا فِعلة من الأفعال محمودةً كانت أو مذمومةً إلاّ وبينها وبين قوم مناسبات خفية واتّفاقات إلهية ، بدلالة أنّ الواحد يُؤثر حِرفة من الحِرف فينشرح صدره بملابستها وتطيعه قُواه في مزاولتها ، فيقبلها باتّساع قلب ، ويتعاطاها بانشراح صدر ، وقد تَضمّن ذلك قوله تعالى {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة : 48] وقول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) : ( اعملوا فكلٌّ مُيسّر لِما خُلق له ) (14) . فلما رُئي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كلّ وادٍ من المعاني بسلاطة ألسنتهم ، وقد دعا الله جماعتهم إلى معارضة القرآن ، وعجزهم عن الإتيان بمِثله ، وليس تهتزّ غرائزهم البتة للتصدّي لمعارضته ، لم يخفَ على ذي لبّ أنّ صارفاً إلهياً يَصرفهم عن ذلك ، وأيّ إعجاز أعظم مِن أن تكون كافّة البلغاء مُخيّرة في الظاهر أن يُعارضوه ، ومُجبرة في الباطن عن ذلك ، وما أليقهم بإنشاد ما قال أبو تمام :
فإنْ نكُ أُهمِلنا فَأَضعِف بِسَعينا وإنْ نَـكُ أُجـبِرنا فَفيمَ نُتَعتِعُ
والله وليّ التوفيق والعصمة (15) .
6 ـ رأي الإمام الرازي :
ولأبي عبد الله محمّد بن عمر بن حسين فخر الدين الرازي ( توفّي سنة 606هـ ) ـ المفسّر المتكلّم الأُصولي الكبير ـ رأي في إعجاز القرآن طريف ، وهو جَمْعه بين أُمور شتّى ، كانت تستدعي هبوطاً في فصاحة الكلام ، لو كان أحد مِن البشر حاول القيام بها أجمع ، لولا أنّ القرآن كلام الله الخارق لَمألوف الناس ، فقد جمع بين أفنان الكلام ، ومع ذلك فقد بلغ الغاية في الفصاحة ، وتسنّم الذروة من البلاغة ، وهذا أمرٌ عجيب !
قال : اعلم أنّ كونه ( القرآن ) معجزاً يُمكن بيانه من طريقينِ :
( الأوَّل ) أن يقال : إنّ هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة : إمّا أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء ، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدرٍ لا ينقض العادة ، أو زائداً عليه بقدرٍ ينقض ، والقسمان الأوّلان باطلان فتعيّن الثالث .
وإنّما قلنا : إنّهما باطلان ؛ لأنّه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمِثل سورة منه إمّا مجتمعينَ أو منفردينَ ، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحُكّام يُزيلون الشبهة ، وذلك نهاية في الاحتجاج ؛ لأنّهم كانوا في معرفة اللغة والاطّلاع على قوانين الفصاحة في الغاية ، وكانوا في مَحبّة إبطال أمره في الغاية ، حتّى بذلوا النفوس والأموال ، وارتكبوا ضروب المَهالك والمِحن ، وكانوا في الحميّة والأَنَفة على حدّ لا يقبلون الحقّ فكيف الباطل ! ، وكلّ ذلك يُوجب الإتيان بما يقدح في قوله ، والمعارضة أقوى القوادح ، فلمّا لم يأتوا بها عِلمنا عَجزهم عنها ، فثبت أنّ القرآن لا يُماثل قولهم ، وأنّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً ، فهو إذاً تفاوت ناقض للعادة ، فوجب أن يكون معجزاً .
واعلم أنّه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نُقصان فصاحته ، ومع ذلك فإنّه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها ، فدلّ ذلك على كونه معجزاً .
أحدها : أنّ فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات ، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو مَلِك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة ، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء ، فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتّفقت العرب عليها في كلامهم .
وثانيها : أنّه تعالى راعى فيه طريقةَ الصدق وتنزّه عن الكذب في جميعه ، وكلّ شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نَزَل شعره ولم يكن جيّداً ، أَلا ترى أنّ لبيد بن ربيعة وحسّان بن ثابت لمّا أَسلما نَزَل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي ، وأنّ الله تعالى مع ما تنزّه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى .
وثالثها : أنّ الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنّما يتّفق في القصيدة في البيت والبيتينِ والباقي لا يكون كذلك ، وليس كذلك القرآن ؛ لأنّه كلّه فصيح بحيث يعجز الخَلق عنه كما عجزوا عن جملته .
ورابعها : أنّ كلّ مَن قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنّه إذا كرّره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأَوّل ، وفي القرآن التَّكرار الكثير ، ومع ذلك كلّ واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلاً .
وخامسها : أنّه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحثّ على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثالُ هذه الكلمات تُوجب تقليل الفصاحة .
وسادسها : أنّهم قالوا في شعر امرئ القيس : يَحسن عند الطرب وذِكر النساء وصِفة الخَيل ، وشِعر النابغة عند الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخَمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء ، وبالجملة فكلّ شاعر يحسن كلامه في فنّ ، فإنّه يَضعف كلامه في غير ذلك الفنّ ، أمّا القرآن فإنّه جاء فصيحاً في كلّ الفنون على غاية الفصاحة .
أَلا ترى أنّه سبحانه وتعالى قال في الترغيب : {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة : 17] وقال تعالى : {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف : 71].
وقال في الترهيب : {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ } [الإسراء : 68] ، وقال : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك : 16] ، وقال : {كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} [إبراهيم : 15 - 17] .
وقال في الزجر مالا يبلغه وَهْم البشر ، وهو قوله : {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا} [العنكبوت : 40] .
وقال في الوعظ ما لا مَزيد عليه {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} [الشعراء : 205].
وقال في الإلهيّات : {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} [الرعد : 8] .
وسابعها : أنّ القرآن أصل العلوم كلّها ، فعِلم الكلام كلّه في القرآن ، وعِلم الفقه كلّه مأخوذ من القرآن ، وكذلك علم أُصول الفقه ، وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا ، وأخبار الآخرة ، واستعمال مكارم الأخلاق .
ومَن تأمّل كتابنا في دلائل الإعجاز (16) علم أنّ القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى .
( الطريق الثاني ) أن نقول : إنّ القرآن لا يخلو إمّا أن يُقال إنّه كان بالغاً في الفصاحة إلى حدّ الإعجاز ، أو لم يكن كذلك . فإن كان الأَوّل ثبت أنّه معجز ، وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة ، فعدم إتيانهم بالمعارضة ، مع كون المعارضة ممكنةً ، ومع توفّر دواعيهم على الإتيان بها أَمر خارق للعادة ، فكان ذلك معجزاً ، فثبت أنّ القرآن معجز على جميع الوجوه ، وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب (17) .
وكلامه هذا الأخير لعلّه ترجيح للقول بالصِّرفة !
7 ـ كلام الشيخ الطوسي :
وللشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ـ شيخ الطائفة ، ( توفّي سنة 460 ) ـ تحقيق مستوفٍ بشأن إعجاز القرآن ، أورده في كتابه ( الاقتصاد ) الذي وضعه على أُسس عِلم الكلام ، وحقّق فيه أُصول العقيدة على مباني الإسلام نذكر منه ما ملخّصه :
قال : الاستدلال على صدق النبوّة بالقرآن يتمّ بعد بيان خمسة أُمور :
1 ـ إنّه ظهر بمكّة وادّعى النبوّة .
2 ـ إنّه تحدّي العرب بهذا القرآن .
3 ـ إنّه لم يُعارضوه في وقت من الأوقات .
4 ـ وكان ذلك لعجزهم عن المعارضة .
5 ـ وإنّ هذا كان لتعذّر خَرق العادة .
فإذا ثبت ذلك أَجمع دلّ على أنّ القرآن معجز ، سواء كان لفصاحته البالغة أَم لأنّ الله صرفهم عن ذلك ، وأيّ الأمرينِ ثبت ثبتت نبوّته ( عليه السلام ) .
أَمّا ظهوره بمكّة وادّعاؤه النبوّة فضروري ، وكذا ظهور القرآن على يده وتحدّيه للعرب أن يأتوا بمِثله ؛ لأنّه صريح القرآن في مواضع عديدة .
وأمّا أنّه لم يُعارض ؛ فلأنّه لو كان عُورض لوجب أن يُنقل ، ولو نُقل لعُلم ؛ لأنّ الدواعي متوفرة إلى نقله ، ولأنّ المعارض لو كان لكان هو الحجّة دون القرآن ، ونَقل الحجّة أَولى من نقل الشبهة .
والذي يدعو إلى المعارضة ـ لو أَمكَنت ـ ونَقْلِها هو طلب التخليص ممّا أُلزموا به من ترك أديانهم ومفارقة عاداتهم وبطلان ما ألفوه من الرئاسات ؛ ولذلك نقلوا كلام مسيلمة والأسود العنسي وطليحة مع ركاكته وسخافته وبُعده عن دخول الشبهة فيه .
ولا يمكن دعوى الخوف من أنصاره وأتباعه ؛ إذ لا موجب للخوف مع ضعف المسلمين بمكّة وعلى فرضه فلا يمنع نقله استسراراً ، أو في سائر البلاد النائية كالروم والحبشة وغيرهما ، كما نُقل هجاؤهم وسبّهم ، وكان أفحش وكان أدعى للخوف إن كان .
وإذا ثبت أنّهم لم يُعارضوه فإنّما لم يُعارضوه للعجز ؛ لأنّ كلّ فعل لم يقع مع توفّر الدواعي لفاعله وشدّة تداعيه عليه قَطَعنا على أنّه لم يُفعل للتعذّر ، وقد توفّرت دواعي العرب إلى معارضته فلم يفعلوها ، وقد تكلّفوا المَشاقّ من أجله . فقد بذلوا النفوس والأموال وركبوا الحروب العِظام ودخلوا الفتن طلباً لإبطال أمره فلو كانت المعارضة ممكنةً لهم لما اختاروا الصعب على السهل ؛ لأنّ العاقل لا يَترك الطريق السهل ويَسلك الطريق الوعر الذي لا يبلغ معه الغرض إلاّ أن يختلّ عقله أو يُسفه رأيه ، والقوم لم يكونوا بهذه الصفة .
وليس لأحد أن يقول : إنّهم اعتقدوا أنّ الحرب أنجح من المعارضة فلذلك عدلوا إليها ، وذلك أنّ النبيّ ( عليه السلام ) لم يدّعِ النبوّة فيهم بالغَلَبة والقَهر ، وإنّما ادّعى معارضة مثل القرآن ، ولم يكن احتمال حرب إذ ذاك ، ثُمّ مع قيام الحرب كانوا في الأغلب مغلوبينَ مقهورينَ ، فكان يجب أن يقوموا بالمعارضة ، فإن أَنجَعت وإلاّ عدلوا إلى الحرب .
فإن قالوا : خافوا أن يلتبس الأمر فيَظنّ قوم أنّه ليس مثله ، قيل قد حصل المطلوب ؛ لأنّ الاختلاف حينذاك يُوجب الشبهة ، فكان أَولى من الترك الذي يَقوى معه شبهة العجز .
وليس لهم أن يقوموا : لم تتوفّر دواعيهم إلى ذلك ؛ لأنّهم تحمّلوا المَشّاق ، والعاقل لا يتكلّف ذلك إذا لم تتوفّر دواعيه إلى إبطال دعوى خصمه .
فإن قالوا : إنّما لم يُعارضوه ؛ لأنّ في كلامهم ما هو مِثله أو مُقاربه ، قلنا : هذا غير مُسلّم ، وعلى فرض التسليم فإنّ التحدّي وقع لعجزهم فيما يأتي ، فلو كان في كلامهم مِثله فهو أَبلغ لعجزهم في تحقّق التحدّي بالعجز عن الإتيان بمِثله في المستقبل .
فإن قيل : واطأه قوم من الفصحاء ، قيل : هذا باطل ؛ لأنّه كان ينبغي أن يُعارضه مَن لم يواطئه ، فإنّهم ـ وإن كانوا أَدون منهم في الفصاحة ـ كانوا يقدرون على ما يقاربه ـ على الفرض ـ لأنّ التفاوت بين الفصحاء لا ينتهي إلى حدّ يَخرق العادة . على أنّ الفصحاء المعروفينَ والبُلغاء المشهورينَ في وقته كلّهم كانوا منحرفينَ عنه ، كالأعشى الكبير الذي في الطبقة الأُولى ومَن أَشبهه مات على كفره ، وكعب ابن زهير أَسلَم في آخر الأمر وهو في الطبقة الثانية وكان من أعدى الناس له ( عليه السلام ) ، ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي من الطبقة الثالثة أَسلما بعد زمان طويل ومع ذلك لم يَحظيا في الإسلام بطائل ، على أنّه لو كان لكان ينبغي أن يوافقوه على ذلك ويقولون له : الفصحاء المُبرزون واطأُوك ووافقوك ، فإنّ الفُصحاء في كلّ زمان لا يخفون على أهل الصناعة .
فإن قيل : لِمَ لا يكون النبيّ ( عليه السلام ) ـ وهو أفصح العرب ـ قد تأتّى منه القرآن ، وتَعذّر على غيره ، أو تعمله في زمان طويل فلمْ يتمكّنوا من معارضته في زمان قصير ؟
قيل : هذا لا يتوجّه على مَن يقول بالصِّرفة ؛ لأنّه يجعل صَرف هِممهم عن ذلك دليلاً على الإعجاز ، ولو فُرض تمكّنهم من المعارضة .
وأمّا مَن قال : إنّ جهة الإعجاز في الفصاحة والبيان ، فإنّ كون النبيّ ( عليه السلام ) أفصح لا يمنع من أن يُقارنوه أو يُدانوه ، كما هو المتعارف بينهم في المعارضة ومقارنة الشعر ، على أنّ العرب لم يتفوّهوا بذلك ولمْ يقولوا له : أنت أَفصحنا ، فلذلك يتعذّر علينا ما يتأتّى منك ، وأمّا احتمال التعمّل فباطل ؛ لأنّه ( عليه السلام ) عارضهم في مدّة طويلة أَكثير من عشرين عاماً يتحدّاهم طول المدّة .
قال : وإذ قد ثبت أنّ القرآن مُعجز لمْ يضرّنا أن لا نعلم من أيّ جهة كان إعجازه ، غير أنّا نُومئ إلى جملة من الكلام فيه :
كان المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي رحمة الله عليه يختار أنّ جهة إعجازه الصِّرفة ، وهي : أنّ الله تعالى سَلب العرب العلوم التي كانت تتأتّى منهم بها الفصاحة التي هي مِثل القرآن متى راموا المعارضة ، ولو لمْ يسلبهم ذلك لكان يتأتّى منهم . وبذلك قال النظّام وأبو إسحاق النصيبي أخيراً .
وقال قوم : جهة الإعجاز الفصاحة المُفرطة التي خَرقت العادة من غير اعتبار النَظم ، ومنهم مَن اعتبر النَظم والأُسلوب مع الفصاحة ، وهو الأقوى . وقال قوم : هو معجز لاختصاصه بأُسلوب مخصوص ليس في شيء من كلام العرب .
وقال قوم : تأليف القرآن ونَظمه مستحيل من العباد ، كاستحالة الجواهر والألوان .
وقال قوم : كان معجزاً لما فيه من العِلم بالغائبات .
وقال آخرون : كان مُعجزاً لارتفاع الخلاف والتناقض فيه ، مع جريان العادة بأنّه لا يخلو كلام طويل من ذلك .
وأقوى الأَقوال عندي قول مَن قال : إنّما كان معجزاً خارقاً للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النَظم المخصوص ، دون الفصاحة بانفرادها ، ودون النَظم بانفراده ، ودون الصِّرفة .
وإن كنت نصرتُ في شرح الجمل (18) القول بالصِّرفة ، على ما كان يذهب إليه المرتضى ( رحمه الله ) من حيث شرحت كتابه ، فلم يَحسن خلاف مذهبه .
قال : والذي يدلّ على ما قلناه واخترناه : أنّ التحدّي معروف بين العرب بعضهم بعضاً ، ويعتبرون في التحدّي معارضة الكلام بمثله في نَظمه ووصفه ؛ لأنّهم لا يعارضون الخُطب بالشعر ولا الشعر بالخُطب ، والشعر لا يُعارضه أيضاً إلاّ بما كان يوافقه في الوزن والرويّ والقافية ، فلا يُعارضون الطويل بالرَّجَز ، ولا الرَّجَز بالكامل ، ولا السريع بالمتقارب ، وإنّما يُعارضون جميع أوصافه .
فإذا كان كذلك فقد ثبت أنّ القرآن جمع الفصاحة المُفرطة والنَظم الذي ليس في كلام العرب مثله ، فإذا عجزوا عن معارضته فيجب أن يكون الاعتبار بهما .
فأمّا الذي يدلّ على اختصاصها بالفصاحة المُفرطة فهو أنّ كلّ عاقل عرف شيئاً من الفصاحة يعلم ذلك ، وإنّما في القرآن من الفصاحة ما يزيد على كلّ فصيح ، وكيف لا يكون كذلك وقد وجدنا الطبقة الأُولى قد شهدوا بذلك وطربوا له ، كالوليد ابن المغيرة والأعشى الكبير وكعب بن زهير ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي ، ودخل كثير منهم في الإسلام ، ككعب والنابغة ولبيد ، وهَمَّ الأعشى بالدخول في الإسلام فمنعه من ذلك أبو جهل وفزّعه ، وقال إنّه يُحرّم عليك الأطيبَينِ الزنا والخمر . فقال له : أمّا الزنا فلا حاجة لي فيه لأنّي كبرت ، وأمّا الخمر فلا صبرَ لي عنه ، واُنظر فَأَتته المنيّة واختُرم دون الإسلام .
والوليد بن المغيرة تحيّر حين سمعه ، فقال : سمعت الشعر ، والرَّجَز وليس برَجَز ، والخُطب وليس بخُطب ، وليس له اختلاج الكَهَنة ، فقالوا له : أنت شيخنا ، فإذا قلت هذا صَعفت قلوبنا ، ففكّر ، وقال : قولوا : هو سحر ، معاندةً وحسداً للنبيّ . فأنزل الله تعالى هذه الآية {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [المدثر : 18 - 24] ، فمَن دفع فصاحة القرآن لم يكن في حيّز مَن يُكَلَّم .
وأمّا اختصاصه بالنظم فمعلوم ضرورةً ؛ لأنّه مَدرك مسموع ، وليس في شيء من كلام العرب ما يشبه نظمه ، مِن خطبة أو شعر على اختلاف أنواع وَصْفاته ، فاجتماع الأمرين منه لا يمكن دفعهما (19) .
_______________________________
1- نسبة إلى بُست مدينة من بلاد كابل كانت محلّ إقامته ، وينتهي نسبه إلى زيد بن الخطّاب أخي عمر بن الخطّاب ، أديب لغوي ومحدّث كبير ، قيل : هو أوّل من كتب في الإعجاز وطرق هذا الباب .
لكن ذَكَر ابن النديم لمحمّد بن زيد الواسطي ـ الذي هو من أجلّة المتكلّمين وكبارهم وصاحب كتاب ( الإمامة ) المُتوفّى سنة 307هـ ـ كتاباً أسماه ( إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه ) ، ( راجع الفهرست : ص63 و259، والذريعة : ج2 ، ص232 ، رقم 917 ) .
وقبله أبو عبيدة معمّر بن المثنّى ( توفيّ سنة 209هـ ) له كتاب ( إعجاز القرآن ) في جزءَين ، وهو مِن أَوّل الدراسات القرآنية التي ظهر فيها الاتجاه إلى الكشف عن أسرار أُسلوب القرآن ، وقد نشره الخانجي بمصر سنة 1955م ( راجع مقدّمة الطبعة الثانية لكتاب ( ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ) : ص5 ، والتمهيد : ج1 ، ص8 ) .
2- أَي أُلقيت في النفوس إلقاءً ، وهو قول قريب من القول بالصرفة ، ومِن ثَمّ رفضه .
3- المحرّر الوجيز : المقدّمة ج1 ، ص71 ـ 72 ، وراجع الزركشي في البرهان : ج2 ، ص97 .
(4) الشقاشق : جمع شقشقة ـ بكسر الشين ـ وهي لهاة البعير أو شيء كالرئة يُخرجه البعير من فيه إذا هاج ، ويُقال للفصيح : هدرتْ شقاشقه ، يُريدون الانطلاق في القول وقوّة البيان ، ويُقال في مقابل ذلك : خرست شقاشقه .
(5) في مقدمة دلائل الإعجاز : ص ( ف ـ ص ) .
(6) دلائل الإعجاز : ص25 ـ 26 .
7المصدر نفسه : ص 27 ـ 28 .
8-المصدر نفسه : ص29.
9- الشافية ( المطبوعة ضمن ثلاث رسائل ) : ص120 ـ 122 .
10- الشافية : ص141 و144 .
11- المصدر نفسه : 141 و144 .
12-مفتاح العلوم : ص196 ـ 199 .
13- في ص 12 ـ 14 .
14- مسند أحمد : ج 4 ص 67 .
15- عن مقدّمته على التفسير : 104 ـ 109 .
16- المُسمّى بـ ( نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز ) طبع سنة 1985 بيروت .
17- التفسير الكبير : ج2 ، ص115 ـ 116 ذيل الآية 23 من سورة البقرة .
18- في كتابه ( تمهيد الأُصول ) شرحاً على القسم النظري من ( جُمَل العلم والعمل ) وقد طُبع أخيراً سنة 1362هـ . ش . في جامعة طهران ، وسننقل كلامه عند التعرّض للقول بالصِّرفة .
19- الاقتصاد في أُصول الاعتقاد : ص166 ـ 174 .
|
|
"إنقاص الوزن".. مشروب تقليدي قد يتفوق على حقن "أوزيمبيك"
|
|
|
|
|
الصين تحقق اختراقا بطائرة مسيرة مزودة بالذكاء الاصطناعي
|
|
|
|
|
قسم شؤون المعارف ووفد من جامعة البصرة يبحثان سبل تعزيز التعاون المشترك
|
|
|