

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
عدد من أخبار الإمام الغيبيّة
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج12، ص43-107
2026-03-23
20
لقد امتحنّا إخباره عليه السلام، فوجدناه موافقاً. فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كإخباره عن الضربة التي يُضربُ بها في رأسه فتخضب لحيته.
وإخباره عن قتل الحسين -ابنه- عليهما السلام، وما قاله في كربلاء حين مروره بها.
وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده.
وإخباره عن الحجّاج بن يوسف الثقفيّ، وعن يوسف بن عمر، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان.
وما قدّمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم، وصلب من يصلب، وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
وإخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها.
وإخباره عن عبد الله بن الزبير، وقوله فيه: خَبٌّ ضَبٌّ،[1] يَرُومُ أمْراً ولَا يُدْرِكهُ، يَنْصِبُ حَبَالَةَ الدِّينِ لِاصطِيَادِ الدُّنْيَا، وهُوَ بَعْدُ مَصْلُوبُ قُرَيْشٍ.
وكإخباره عن هلاك البصرة لحرب أهلها. وهلاكها تارة اخرى بالزنج، وهو الذي صحّفه قوم، فقالوا: بالريح.
وكإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان، وتنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببني رزيق (بتقديم الراء المهملة على الزاي المعجمة) وهم آل مصعب الذين منهم طاهر بن الحسين وولده، وإسحاق بن إبراهيم. وكانوا هم وسلفهم دعاة الدولة العبّاسيّة.
وكإخباره عن الأئمّة الذين ظهروا من ولده بطبرستان، كالناصر، والداعي، وغيرهما، في قوله عليه السلام: وإنَّ لآلِ مُحَمَّدٍ بِالطَّالَقَانِ لَكَنْزاً سَيُظْهِرُهُ اللهُ إذَا شَاءَ. دُعَاؤُهُ حَقٌّ، يَقُومُ بِإذْنِ اللهِ فَيَدْعُو إلَى دِينِ اللهِ.
وكاخباره عن مقتل ذي النفس الزكيّة بالمدينة، وقوله: إنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ أحْجَارِ الزَّيْتِ. وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة: يُقْتَلُ بَعْدَ أنْ يَظْهَرَ ويُقْهَرُ بَعْدَ أنْ يَقْهَرَ.
وقوله فيه أيضاً: يَأتِيهِ سَهْمُ غَرْبٍ يَكُونُ فِيهِ مَنِيَّتُهُ. فَيَا بُؤْسَاً لِلرَّامي! شُلَّتْ يَدُهُ، ووَهَنَ عَضُدُهُ.
وكإخباره عن قتلى وَجّ،[2] وقوله فيهم: هُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ.
وكإخباره عن المملكة العلويّة بالغرب، وتصريحه بذكر كتامة، وهم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلّم. وكقوله وهو يشير إلى أبي عبد الله المهديّ: وهُوَ أوَّلُهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ صَاحِبُ القَيْرَوَانِ[3] الغَضُّ البَضُّ، ذُو النَّسَبِ المَحْضِ، المُنْتَجَبُ مِنْ سُلَالَةِ ذِي البَدَاءِ، المُسَجَّى بِالرِّدَاءِ.
وكان عبيد الله المهديّ أبيضاً مترفاً مشرباً بحُمرة، رخص البدن، تارّ الأطراف.[4] وذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمّد عليهما السلام. وهو المسجّى بالرداء، لأنّ أباه الصادق عليه السلام سجّاه بردائه لمّا مات. وأدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه، ليعلموا موته، وتزول عنهم الشبهة في أمره.
وكإخباره عن بني بويه وقوله فيهم: ويَخْرُجُ مِنْ دَيْلَمَانَ بَنُو الصَّيَّادِ.
إشارة إليهم. وكان أبوهم صيّاد السمك يصيد منه بيده ما يتقوّت هو وعياله بثمنه. فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكاً ثلاثة،[5] ونشر ذرّيّتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم. وكقوله عليه السلام فيهم: ثُمَّ يَسْتَشْرِي أمْرُهُمْ حَتَّى يَمْلِكُوا الزَّوْرَاءَ ويَخْلَعُوا الخُلَفَاءَ. فقال له قائل: فكم مدّتهم يا أمير المؤمنين؟ فقال: مِائَةٌ أوْ تَزِيدُ قَلِيلًا.
وكقوله فيهم: والمُتْرَفُ ابْنُ الأجْذَمِ، يَقْتُلُهُ ابْنُ عَمِّهِ عَلَى دِجْلَةَ. وهو إشارة إلى عِزِّ الدَّوْلَةِ بختيار بن مُعِزِّ الدَّوْلَةِ أبي الحسين. وكان مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أقطع اليد، قطعت يده للنكوص في الحرب. وكان ابنه عِزُّ الدَّوْلَةِ بختيار مترفاً، صاحب لهو وشرب. وقتله عَضُدُ الدَّوْلَةِ فَنَّاخُسْرُو ابن عمّه بقصر الجُصّ على دجلة في الحرب، وسلبه ملكه.
وأمّا خلعهم للخلفاء، فإنّ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ خلع المُسْتَكْفِي، ورتّب عوضه المُطِيعَ لِلَّهِ. وبَهَاءُ الدَّوْلَةِ أبو نصر بن عَضُد الدّوْلَةِ خلع الطَّائِعَ لِلَّهِ ورتّب عوضه القَادِرَ بِاللهِ. وكانت مدّة ملكهم كما أخبر به عليه السلام.
وكإخباره عليه السلام لعبد الله بن عبّاس رحمه الله تعالى عن انتقال الأمر إلى أولاده. فإنّ عليّ بن عبد الله لمّا ولد، أخرجه أبوه عبد الله إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأخذه، وتفل في فيه وحنّكه بتمرة قد لاكها، ودفعه إليه، وقال: خُذْ إلَيْكَ يَا أبَا الأمْلَاكِ. هكذا الرواية الصحيحة. وهي التي ذكرها أبو العبّاس المبرّد في «الكامل» وليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة، ولا منقولة من كتاب معتمد عليه.
وكم له من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى، ممّا لو أردنا استقصاءه لكرّسنا له كراريس كثيرة. وكتب السير تشتمل عليها مشروحة.
فإن قلتَ: لما ذا غلا الناس في أمير المؤمنين عليه السلام، فادّعوا فيه الإلهيّة لإخباره عن الغيوب التي شاهدوا صدقها عياناً. ولم يغلوا في رسول الله صلى الله عليه وآله فيدّعوا له الإلهيّة، وأخباره عن الغيوب الصادقة قد سمعوها وعلموها يقيناً. وعلى هذا كان النبيّ أولى بذلك، لأنّه الأصل المتبوع، ومعجزاته أعظم، وأخباره عن الغيوب أكثر؟!
قلتُ: إنّ الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله، وشاهدوا معجزاته، وسمعوا إخباره عن الغيوب الصادقة عياناً، كانوا أشدّ آراءً، وأعظم أحلاماً، وأوفر عقولًا من تلك الطائفة الضعيفة العقول، السخيفة الأحلام الذين رأوا أمير المؤمنين عليه السلام في آخر أيّامه، كعبد الله بن سبأ وأصحابه، فإنّهم كانوا من ركاكة البصائر وضعفها على حال مشهورة. فلا عجب عن مثلهم أن تستخفّهم المعجزات، فيعتقدوا في صاحبها أنّ الجوهر الإلهيّ قد حلّه، لاعتقادهم أنّه لا يصحّ من البشر هذا إلّا بالحلول.
وقد قيل: إنّ جماعة من هؤلاء كانوا من نسل النصارى واليهود، وقد كانوا سمعوا من آبائهم وسلفهم القول بالحلول في أنبيائهم ورؤسائهم، فاعتقدوا فيه عليه السلام مثل ذلك.
ويجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملحدين أرادوا إدخال الإلحاد في دين الإسلام. فذهبوا إلى ذلك. ولو كانوا في أيّام رسول الله صلى الله عليه وآله، لقالوا فيه مثل هذه المقالة، إضلالًا لأهل الإسلام، وقصداً لإيقاع الشبهة في قلوبهم. ولم يكن في الصحابة مثل هؤلاء. ولكن قد كان فيهم منافقون وزنادقة، ولم يهتدوا إلى هذه الفتنة، ولا خطر لهم مثل هذه المكيدة.
وممّا ينقدح لي من الفرق بين هؤلاء القوم، وبين العرب الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ هؤلاء من العراق وساكني الكوفة، وطينة العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء وأصحاب النحل العجيبة والمذاهب البديعة. وأهل هذا الإقليم أهل بَصَر وتدقيق ونظر، وبحث عن الآراء والعقائد، وشبه معترضة في المذاهب. وقد كان منهم في أيّام الأكاسرة مثل: ماني، ودَيصان، ومزدك، وغيرهم.
وليست طينة الحجاز هذه الطينة، ولا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان. والغالب على أهل الحجاز الجفاء، والعجرفة، وخشونة الطبع. ومن سكن المدن منهم كأهل مكّة، والمدينة، والطائف، فطباعهم قريبة من طباع أهل البادية بالمجاورة. ولم يكن فيهم من قبلُ حكيم ولا فيلسوف، ولا صاحب نظر وجدل، ولا موقع شبهة، ولا مبتدع نحلة. ولهذا نجد مقالة الغلاة طارئة وناشئة من حيث سكن عليّ عليه السلام بالعراق والكوفة، لا في أيّام مقامه بالمدينة، وهي أكثر عمره.
ثمّ شرع ابن أبي الحديد بشرح ألفاظ الخطبة وكلماتها وعباراتها بمقدار غير قليل. وقال في شرح كلامه عن انقراض الحكومة الأمويّة: ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُم كَتَفْرِيجِ الأدِيمِ: هذا الكلام إخبار عن ظهور المسوَّدة، وانقراض ملك بني اميّة. ووقع الأمر بموجب إخباره صلوات الله عليه، حتى لقد صدق قوله: لَقَدْ تَوَدُّ قُرَيْشٌ ... الكلام إلى آخره؛ فإنّ أرباب السير كلّهم نقلوا أنّ مروان بن محمّد (مروان الحمار، آخر حاكم أمويّ غاصب) قال يوم الزاب،[6] لمّا شاهد عبد الله بن على بن عبد الله بن عبّاس بإزائه في صفّ خراسان: لَوَدِدْتُ أنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ تَحْتَ هَذِهِ الرَّايَةِ بَدَلًا مِنْ هَذَا الفَتَى. والقصّة طويلة وهي مشهورة.
وهذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السير، وهي متداولة منقولة مستفيضة، خطب بها عليّ عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان. وفيها ألفاظ لم يوردها الشريف الرضيّ رحمه الله. من ذلك قوله عليه السلام: وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا غَيْرِي ولَوْ لَمْ أكُ فِيكُمْ مَا قُوتِلَ أصْحَابُ الجَمَلِ والنَّهْرَوَانِ. وأيْمُ اللهِ لَوْ لَا أنْ تَتَّكِلُوا فَتَدَعُوا العَمَلَ لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُبْصِراً لِضَلَالَتِهِمْ، عَارِفاً لِلْهُدَى الذي نَحْنُ عَلَيْهِ. سَلُونِي قَبْلَ أنْ تَفْقِدُونِي، فَإنِّي مَيِّتٌ عَنْ قَرِيبٍ أوْ مَقْتُولٌ بَلْ قَتْلًا، مَا يَنْتَظِرُ أشْقَاهَا أنْ يَخْضِبَ هَذِهِ بِدَمٍ، وضَرَبَ بِيَدِهِ إلَى لِحْيَتِهِ. (قوله: عارفاً للهدى ... أي مقامات ودرجات منحهم الله، وإلى أي مدى رفع مقامهم، وكرّم منزلتهم).
ومنها في ذكر بني اميّة: يَظْهَرُ أهْلُ بَاطِلهَا عَلَى أهْلِ حَقِّهَا، حتى تَمْلأ الأرْضَ عُدْوَاناً وظُلْماً وبِدَعاً إلَى أنْ يَضَعَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ جَبَرُوتَهَا، ويَكْسِرَ عَمَدَهَا، ويَنْزِعَ أوْتَادَهَا. ألَا وإنَّكُمْ مُدْرِكُوهَا، فَانْصُرُوا قَوْماً كَانُوا أصْحَابَ رَايَاتِ بَدْرٍ وحُنَيْنٍ، ولَا تُمَالِئُوا عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، فَتَصْرَعَكُمُ البَلِيَّةُ وتَحِلَّ بِكُمُ النِّقْمَةُ.
ومنها: إلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ العَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ، إذَا رَآهُ أطاعَهُ، وإنْ تَوَارَى عَنْهُ شَتَمَهُ. وأيْمُ اللهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ حَجَرٍ لَجَمَعَكُمُ اللهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ.
ومنها إخباره بقيام الإمام المهديّ عليهما السلام: فَانْظُرُوا أهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ! فَإنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وإنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فَانْصُرُوهُمْ، فَلَيُفَرِّجَنَّ اللهُ الفِتْنَةَ بِرَجُلٍ مِنَّا أهْل البَيْتِ. بِأبِي ابْنُ خِيَرَةِ الإمَاءِ، لَا يُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ هَرْجاً هَرْجاً، مَوْضُوعاً عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أشْهُرٍ حتى تَقُولَ قُرَيْشٌ: لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا. يُغْريه اللهُ بِبَنِي امَيَّةَ حتى يَجْعَلَهُمْ حُطَاماً ورُفَاتاً مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا .[7]
فان قيل: لما ذا قال الإمام: «و لو لم أكُ فيكم، لما قوتل أهل الجمل وأهل النهروان» ولم يذكر صفّين؟
قيل: لأنّ الشبهة كانت في أهل الجمل وأهل النهروان ظاهرة الالتباس، لأنّ الزبير وطلحة موعودان بالجنّة، وعائشة موعودة أن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله في الآخرة، كما هي زوجته في الدنيا. وحال طلحة والزبير في السَّبْق والجهاد والهجرة معلومة. وحال عائشة في محبّة رسول الله صلّى الله عليه وآله لها وثنائه عليها، ونزول القرآن فيها (في قصّة الإفك) معلومة. وأمّا أهل النهروان فكانوا أهل قرآن وعبادة... [8] واجتهاد، وعزوف عن الدنيا، وإقبال على امور الآخرة، وهم كانوا قرّاء أهل العراق وزهّادهم. وأمّا معاوية فكان فاسقاً، مشهوراً بقلّة الدين، والانحراف عن الإسلام. وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص، ومن اتّبعهما من طَغام أهل الشام وأجلافهم وجهّال الأعراب. فلم يكن أمرهم خافياً في جواز محاربتهم واستحلال قتالهم، بخلاف حال من تقدّم ذكره. فإن قيل: ومن هذا الرجل الموعود به الذي قال عليه السلام عنه: بأبي ابْنُ خِيَرَةِ الإمَاءِ؟ قيل: أمّا الإماميّة فيزعمون أنّه إمامهم الثاني عشر، وأنّه ابن أمَة اسمها نَرْجِس.
وأمّا أصحابنا فيزعمون أنّه فاطميّ يولد في مستقبل الزمان، لُامّ ولد (الأمَة التي تنجب بعد مواقعة مولاها إيّاها). وليس بموجود الآن.
فإن قيل: فمن يكون من بني اميّة في ذلك الوقت موجوداً، حتى يقول عليه السلام في أمرهم ما قال من انتقام هذا الرجل منهم، حتى يودّوا لو أنّ عليّاً عليه السلام كان المتولّي لأمرهم عوضاً عنه؟ قيل: أمّا الإماميّة فيقولون بالرجعة، ويزعمون أنّه سيعاد قوم بأعيانهم من بني اميّة وغيرهم، إذا ظهر إمامهم المنتظر، وأنّه يقطع أيدي أقوام وأرجلهم، ويسمل عيون بعضهم، ويصلب قوماً آخرين، وينتقم من أعداء آل محمّد المتقدّمين والمتأخّرين.
وأمّا أصحابنا فيزعمون أنّه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلًا من ولد فاطمة عليها السلام ليس موجوداً الآن، وأنّه يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جوراً وظلماً، وينتقم من الظالمين، وينكّل بهم أشدّ النكال، وأنّه لُامّ وَلَد كما قد ورد في هذا الأثر وفي غيره من الآثار، وأنّ اسمه محمّد كاسم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنّه إنّما يظهر بعد أن يستولي على كثير من الإسلام ملك من أعقاب بني اميّة، وهو السفيانيّ الموعود به في الخبر الصحيح.
وهو من ولد أبي سفيان بن حرب بن اميّة، وأنّ الإمام الفاطميّ يقتله ويقتل أشياعه من بني اميّة وغيرهم. وحينئذٍ ينزل المسيح عليه السلام من السماء، وتبدو أشراط الساعة، وتظهر دابّة الأرض، ويبطل التكليف، ويتحقّق قيام الأجساد عند نفخ الصور، كما نطق به الكتاب العزيز.
فإن قيل: فإنّكم قلتم فيما تقدّم: إنّ الوعد إنّما هو بالسفّاح وبعمّه عبد الله بن عليّ، والمسوّدة، وما قلتموه الآن مخالف لذلك. قيل: إنّ ذلك التفسير هو تفسير ما ذكره الرضيّ رحمه الله من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في «نهج البلاغة». وهذا التفسير هو تفسير الزيادة التي لم يذكرها الرضيّ، وهي قوله: بِأبِي ابْنُ خَيرَةِ الإمَاءِ. وقوله: لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا. فلا مناقضة بين التفسيرين.[9]
نقلنا هذا الشرح كلّه عن ابن أبي الحديد في شرحه، لأنّه وثيقة قويّة ومعتبرة -من حيث السند- لمعجزات أمير المؤمنين عليه السلام وإخباره بالغيب، وإن كان ابن أبي الحديد عامّيّ المذهب، معتزليّ الاصول، شافعيّ الفروع، بَيدَ أنّ له مقاماً شامخاً حقّاً من حيث سعة الاطّلاع، والقدرة الأدبيّة، والتمكّن من العربيّة والشعر والعلم، والإلمام بالتأريخ والكلام والجدل، وحبّ أمير المؤمنين عليه السلام وعرفانه عرفاناً يفوق الوصف. اللّهُمَّ احْشُرْهُ مَعَ مَنْ يَتَولَّاهُ ويُحِبُّهُ، وأبْعِدْهُ مِمَّنْ يَتَبَرَّا مِنْهُ ويُبْغِضُهُ!
وذكر المجلسيّ رضوان الله عليه في كتابه الشريف «بحار الأنوار» في «باب معجزات كلامه من إخباره بالغائبات وعلمه باللغات» هذه التفاصيل كلّها نقلًا عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، مع إضافاته حتى بداية قوله: إن قَلتَ، قلتُ، لفظاً بلفظ.[10]
وقال العلّامة الميرزا حبيب الله الهاشميّ الخوئيّ في شرحه على «نهج البلاغة» بعد نقله شرح ابن أبي الحديد برمّته: قال شرّاح «نهج البلاغة»: هذه الفقرات ثُمّ يُفَرِّجُ اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الأدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً ويَسُوقُهُمْ عُنْفاً إشارة إلى انقراض دولة بني اميّة بظهور بني العبّاس، كما هو مذكور في كتب السير والتواريخ. ولكنّ الأظهر بملاحظة الزيادات الآتية في رواية سُليم بن قيس الهلاليّ، وإبراهيم الثقفيّ في كتاب «الغارات» -و لم يذكرها السيّد الرضيّ، ولا ابن أبي الحديد- أنّها إشارة إلى ظهور السلطنة الإلهيّة والدولة القائميّة. وعلى هذا يكون قول أمير المؤمنين عليه السلام: يَسُومُهُمْ خَسْفَاً إشارة إلى خسف الأرض بجيش السفيانيّ في البيداء، كما هو مرويّ في أخبار الرجعة.
وعلى الاستظهار، يكون كلام أمير المؤمنين عليه السلام: فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا ومَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً ولَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لأقبَلَ مِنْهُمْ مَا أطْلُبُ اليَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونَنِي، الذي فسّره ابن أبي الحديد بكلام مروان بن محمّد يوم الزاب حين رأى جيش عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، إشارة إلى ظهور الإمام المهديّ، والتمنّي الذي يتحقّق عند قيامه.
ثمّ ذكر العلّامة الخوئيّ تحت عنوان: تكملة، هذه الخطبة مع جميع إضافاتها عن العلّامة المجلسيّ، عن كتاب «الغارات» لإبراهيم بن محمّد الثقفيّ. وله بيان عن «بحار الأنوار» أيضاً، عن كتاب سليم بن قيس الهلاليّ.[11] ومن الواضح في هاتين الروايتين أنّ المراد من القائم على الظالمين وبني اميّة هو السيّد الفاطميّ ابن الأمَة، وهو نفسه المقصود في كلتا الفقرتين، لا أنّه السفّاح في موضع، والقائم عليه السلام في موضع آخر.
وجاء في رواية إبراهيم الثقفيّ وسُليم أيضاً أنّ أهل صفّين ذكروا مع أهل الجمل، وأهل النهروان: ولَوْ لَمْ أكُ فِيكُمْ مَا قُوتِلَ أصْحَابُ الجَمَلِ ولَا أهْلُ صِفِّينٍ ولَا أهْلُ النَّهْروَانِ.[12] ثُمّ قال الخوئيّ في التعليقة وهو يوضّح معنى الزاب: الزاب نهر بالموصل. وروى الشارح المعتزليّ ابن أبي الحديد في شرح الخطبة المائة والرابعة أنّه لمّا نزل مروان بالزاب، جرّد من رجاله ممّن اختاره من أهل الشام، والجزيرة، وغيرها مائة ألف فارس على مائة ألف فارح، ثمّ نظر إليهم وقال: إنَّها العُدَّةُ ولَا تَنْفَعُ العُدَّةُ إذَا انْقَضَتِ المُدَّةُ.
ولمّا أشرف عبد الله بن عليّ يوم الزاب في المسوّدة، وفي أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت، أقبل مروان على رجل بجنبه وقال: أ لا تعرّفني من صاحب جيشهم؟ فقال: عبد الله بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلّب. قال مروان: وَيْحَكَ! من ولد العبّاس هو؟! قال: نعم! قال: واللهِ لَوَدَدْتُ أنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ مَكَانَهُ في هَذَا الصَفِّ.
قال ذلك الرجل: تقول هذا لعليّ مع شجاعته التي ملأ الدنيا ذكرها؟!
قال مروان: وَيْحَكَ! إنَّ عَلِيَّاً عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ شَجَاعَتِهِ صَاحِبُ دِينٍ، والدِّينُ غَيْرُ المُلْكِ.[13]
ومن الامور الغيبيّة التي أخبر بها أمير المؤمنين عليه السلام خبر يرتبط ببقاء الخوارج، وعدم هلاكهم جميعهم.
جاء في «نهج البلاغة»: لمّا قُتِل الخوارج، قيل له: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! هَلَكَ القَوْمُ بِأجْمَعِهِمْ. فَقَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: كَلَّا! واللهِ إنَّهُمْ نُطَفٌ في أصْلَابِ الرِّجَالِ وقَرارَاتِ النِّسَاءِ، كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ، قُطِعَ حتى يَكُونَ آخرُهُمْ لَصُوصاً سَلَّابِينَ.
(أي: يبلغ الخوارج من الوضاعة حدّاً أنّهم لا ينهضون من أجل الحكومة والرئاسة ولا يستندون إلى مذهب، ولا يدعون إلى عقيدة، شأنهم شأن اللصوص والأشرار وقطّاع الطرق).
و قال عليه السلام فيهم: لَا تَقْتُلُوا الخَوَارِجَ بَعْدِي! فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الحَقَّ فَأخْطَأهُ كَمَنْ طَلَبَ البَاطِلَ فَأدْرَكَهُ. (يعني معاوية وأصحابه).[14]
وقال ابن أبي الحديد بعد أن ذكر أشخاصاً كثيرين من الخوارج ولدوا بعد أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يسلكوا طريق أسلافهم، بل كان همّهم إخافة السبيل والفساد في الأرض، واكتساب الأموال من غير حلّها؛ ومن المشهورين برأي الخوارج الذين تمّ بهم صدق قول أمير المؤمنين عليه السلام: إنّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء: عكرمة مولى ابن عبّاس، ومالك بن أنَس الأصبَحي الفقيه.[15] يروي عنه أنّه كان يذكر عليّاً عليه السلام وعثمان وطلحة، والزبير، فيقول: والله ما اقتتلوا إلّا على الثريد الأعفَر.[16]
ونُسب أبو العبّاس محمّد بن يزيد المبرّد إلى رأي الخوارج أيضاً لإطنابه في كتابه المعروف ب- «الكامل» في ذكرهم وظهور الميل منه إليهم.[17]
وقال ابن أبي الحديد في شرح كلام الامام: لا تقتلوا الخوارج بعدي: مراده أنّ الخوارج ضلّوا بشبهة دخلت عليهم. وكانوا يطلبون الحقّ؛ ولهم في الجملة تمسّك بالدين، ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها، وإن أخطأوا فيها. وأمّا معاوية فلم يكن يطلب الحقّ. وإنّما كان ذا باطل لا يحامي عن اعتقاد قد بناه على شبهة. وأحواله كانت تدلّ على ذلك، فإنّه لم يكن من أرباب الدين، ولا ظهر عنه نُسُك، ولا صلاح حال. وكان مترفاً يُذهب مال الفيء في مآربه، وتمهيد ملكه، ويصانع به عن سلطانه. وكانت أحواله كلّها مؤذنة بانسلاخه عن العدالة، وإصراره على الباطل. وإذا كان كذلك، لم يَجُز أنّ ينصُر المسلمون سلطانه، وتحارب الخوارج عليه وإن كانوا أهل ضلال، لأنّهم أحسن حالًا منه.
فإنّهم كانوا ينهون عن المنكر، ويرون الخروج على أئمّة الجور واجباً. وعند أصحابنا أنّ الخروج على أئمّة الجور واجب. وعند أصحابنا أيضاً أنّ الفاسق المتغلّب بغير شبهة يعتمد عليها لا يجوز أن ينصر على من يخرج عليه ممّن ينتمي إلى الدين، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر بل يجب أن يُنصر الخارجون عليه، وإن كانوا ضالّين في عقيدة اعتقدوها بشبهة دينيّة دخلت عليهم، لأنّهم أعدل منه، وأقرب إلى الحقّ، ولا ريب في تلزّم الخوارج بالدين، كما لا ريب في أنّ معاوية لم يظهر عنه مثل ذلك.[18]
لا يصّح ما ذكره ابن أبي الحديد من تقديم الخوارج على الفاسق المتغلّب إلّا إذا كانت الشبهة العارضة للخوارج ترتبط بالمسائل الفرعيّة. وأمّا في المسائل الاصوليّة كالتوحيد، والمعاد، والإمامة والولاية، فلا ريب في أنّ المؤمن بالله والمعاد، والرسالة، والولاية مقدّم على الخوارج، وإن ظهر منه فسق، ولا يمكن نصر الخوارج عليه. وأمّا معاوية فقد كان أمير المؤمنين يرى عليه السلام قتاله واجباً بعده، لا قتال الخوارج، فلأنّ معاوية لم يكن له دين، ولم يعتقد بالله، والمعاد، والإسلام. وما آمن إلّا مكرهاً في فتح مكّة، وكان يُحسَبُ من المنافقين حقّاً.
ومن أخبار الإمام الغيبيّة، خبره في مروان بن الحكم. فقد جاء في «نهج البلاغة»: اخذ مروان بن الحكم أسيراً يوم الجمل فاستشفع الحسن والحسين عليهما السلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فكلّماه فيه فخلّى سبيله.
وعلى هذا فمروان بن الحكم طليق الإمام. وفي ضوء ذلك لم يكن أولاد أبي سفيان وحدهم أبناء الطلقاء، بل كان بنو مروان كافّة أبناء الطلقاء أيضاً. فاولئك طلقاء النبيّ، وهولاء طلقاء الوصيّ.
فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين.
قَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: أولَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ[19] قَتْلِ عُثمَانَ؟ لَا حَاجَةَ لِي في بَيْعَتِهِ، إنَّهَا كَفٌّ يَهُودِيَّةٌ. لَوْ بَايَعَنِي بِكَفِّهِ لَغَدَرَ بِسُبَّتِهِ. أمَا إنَّ لَهُ إمْرَةً كَلَعْقَةِ الكَلْبِ أنْفَهُ. وهُوَ أبُو الأكْبُشِ الأرْبَعَةِ، وسَتَلْقَى الامَّةُ مِنْهُ ومِنْ وَلَدِهِ يَوْماً أحْمَرَ.[20]
قال ابن أبي الحديد: قد روى هذا الخبر من طرق كثيرة، ورويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب «نهج البلاغة»، وهي قوله عليه السلام في مروان: يَحْمِلُ رَايَةُ ضَلَالَةٍ بَعْدَ مَا يَشِيبُ صُدْغَاهُ. وإنَّ لَهُ إمْرَةً ... إلى آخر الكلام.
ثمّ قال: والأكْبُش الأربعة بنو عبد الملك: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام ... ولم يل الخلافة من بني اميّة ولا من غيرهم أربعة إخوة إلّا هؤلاء؛ وكلّ الناس فسّروا الأكبش الأربعة بما ذكرناه. وعندي أنّه يجوز أن يعني به بني مروان لصُلبه، وهم: عبد الملك، وعبد العزيز، وبِشر، ومحمّد، وكانوا كباشاً أبطالًا أنجاداً. أمّا عبد الملك فولي الخلافة. وأمّا بشر فولي العراق. وأمّا محمّد فولي الجزيرة. وأمّا عبد العزيز فولي مصر. ولكلّ منهم آثار مشهورة. وهذا التفسير أولى، لأنّ الوليد وإخوته أبناء ابنه، وهؤلاء بنوه لصُلبه.
ويقال لليوم الشديد يوم أحمر. وللسنة ذات الجدب: سنة حمراء. وكلّ ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكلام وقع كما أخبر به. كذلك قوله: يَحْمِلُ رَايَةَ ضَلَالَةٍ بَعْدَ مَا يَشِيبُ صُدْغَاهُ. فإنّه ولى الخلافة وهو ابن خمس وستّين في أعدل الروايات.[21]
وذكر المجلسيّ هذه الخطبة في «بحار الأنوار»، في باب إخبار الإمام بالمغيّبات وعلمه باللغات، مع كلا التفسيرين المتعلّقين ببني مروان لصُلبه، أو بني عبد الملك لصُلبه.[22]
ومن جملة إخبار الإمام بالغيب خطبة خطبها في معاوية وزعمه ونعيقه بالشام، ومن ثمّ تحرّكه إلى الكوفة على رأس جيش جرّار. وهذه الخطبة في «نهج البلاغة». قال عليه السلام فيها:
الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ أوَّلٍ، والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ. بِأوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أنْ لَا أوَّلَ لَهُ، وبِآخِريَّتِهِ وَجَبَ أنْ لَا آخِرَ لَهُ. وأشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، شَهَادَةً يُوافِقُ فِيهَا السِّرُّ الإعْلَانَ والقَلْبُ اللِّسَانَ. أيُّهَا النَّاسُ! لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي، ولَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي، ولَا تَتَرَامُوا بِالأبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْتَمِعُونَهُ مِنِّي. فَوَ الَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إنَّ الذي انَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ. مَا كَذَبَ المُبَلِّغُ (رسول الله) ولَا جَهِلَ السَّامِعُ (وهو أنا).
وَ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلَى ظِلِّيلٍ نَعَقَ بِالشَّامِ وفَحَصَ بِرَايَاتِهِ في ضَوَاحِي كُوفَانَ. فَإذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، واشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ، وثَقُلَتْ في الأرْضِ وَطْأتُهُ. عَضَّتِ الفِتْنَةُ أبْنَاءَهَا بِأنْيَابِهَا، ومَاجَتِ الحَرْبُ بِأمْوَاجِهَا، وبَدَا مِنَ الأيَّامِ كُلُوحُهَا، وبَدَا مِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا.
فَإذَا أيْنَعَ زَرْعُهُ، وقَامَ عَلَى يَنْعِهِ، وهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ، وبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ، عَقَدَتْ رَايَاتُ الفِتَنِ المُعْضِلَةِ وأقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ والبَحْرِ المُلْتَطِمِ. هَذَا وكَمْ يَخْرِقُ الكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ، ويَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ. وعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ القُرُونُ بِالقُرُونِ، ويُحْصَدُ القَائِمُ، ويُحْطَمُ المَحْصُودُ.[23]
قال المجلسيّ رضوان الله عليه: قيل: المراد بالضلّيل معاوية. وقيل أيضاً: السُّفيانيّ وقال ابن أبي الحديد: المراد عبد الملك بن مروان، لأنّ هذه الصفات كانت فيه أتمّ منها في غيره، لأنّه أقام بالشام حين دعا إلى نفسه، وهو معنى نعيقه. وفحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق، وقتل مصعباً. وتارة لمّا استخلف الامراء على الكوفة، كأخيه بشر بن مروان وغيره، حتى انتهى الأمر إلى الحجّاج، وهو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك وثقل وطأته.
وحينئذٍ صعب الأمر جدّاً، وأقبلت الفتن واحدة تلو الاخرى. إذ اصطدم بالخوارج، وحارب عبد الرحمن بن الأشعث. ولمّا كمل أمر عبد الملك، هلك. وعقدت رايات الفتن المعضلة بعده كحروب أولاده مع بني المهلّب، ومع زيد بن عليّ عليه السلام. ومثل الفتن الواقعة بالكوفة أيّام يوسف بن عمر، وخالد القسريّ، وعمر بن هُبَيرة، وغيرهم. وما حدث في عهدهم من ضروب الفساد والظلم، وذهاب النفوس، وتضييع الأموال.[24]
وقد قيل: إنّ الإمام كنّى عن معاوية وما حدث في أيّامه من الفتن، وما حدث بعده من فتنة يزيد، وعبيد الله بن زياد، وواقعة الحسين عليه السلام. والأوّل أرجح، لأنّ معاوية في أيّام أمير المؤمنين عليه السلام كان قد نعق بالشام، ودعاهم إلى نفسه. والكلام يدلّ على إنسان ينعق فيما بعد. ألا تراه يقول: لَكَأنِّي أنْظُرُ إلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعِقَ بِالشَّامِ.[25]
وقال المجلسيّ بعد أن فسّر كلمات هذه الخطبة: سيأتي كثير من الأخبار في كتاب «الفتن» للبُرْسيّ، من كتاب «مشارق أنوار اليقين».
وروى عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يوماً جالساً في نجف الكوفة، فقال لمن حوله: مَنْ يَرَى مَا أرى؟ فقالوا: ومَا تَرَى يَا عَيْنَ اللهِ النَّاظِرَةَ في عِبَادِهِ؟
فقال عليه السلام: أرى بعيراً يحمل جنازة ورجلًا يسوقه ورجلًا يقوده، وسيأتيكم بعد ثلاثة أيّام. فلمّا كان اليوم الثالث، قدم البعير والجنازة مشدودة عليه، ورجلان معه. فسلّما على الإمام وعلى الجماعة. فقال لهما أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن حيّاهم: مَن أنتم؟ ومِن أين أقبلتم؟ ومَن هذه الجنازة؟! ولما ذا قدمتم؟!
فقالوا: نحن من اليمن. وأمّا الميّت فأبونا. وإنّه عند الموت أوصى إلينا فقال: إذا غسّلتموني وكفّنتموني وصلّيتم عَلَيّ، فاحملوني على بعيري هذا إلى العراق فادفنوني هناك بنجف الكوفة!
فقال لهما أمير المؤمنين عليه السلام: هل سألتماه لما ذا؟ فقالا: أجل قد سألناه، فقال: يُدْفَنُ هُنَاكَ رَجُلٌ لَوْ شَفَعَ في يَوْمِ القِيَامَةِ لأهْلِ المَوْقِفِ لَشُفِّعَ. فقام أمير المؤمنين عليه السلام وقال: صَدَق؛ أنَا واللهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ.[26]
ومن الأخبار الغيبيّة للإمام عليه السلام خبر يتعلّق بصاحب الزنج الذي عبّأ جيشاً نحو البصرة، وقتل الناس، ودمّر الدور. ومنها خبر في وصف الأتراك الذين ارتكبوا مذابح جماعيّة بحقّ الناس.
أمّا صاحب الزنج، فقد قال عليه السلام في «نهج البلاغة» ضمن وصف الملاحم والوقائع التي تحدث في البصرة: يَا أحْنَفُ، كَأنِّي بِهِ وقَدْ سَارَ بِالجَيْشِ الذي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ، ولَا لَجَبٌ، ولَا قَعقَعَةُ لُجُمٍ، ولَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ، يُثِيرُونَ الأرْضَ بِأقْدَامِهِمْ كَأنّها أقْدَامُ النَّعَامِ (يُومِئُ بِذَلِكَ إلَى صَاحِبِ الزَّنْجِ. ثُمَّ قَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ:)
وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ العَامِرَةِ والدُّورِ المُزَخْرَفَةِ التي لَهَا أجْنِحَةٌ كَأجْنِحَةِ النُّسُورِ، وخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الفِيلَةِ، مِنْ اولَئِكَ الَّذِينَ لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، ولَا يُفْتَقَدُ غَائِبُهُمْ. أنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، ونَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا.[27]
قال المجلسيّ: قوله عليه السلام: «يثيرون الأرض»؛ لأنّ أقدامهم في الخشونة كحوافر الخيل. وقيل: كناية عن شدّة وطئهم الأرض ليلائم قوله: «لا يكون له غبار».
وأمّا قوله عليه السلام: «كأنّها أقدام النعام»؛ لمّا كانت أقدام الزنج في الأغلب قصاراً عراضاً منتشرة الصدر مفرّجات الأصابع، فأشبهت أقدام النعام. وأجنحة الدور التي شبّهها بأجنحة النسور رواشنها وما يعمل من الأخشاب والبواري بازرة عن السقوف لوقاية الحيطان وغيرها من الأمطار وشعاع الشمس. وخراطيمها ميازيبها التي تطلى بالقار تكون نحواً من خمسة أذرع (مترين ونصف تقريباً) تدلى من السطوح حفظاً للحيطان. وأمّا قوله عليه السلام: «لا يُندب قتيلهم»؛ فقيل: إنّه وصف لهم بشدّة البأس والحرص على القتال، وقيل: لأنّهم كانوا عبيداً غرباء لم يكن لهم أهل وولد وعشيرة. وقيل: «لا يفتقد غائبهم»، وصف لهم بالكثرة، وإنّهم إذا قتل منهم قتيل، سدّ مسدّه غيره.[28]
وتحدّث ابن أبي الحديد بالتفصيل عن تاريخ صاحب الزنج وظهوره وهزيمته.[29] قال: فأمّا صاحب الزنج هذا فإنّه ظهر في فرات البصرة سنة خمس وخمسين ومأتين رجل زعم أنّه عليّ بن محمّد بن أحمد بن عيسى ابن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فتبعه الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ في البصرة. وأكثر الناس يقدحون في نسبه وخصوصاً الطالبيّين (أبناء أبي طالب سواء كانوا فاطميّين أم سائر العلويّين وغير العلويّين) ... وجمهور النسّابين اتّفقوا على أنّه من عبد القيس، وأنّه عليّ بن محمّد بن عبد الرحيم، وامّه أسديّة من أسد بن خزيمة، جدّها محمّد بن حكيم الأسديّ من أهل الكوفة، أحد الخارجين مع زيد بن عليّ بن الحسين عليه السلام على هشام بن عبد الملك. فلمّا قتل زيد، هرب فلحق بالري، وجاء إلى القرية التي يقال لها ورزنين، فأقام بها مدّة. وبهذه القرية ولد عليّ بن محمّد صاحب الزنج، وبها منشؤه. وكان أبو أبيه المسمّى عبد الرحيم رجلًا من عبد القيس، كان مولده بالطالقان، فقدم العراق، واشترى جارية سنديّة، فأولدها محمّداً أباه.
إلى أن قال: وقد ذكر المسعوديّ في كتابه المسمّى «مروج الذهب» أنّ أفعال عليّ بن محمّد صاحب الزنج تدلّ على أنّه لم يكن طالبيّاً، وتصدّق ما رُمي به من دعوته في النسب. لأنّ ظاهر حاله كان ذهابه مذهب الأزارقة (فرقة من فرق الخوارج) في قتل النساء، والأطفال، والشيخ الفاني، والمريض. وقد روى أنّه خطب مرّة، فقال في أوّل خطبته: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ. وكان يرى الذنوب كلّها شركاً. ومن الناس من يطعن في دينه ويرميه بالزندقة والإلحاد، وهذا هو الظاهر من أمره، لأنّه كان متشاغلًا في بدايته بالتنجيم والسحر والأصْطُرْلَاب.[30]
وذكر أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ أنّ عليّ بن محمّد شخص من سامرّاء، وكان يعلّم الصبيان بها، ويمدح الكتاب، ويستميح الناس في سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين، فادّعى بها أنّه عليّ بن محمّد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ودعا الناس بهَجَر إلى طاعته.[31]
إلى أن قال: وذكر عنه أنّه عند مصيره إلى البادية، أوهم أهلها أنّه يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.[32]
إلى أن قال: ثمّ صار إلى بغداد، فأقام بها سنة، وانتسب في هذه السنة إلى محمّد بن أحمد بن عيسى بن زيد.[33]
إلى أن قال: وانتسب صاحب الزنج في هذه الأيّام إلى محمّد بن محمّد بن زيد بن عليّ بن الحسين، بعد انتسابه الذي كان إلى أحمد بن عيسى بن زيد. وذلك لأنّه بعد إخرابه البصرة، جاء إليه جماعة من العلويّة الذين كانوا بالبصرة، وأتاه فيمن أتاه منهم قوم من ولد أحمد بن عيسى بن زيد. فلمّا خافهم ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى، وانتسب إلى محمّد بن زيد.[34] ثمّ انتقل إلى يحيى بن زيد، وهو كاذب لأنّ الإجماع واقع على أنّ يحيى بن زيد مات ولم يعقب، ولم يولد له إلّا بنت واحدة ماتت، وهي ترضع.[35]
إلى أن قال ابن أبي الحديد: ذكر عليّ بن الحسين المسعوديّ في «مروج الذهب» أنّ هذه الوقعة بالبصرة، هلك فيها من أهلها ثلاثمائة ألف إنسان. وأنّ عليّ بن أبان المهلّبيّ بعد فراغه من الوقعة، نصب منبراً في الموضع المعروف ببني يشكُر، صلى فيه يوم الجمعة، وخطب لعليّ بن محمّد صاحب الزنج، وترحّم بعد ذلك على أبي بكر، وعمر، ولم يذكر عثمان ولا عليّاً عليه السلام في خطبته. ولعن أبا موسى الأشعريّ، وعمرو ابن العاص، ومعاوية ابن أبي سفيان. قال المسعوديّ: وهذا يؤكّد ما ذكرناه وحكيناه من رأيه، وإنّه كان يذهب إلى قول الأزارقة.[36]
وأمّا جيش الأتراك المقصود به جيش جنكيز خان التتريّ، فقد قال في «نهج البلاغة» بعد كلامه السابق: كَأنِّي أرَاهُمْ قَوْماً كَأنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطَرَّقَةُ، يَلْبَسُونَ السَّرَقَ والدِّيبَاجَ، ويَعْتَقِبُونَ الخَيْلَ العِتَاقَ. ويَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ حتى يَمْشِيَ المَجْرُوحُ عَلَى المَقْتُولِ، ويَكُونَ المُفْلِتُ أقَلَّ مِنَ المَأسُورِ.
(فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أصْحَابِهِ: لَقَدْ اعْطِيتَ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِين عِلْمَ الغَيْبِ! فَضَحِكَ عَلَيهِ السَّلَامُ وقَالَ لِلرَّجُلِ (وَ كَانَ كَلْبِيّاً): يَا أخَا كَلْبٍ! لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وإنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ، وإنَّمَا عِلْمُ الغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ ومَا عَدَّدَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا في الأرْحَامِ ومَا تَدْرِي نَفسٌ مَا ذَا تَكْسِبُ غَداً ومَا تَدْرِي نَفسٌ بِأيّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبيرٌ- الآيَةُ.[37] فَيَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا في الأرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أوْ انْثَى، وقَبِيحٍ أوْ جَمِيلٍ، وسَخِيّ أوْ بَخِيلٍ، وشَقِيّ أوْ سَعِيدٍ، ومَنْ يَكُونُ في النَّارِ حَطَباً أوْ في الجِنَانِ لِلنَّبيِّينَ مُرَافِقَاً. فَهَذَا عِلْمُ الغَيْبِ الذي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ. ومَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنِيهِ ودَعَا لِي بِأنْ يَعِيَهُ صَدْرِي وتَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي.[38]
قال المجلسيّ رضوان الله عليه بعد هذا الكلام الذي نقله في باب معجزات كلامه عليه السلام من إخباره بالغائبات: ضحكه عليه السلام إمّا من السرور بما آتاه الله من العلم أو للتعجّب من قول القائل. ثمّ قال: وانطباقها على قصص جنكيز خان وأولاده لا يحتاج إلى بيان.[39]
وتحدّث ابن أبي الحديد حديثاً وافياً عن فتنة التتر وجنكيز خان في شرحه لهذه الخطبة.[40] وقال في تفرّد الله تعالى بعلم هذه الأشياء الخمسة النازلة في الآية المباركة: روى أنّ إنساناً قال لموسى بن جعفر عليه السلام: إنّي رأيت الليلة في منامي أنّي سألتك: كم بقي من عمري؟ فرفعتَ يدك اليُمنى، وفتحتَ أصابعها في وجهي مشيراً إليّ، فلم أعلم خمس سنين، أم خمسة أشهر، أم خمسة أيّام! فقال: ولا واحدة منهنّ، بل ذاك إشارة إلى الغيوب الخمسة التي استأثر الله تعالى بها في قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ- الآية.
فإن قلتَ: لِمَ ضحك أمير المؤمنين عليه السلام لمّا قال له الرجل: لقد اوتيتَ علم الغيب. وهل هذا إلّا زهو في النفس، وعُجب بالحال؟
قلتُ: قد رُوى أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ضحك في مناسب هذه الحال، لمّا استسقى فسُقي وأشرف درور المطر. فقام إليه الناس فسألوه أن يسأل الله تعالى أن يحبسه عنهم. فدعا صلى الله عليه وآله، وأشار بيده إلى السحاب، فانجاب حول المدينة كالإكليل، وهو يخطب على المنبر، فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: أشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللهِ.
وسرّ هذا الأمر أنّ النبيّ أو الوليّ إذا حدثت عنده نعمة الله سبحانه، أو عرف الناس وجاهته عند الله، فلا بدّ أن يسرّ بذلك. وقد يحدث الضحك من السرور، وليس ذلك بمذموم إذا خلا من التَّيه والعُجْب، وكان محض السرور والابتهاج، وقد قال تعالى في صفة أوليائه: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.[41]
فإن قلتَ: فإنّ من جملة العلوم الخمسة: وما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً، وقد أعلم الله تعالى نبيّه بامور يكسبها في غده نحو قوله: ستفتح مكّة، وأعلم نبيُّه وصيَّهُ بما يكسبه في غده، نحو قوله له: سَتُقَاتِلُ بَعْدِيَ النَّاكِثِينَ ...- الخبر.
قلتُ: المراد بالآية أنّه لا تدري نفس جميع ما تكسبه في مستقبل زمانها. وذلك لا ينفي جواز أن يعلم الإنسان بعض ما يكسبه في مستقبل زمانه.[42]
ومن كلمات أمير المؤمنين عليه السلام الجارية مجرى الخطبة: الخطبة المائة من «نهج البلاغة»: وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللهُ فِيهِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِنِقاشِ الحِسَابِ وجَزَاءِ الأعْمَالِ، خُضُوعاً قِيَاماً، قَدْ ألْجَمَهُمُ العَرَقُ، ورَجَفَتْ بِهِمْ الأرْضُ. فَأحْسَنُهُمْ حَالًا مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً ولِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً.
ويتعلّق هذا المقدار من كلامه عليه السلام بيوم القيامة.
قال المجلسيّ: وبعد هذا، كلامه عليه السلام في فتنة آخر الزمان أو فتنة صاحب الزنج، إذ قال:[43] فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ، ولَا تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ، تَأتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً، يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا، ويُجْهِدُهَا رَاكِبُهَا. أهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ، قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ يُجَاهِدُهُمْ في سَبِيلِ اللهِ قَوْمٌ أذِلَّةٌ عِنْدَ المُتَكِبِّرِينَ، في الأرْضِ مَجْهُولُونَ، وفي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ.
فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اللهِ لَا رَهَجَ لَهُ ولَا حِسَّ، وسَيُبْتَلَى أهْلُكِ بِالْمَوْتِ الأحْمَرِ والجُوعِ الأغْبَرِ.[44]
قال ابن أبي الحديد: المراد من الجيش الذي «لا رَهَجَ له ولا حسّ» الجَدْب والطاعون يصيب أهلها. و«الموت الأحمر» الوباء و«الجوع الأغبر» كناية عن الجوع والمَحْل. وسمّي الموت الأحمر لشدّته، ومنه الحديث: كُنَّا إذَا احْمَرَّ البَأسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ. ووصف الجوع بأنّه أغبر، لأنّ الجائع يرى الآفاق كأنّ عليها غبرة وظلاماً.
وفسّر قوم هذا الكلام بوقعة صاحب الزنج، وهو بعيد لأنّ جيشه كان ذا حسّ ورهَج، ولأنّه أنذر البصرة بهذا الجيش عند حدوث تلك الفتن، ألا تراه قال: فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكَ؟ ولم يكن قبل خروج صاحب الزنج فتن شديدة على الصفات التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام.[45]
ومن إخباره عليه السلام بالغيب خطبته التي يشكو فيها من بني اميّة، ويَعِد بانقراضهم. وهذه الخطبة في «نهج البلاغة». قال عليه السلام بعد أن بيّن بعثة رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله شهيداً وبشيراً ونذيراً: فَالأرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وأيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وأيْدِي القَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ. ألَا وإنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً، ولِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً، وإنَّ الثَّائِرَ في دِمَائِنَا كَالحَاكِمِ في حَقِّ نَفْسِهِ وهُوَ اللهُ الذي لَا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ، ولَا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَاقْسِمُ بِاللهِ يَا بَنِي امَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا في أيْدِي غَيْرِكُمْ وفي دَارِ عَدُوِّكُمْ- الخطبة.[46]
قال ابن أبي الحديد في شرحه: قوله عليه السلام: سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ، كأنّه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين عليه السلام وأهله. وكأنّه عليه السلام يشاهد ذلك عياناً، ويخطب عليه ويتكلّم على الخاطر الذي سنح له، والأمر الذي كان أخبر به.
ثمّ أقسم عليه السلام وخاطب بني اميّة وصرّح بذكرهم أنّهم ليعرفنّ الدنيا عن قليل في أيدي غيرهم وفي دورهم، وأنّ الملك سينزعه منهم أعداؤهم، ووقع الأمر بموجب إخباره عليه السلام. فإنّ الأمر بقي في أيدي بني اميّة قريباً من تسعين سنة؛ ثمّ عاد إلى البيت الهاشميّ (بني العبّاس)، وانتقم الله تعالى منهم على أيدي أشدّ الناس عداوة لهم.[47]
ومن إخباره عليه السلام بالغيب كلامه حول ظهور الحجّاج بن يوسف الثقفيّ وانتقامه. فقد قال عليه السلام ضمن خطبة له في «نهج البلاغة»: وَلَوَدِدْتُ أنَّ اللهَ فَرَّقَ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وألْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أحَقُّ بِي مِنْكُمْ. قَوْمٌ واللهِ مَيَامِينُ الرَّأي، مَرَاجِيحُ الحِلْمِ، مَقَاوِيلُ بِالحَقِّ، مَتَارِيكُ لِلْبَغْي، مَضَوْا قُدُماً عَلَى الطَّرِيقَةِ، وأوْجَفُوا عَلَى المَحَجَّةِ، فَظَفَرُوا بِالعُقبَى الدَّائِمَةِ والكَرَامَةِ البَارِدَةِ.
أمَا واللهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفٍ، الذَّيَّالُ المَيَّالُ، يَأكُلُ خَضِرَتَكُمْ ويُذيِبُ شَحْمَتَكُمْ. إيهٍ أبَا وذَحَةَ.[48] (كأنّ الإمام عليه السلام هنا يرى غلام ثقيف أمامه ويخاطبه).
قال الشريف الرضيّ بعد هذه الخطبة: الوذحة: الخنفساء (حشرة سوداء، لها أيدٍ وأقدام طويلة وكبيرة، بطيئة السير جدّاً، وتجمع النجاسة فتصنع منها شكلًا كرويّاً). وهذا القول يومئ به إلى الحجّاج، وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره.
قال ابن أبي الحديد في شرحه: إيهٍ: كلمة يستزاد بها من الفعل. تقديره: زد وهات أيضاً ما عندك. وضدّها إيهاً، أي: كُفّ وأمسك. ثمّ قال: قال السيّد الرضيّ رحمه الله: الوَذَحة الخنفساء. ولم أسمع هذا من شيخ من أهل الآداب. وما وجدته في كتاب من كتب اللغة. ولا أدري من أين نقل الرضيّ رحمه الله ذلك!
ثمّ إنّ المفسّرين بعد السيّد الرضيّ رحمه الله قالوا في قصّة هذه الخنفساء وجوهاً، منها: إنّ الحجّاج رأي خنفساء تدبّ إلى مصلّاه، فطردها، فعادت، ثمّ طردها فعادت. فأخذها بيده، وحذف بها، فقرصته قرصاً ورمَتْ يده منه ورماً كان فيه حتفه. قالوا: وذلك لأنّ الله تعالى قتله بأهون مخلوقاته، كما قتل نمرود بن كنعان بالبقّة التي دخلت في أنفه، فكان هلاكه.
ومنها: إنّ الحجّاج كان إذا رأى خُنفساء تدبّ قريبة منه، يأمر غلمانه بإبعادها. ويقول: هَذِهِ وَذَحَةٌ مِنْ وَذَحِ الشَّيْطَانِ. تشبيهاً لها بالبعرة. وكان مغرى بهذا القول. والوَذَح: ما يتعلّق بأذناب الشاة من أبعارها فيجفّ.
ومنها: إنّ الحجّاج قال وقد رأى خنفساوات مجتمعات: وا عجبا لمن يقول: إنّ الله خلق هذه! قيل: فمن خلقها؟ قال: الشيطان. إنّ ربّكم لأعظم شأناً أن يخلق هذه الوَذَح. فنُقل قوله هذا إلى الفقهاء، في عصره، فأكفروه.
ومنها: إنّه كان مِثْفاراً (فيه داء الابْنَة). وكان يمسك الخنفساء حيّةً ليشفي بحركتها في الموضع حكاكه. قالوا: ولا يكون صاحب هذا الداء إلّا شائناً مبغضاً لأهل البيت. قالوا: ولسنا نقول: كلّ مبغض فيه هذا الداء، وإنّما قلنا: كلّ من فيه هذا الداء فهو مبغض.
قالوا: وقد روى أبو عمر الزاهد -و لم يكن من الشيعة- في أماليه وأحاديثه عن السيّاريّ، عن أبي خُزَيمة الكاتب، قال مَا فَتَّشْنَا أحَداً فِيهِ هَذَا الدَّاءُ إلَّا وَجَدْنَاهُ نَاصِبِيَّاً. قال أبو عمر: وأخبرني العطافي من رجاله، قالوا: سئل جعفر بن محمّد عليه السلام عن هذا الصنف من الناس، فقال: رحم منكوسة يؤتى ولا يأتي وما كانت هذه الخصلة في ولي الله تعالى قط ولا تكون أبدا وإنما تكون في الكفار والفساق والناصبين للطاهرين. وكان أبو جهل عمرو بن هشام المخزوميّ من القوم. وكان أشدّ الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله. قالوا: ولذلك قال له عُتبة بن ربيعة يوم بدر: يا مُصَفِّرَ إسْتِهِ.
فهذا مجموع ما ذكره المفسّرون، وما سمعته من أفواه الناس في هذا الموضع. ويغلب على ظنّي أنّه عليه السلام أراد معنى آخر. وذلك أنّ عادة العرب أن تكنّى الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنّة التعظيم، كقولهم: أبو الهَول، وأبو المِقدام، وأبو المِغوار. فإذا أرادت تحقيره والغضّ منه، كنّته بما يستحقَر ويستهان به، كقولهم في كنية يزيد بن معاوية: أبو زنَّة، يعنون القرد. وكقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاريّ المحدّث: أبو الفار. وكقولهم للطُّفيليّ: أبو لُقمة. وكقولهم لعبد الملك: أبو الذبّان لبَخرَه. وكقول ابن يسّام لبعض الرؤساء: أبو جَعْر (الخنفساء)، وأبو النَّتْن، وأبو الدَّفْر، وأبو البعر.
فلمّا كان أمير المؤمنين عليه السلام يعلم من حال الحجّاج نجاسته بالمعاصي والذنوب التي لو شوهدت بالبصر، لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشاء، كنّاه: أبو وَذَحَة. ويمكن أيضاً أن يكنّيه بذلك لدمامته في نفسه، وحقارة منظره، وتشويه خلقته. فإنّه كان قصيراً، دميماً، نحيفاً، أخفش العينين معوجّ الساقين، قصير الساعدين، مجدور الوجه، أصلع الرأس، فكنّاه الإمام بأحقر الأشياء، وهو البعرة.
وقد روى قوم هذه اللفظة بصيغة اخرى، فقالوا: إيهٍ أبَا وَدَجَة. قالوا: واحدة الأوداج، كنّاه بذلك لأنّه كان قتّالًا يقطع الأوداج بالسيف. ورواه قوم: أبَا وَحرَةَ. وهي دويبّة تشبه الحِرباء[49] قصيرة الظهر، شبّهه بها.
وهذا وما قبله ضعيف، وما ذكرناه نحن أقرب الى الصواب.[50]
وقال ابن شهرآشوب: قال أمير المؤمنين عليه السلام لأهل البصرة: إنْ كُنْتُ قَدْ أدَّيْتُ لَكُمُ الأمَانَةَ ونَصَحْتُ لَكُمْ بِالغَيْبِ، واتَّهْتُمُونِي فَكَذَّبْتُمُونِي فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَى ثَقِيفٍ. قَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: رَجُلٌ لَا يَدَعُ لِلَّهِ حُرْمَةً إلَّا انْتَهَكَهَا، يَعْنِي الحَجَّاجَ.[51]
وروى المجلسيّ عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، عن عثمان ابن سعيد، عن يحيى التَّيْميّ، عن الأعمش قال: حدّثني إسماعيل بن رجاء، قال: قام أعشى باهلة -و هو غلام يومئذٍ حَدَث- إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وهو يخطب، ويذكر الملاحم، فقال: يا أمير المؤمنين! ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة! فقال عليه السلام: إنْ كُنْتَ آثِماً فِيما قُلْتَ يَا غُلَامُ فَرَمَاكَ اللهُ بِغُلَامِ ثَقِيفٍ. ثُمَّ سَكَتَ.
فقال رجل، فقال: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟ قال: غُلَامٌ يَمْلِكُ بَلْدَتَكُمْ هَذِهِ، لَا يَتْرُكُ لِلَّهِ حُرْمَةً إلَّا انْتَهَكَهَا، يَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الغُلَامِ بِسَيْفِهِ.
قالوا: كم يملك يا أمير المؤمنين؟ قال: عِشْرِينَ إنْ بَلَغَهَا. قالوا: فَيُقتل قتلًا أم يموت موتاً؟ قال: بل يموت حتف أنفه بِداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه.
قال إسماعيل بن رجاء: فو الله لقد رأيتُ بعيني أعشى باهلة، وقد احضر في جملة الأسرى الذين اسِروا من جيش عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بين يدي الحجّاج. فقرّعه ووبّخه، واستنشده شِعره الذي يحرّض فيه عبد الرحمن على الحرب. ثمّ ضرب عنقه في ذلك المجلس.[52]
وأشار سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام إلى هذا الغلام الثقفيّ في ختام خطبته المعروفة والعجيبة التي خطبها يوم عاشوراء إذ دعا على اولئك القوم بأن يسلّط الله عليهم غلام ثقيف. قال عليه السلام: اللَهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّماءِ، وابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، وسَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامَ ثَقِيفٍ فَيَسُومَهُمْ، كَأساً مُصَبَّرَةً، فَإنَّهُمْ كَذَّبُونَا وخَذَلُونا، وأنْتَ رَبُّنَا عَلَيْكَ تَوكَّلْنَا وإلَيْكَ أنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ.[53]
تولّى الحجّاج بن يوسف أمر الكوفة من قبل عبد الملك بن مروان. وقتل الناس بسيفه البتّار، وأحرق الاخضر واليابس. وبلغ عدد المقتولين في عهده الذي دام عشرين سنة مائة وعشرين ألفاً. وكان عدد السجناء يوم هلاكه خمسين ألفاً من الرجال، وثلاثين ألفاً من النساء.[54]
ومن جملة إخبار الإمام عليه السلام بالغيب ما ذكره ابن شهرآشوب، ونقله المجلسيّ عنه أيضاً.
قال حُذَيْفَة بن اليمان لأمير المؤمنين عليه السلام في زمن عثمان: إنّي والله ما فهمتُ قولك، ولا عرفت تأويله حتى بلغت ليلتي أتذكّر ما قلت لي بالحرّة (فرسخ عن المدينة) وإنّي مُقيل: كَيْفَ أنْتَ يَا حُذَيْفَةُ إذَا ظَلَمَتِ العُيُونُ العَيْنَ؟ والنبيّ صلى الله عليه وآله بين أظهرنا. ولم أعرف تأويل كلامك إلّا البارحة، رأيتُ عتيقاً (أبا بكر)، ثمّ عمر، تقدّما عليك، وأوّل اسمهما عين.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يَا حُذَيْفَةُ! نَسِيتَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَيْثُ مَالَ بِهَا إلَى عُثْمَانَ. وأوّل اسمه عين.
وفي رواية أنّه عليه السلام قال له: وسَيُضَمُّ إلَيْهِمْ عَمْرُو بْنُ العَاصِ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ آكِلَةِ الأكْبَادِ. فَهؤلاءِ العُيُونُ المُجْتَمِعَةُ عَلَى ظُلْمِي.[55]
وكنتُ قد رأيتُ قديماً في كتاب «قصص العلماء» للتنكابنيّ أنّ المؤلّف نقل عن المرحوم الميرزا محمود نظام العلماء التبريزيّ حديثاً نصّه: لَعَنَ اللهُ العُيُونَ فَإنَّهَا ظَلَمَتِ العَيْنَ الوَاحِدَةَ.
وهذا الحديث كان من جملة الأسئلة التي وجّهها المرحوم نظام العلماء إلى السيّد على محمّد الباب رئيس الفرقة البابيّة في المجلس الذي عقد بتبريز مع بقيّة العلماء والمشايخ لمحاكمة الشخص المذكور. فسكت ولم يجد جواباً، كما عجز عن جواب سائر الأسئلة التي طرحها عليه.[56]
وأنا أيضاً كلّما فكّرتُ في هذا الحديث، لم يخطر ببالي شيء، إلى أن وجدتُه في «المناقب» فعرفتُ كم هو سهل ويسير. أمّا السبب في عدم فهمي إيّاه فهو أنّ هذا الحديث من الرموز، وما لم يعرف الإنسان مفتاح الرمز، فلا يمكنه حلّ الرمز. وأمّا السبب الذي دعا المرحوم نظام العلماء أن يختار للباب هذا السؤال، فهو أنّ الباب كان يزعم أنّه باب مدينة العلم، ولذلك ينبغي أن يعرف جميع أسرار الملكوت ورموزه وإشاراته. فاختار له هذا الحديث الذي لا يحلّ رمزه بمسألة من المسائل العلميّة والأدبيّة والاجتماعيّة ما لم يسبق الذهن إلى الرمز المذكور، حتى إذا أجاب مدّعى باب العلم، يستبين أنّه مطّلع على بواطن الامور، وإلّا فلا. بَيدَ أنّه لمّا قال: لا أعلم، فقد اتّضح أنّه كاذب.
وروى ابن شهرآشوب عن عبد الرزّاق، عن أبيه، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف، قال: سمع عليّ عليه السلام ضوضاء في عسكره، فقال: ما هذا؟ فقيل: قُتِل معاوية، فقال: كَلَّا ورَبِّ الكَعْبَةِ، لَا يُقْتَلُ حتى تَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الامَّةُ.
قالوا له: يا أمير المؤمنين! فلم نقاتله؟ قال: ألْتَمِسُ العُذْرَ بَيْنِي وبَيْنَ اللهِ.[57]
وروى ابن شهرآشوب أيضاً عن النضر بن شميل، عن عوف، عن مروان الأصفر، قال: قدم راكب من الشام وعليّ عليه السلام بالكوفة، فنعى معاوية. فادخل على عليّ عليه السلام، فقال له: أنت شهدتَ موته؟ قال: نعم، وحثوته عليه. قال: إنّه كاذب.
قيل: وما يدريك يا أمير المؤمنين أنّه كاذب؟ قال: إنّه لا يموت حتى يعمل كذا وكذا أعمالًا عملها في سلطانه. فقيل له: فَلِمَ تقاتله؟ قال: لِلْحُجَّةِ.[58]
وذكر ابن شهرآشوب أيضاً عن «المحاضرات» للراغب الإصفهانيّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: لَا يَمُوتُ ابْنُ هِنْدٍ حتى يُعَلِّقَ الصَّلِيبَ في عُنقِهِ. وقد رواه الأحنف بن قيس، والأعثم الكوفيّ، وأبو حيّان التوحيديّ، وأبو الثلّاج، وجماعة آخرون. فكان كما قال عليه السلام.[59]
وروى ابن شهرآشوب أيضاً عن إسحاق بن حسّان، بإسناده عن الأصبغ بن نُباتة، قال: أمرنا أمير المؤمنين عليه السلام بالمسير من الكوفة إلى المدائن. فسرنا يوم الأحد، وتخلّف عنّا عمرو بن حريث، والأشعث ابن قيس، وجرير بن عبد الله البَجَلِيّ مع خمسة نفر، فخرجوا إلى مكان بالحيرة يقال له: الخورنق[60] والسدير.[61] فبينا هم جلوس وهم يتغدّون، إذ خرج عليهم ضبّ، فاصطادوه. فأخذه عمرو بن حريث؛ فبسط كفّه، فقال: بايعوا هذا أمير المؤمنين. فبايعه الثمانية ثمّ أفلتوه وارتحلوا وقالوا: إنّ عليّ بن أبي طالب يزعم أنّه يعلم الغيب، فقد خلعناه وبايعنا مكانه
ضبّاً. فقدموا المدائن يوم الجمعة، فدخلوا المسجد، وأمير المؤمنين عليه السلام يخطب على المنبر، فقال عليه السلام: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أسرّ إلى حديثاً كثيراً في كلّ حديث باب يفتح كلّ باب ألف باب. إنّ الله تعالى يقول في كتابه العزيز: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ.[62]
وأنا اقسم بالله ليبعثنّ يوم القيامة ثمانية نفر من هذه الامّة إمامهم ضبّ. ولو شئتُ أن اسمّيهم لفعلتُ.
فتغيّرت ألوانهم، وارتعدت فرائصهم، وكان عمرو بن حريث ينتفض كما تنتفض السعفة جبناً وفرقاً.[63]
وروى عن الحسن بن عليّ عليه السلام في خبر أنّ الأشعث بن قيس الكنديّ بني في داره مئذنة، فكان يرقى إليها إذا سمع الأذان في أوقات الصلوات في مسجد جامع الكوفة، فيصيح من على مئذنته: يَا رَجُلُ! إنَّكَ لَكَاذِبٌ سَاحِرٌ. وكان أبي يسمّيه: عُنُقُ النَّارِ. وفي رواية: عُرْفُ النَّارِ. فسئل عن ذلك، فقال: إنّ الأشعث إذا حضرته الوفاة، دخل عليه عنق من النار ممدودة من السماء، فتحرقه، فلا يدفن إلّا وهو فحمة سوداء.
فلمّا توفّى، نظر سائر من حضر إلى النار، وقد دخلت عليه كالعنق الممدود من السماء إلى الأرض حتى أحرقته وهو يصيح ويدعو بالويل والثبور.[64]
وروى أبو الجوائز الكاتب عن عليّ بن عثمان، عن المظفّر بن حسن الواسطي السلّال، عن الحسن بن ذكردان، وكان ابن ثلاثمائة وخمس وعشرين سنة قال: رأيتُ عليّاً عليه السلام في النوم، وأنا في بلدي، فخرجتُ إليه إلى المدينة، فأسلمتُ على يده، وسمّاني الحسن. وسمعتُ منه أحاديث كثيرة، وشهدتُ معه مشاهده كلّها. فقلتُ له يوماً من الأيّام: يا أمير المؤمنين! ادعُ الله لي.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا فارسيّ! إنّك ستُعمِّر، وتُحملُ إلى مدينة يبنيها رجل من بني عمّي العبّاس تُسمّى في ذلك الزمان: بغداد، ولا تصل إليها. تموت بموضع يقال له: المدائن. فكان كما قال ليلة دخل المدائن مات.[65]
روى مسعدة بن اليسع عن الصادق عليه السلام في خبر أنّ أمير المؤمنين عليه السلام مرّ بأرض بغداد، فقال: ما تُدعى هذه الأرض؟ فقالوا: بغداد. قال: نعم، تبني هاهنا مدينة وذكر وصفها.[66]
ويقال: إنّه وقع من يده سوط، فسأل عن أرضها، فقالوا: بغداد. فأخبر أنّه يبني ثمّ مسجد يقُال له: مسجد السَّوْط.[67]
وجاء في «تاريخ بغداد» أنّه قال المفيد أبو بكر الجرجانيّ: ولد أبو الدُّنيا في أيّام أبي بكر، وأنّه قال: إنّي خرجت مع أبي للقاء أمير المؤمنين عليه السلام. فلمّا صرنا قريباً من الكوفة، عطشنا عطشاً شديداً. فقلتُ لوالدي: اجلس حتى أدور لك الصحراء فلعلّي أقدر على ماء. فقصدتُ إليه، فإذا أنا ببئر شبه الركيّة أو الوادي (بئر واسعة الفوهة أو حفرة بين جبلين). فاغتسلتُ وشربت منه حتى رويت. ثمّ جئتُ إلى أبي، فقلتُ: قم، فقد فرّج الله عنّا، وهذه عين ماء قريب منّا. ومضينا، فلم نر شيئاً. فلم يزل يضطرب حتى مات ودفنتُه.
وجئتُ إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وهو خارج إلى صفّين، وقد اخرِجَتْ له البغلة. فجئتُ ومسكتُ له بالركاب، والتفتَ إليّ. فانكببتُ اقبِّل الركاب، فشجّت في وجهي شجّة، قال أبو بكر المفيد: ورأيتُ الشجّة في وجهه واضحة. ثمّ سألني (أمير المؤمنين عليه السلام) عن خبري، فأخبرته بقضيّتي. فقال: عين لم يشرب منها أحد إلّا وعمَّر عمراً طويلًا. فأبشر، فإنّك ستعمّر، وسمّاني المُعَمَّر. وهو الذي يُدعى بالأشَجّ.
وذكر الخطيب: أنّه قدم بغداد في سنة ثلاثمائة، وكان معه شيوخ من بلده، فسألوا عن هذا الرجل. فقالوا: هو مشهور عندنا بطول العمر، وقد بلغني أنّه مات في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. ونحو ذلك ذكر شيخنا في «الأمالي» (أمالي الطوسيّ) وفاته.[68]
وروى ابن شهرآشوب عن الأعمش بروايته عن رجل من هَمْدان، قال: كنّا مع عليّ عليه السلام بصفّين، فهزم أهل الشام ميمنة العراق. فهتف بهم مالك الأشتر ليتراجعوا. فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يقول لأهل الشام: يَا أبَا مُسْلِمٍ خُذْهُمْ، ثلاث مرّات. فقال الأشتر: أ وليس أبو مسلم معهم؟ قال: لستُ اريد الخولانيّ. وإنّما اريد رجلًا يخرج في آخر الزمان من المشرق يهلك الله به أهل الشام، ويسلب عن بني اميّة ملكهم.[69]
ومن الواضح أنّ مراد الإمام عليه السلام هو أبو مسلم الخراسانيّ الذي نهض في خراسان بدعم العلويّين وأهل بيت رسول الله. وقضى على الأمويّين.
وروى في «الخرائج والجرائح» لابن الراونديّ، عن ابن مسعود أنّه قال: كنتُ قاعداً عند أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد رسول الله، إذ نادى رجل: من يدلّني على من آخذ منه علماً؟
قلتُ له: يا هذا، هل سمعت قول النبيّ صلى الله عليه وآله: أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وعَلِيّ بَابُهَا؟ فقال: نعم. قلتُ: وأين تذهب وهذا عليّ بن أبي طالب؟! فانصرف الرجل، وجثا بين يديه، فقال له الإمام: من أي البلاد أنتَ؟ قال: من إصفهان. قال له: اكتب: أمْلَى عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ: أنَّ أهْلَ إصْفَهَانَ لَا يَكُونُ فِيهِمْ خَمْسُ خِصَالٍ: السَّخَاوَةُ، والشَّجَاعَةُ، والأمَانَةُ، والغيرَةُ، وحُبُّنَا أهْلَ البَيْتِ.
قال الرجل: زدني يا أمير المؤمنين. فقال أمير المؤمنين عليه السلام بلسان إصفهان: «اروت اين وِسِ» أي: اليوم حسبك هذا.
قال المجلسيّ بعد ذكر هذا الحديث: كان أهل إصفهان في ذلك الزمان إلى أوّل استيلاء الدولة القاهرة الصفويّة أدام الله بركاتهم من أشدّ النواصب. والحمد للّه الذي جعلهم أشدّ الناس حبّاً لأهل البيت عليهم السلام، وأطوعهم لأمرهم، وأوعاهم لعلمهم، وأشدّهم انتظاراً لفرجهم. حتى أنّه لا يكاد يوجد من يتّهم بالخلاف في البلد. ولا في شيء من قراه القريبة أو البعيدة. وببركة هذه الدولة تبدّلت الخصال الأربع فيهم أيضاً. رزقنا الله وسائر أهل هذه البلاد نصر قائم آل محمّد عليه السلام، والشهادة تحت لوائه. وحشرنا معهم في الدنيا والآخرة.[70]
وروى ابن شهرآشوب عن الحارث الأعور (الهمدانيّ)، وعمرو بنالحريث، وأبي أيّوب عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه لمّا رجع من وقعة الخوارج، نزل يُمْنَي السواد (القسم الأيمن من أرض العراق). فقال له راهب كان هناك: لا ينزل هاهنا إلّا وصيّ نبيّ يقاتل في سبيل الله. فقال عليّ عليه السلام: فَأنَا سَيِّدُ الأوْصِيَاءِ، وَصِيّ سَيِّدِ الأنْبِيَاءِ.
قال الراهب: فَإذاً أنْتَ أصْلَعُ قُرَيْشٍ وَصِيّ مُحَمَّدٍ. خُذ عَلَيّ الإسلام فإنّي وجدتُ في الإنجيل نعتك، وأنت تنزل مسجد براثا ببيت مريم وأرض عيسى.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: فاجلس يا حُباب! قال الراهب: وهذه دلالة اخرى. ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: فانزل يا حُباب من هذه الصومعة. وابن هذا الدير مسجداً. فبنى حُباب الدير مسجداً. ولحق أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة، فلم يزل بها مقيماً، حتى قتل أمير المؤمنين عليه السلام، فعاد حُباب إلى مسجده ببراثا.
وفي رواية أنّ الراهب قال: قرأتُ أنّه يصلّي في هذا الموضع إيليا وصيّ البار قُليطا محمّد نبيّ الامّيين الخاتم لمن سبقه من أنبياء الله ورسله -في كلام كثير-: فَمَنْ أدْرَكَهُ فَلْيَتَّبِعِ النُّورَ الذي جَاءَ بِهِ. (القصد من النور المذكور هو أمير المؤمنين عليه السلام). ألا وإنّه يغرس في آخر الأيّام بهذه البقعة شجرة لا يفسد ثمرها.
وفي رواية زاذان قال أمير المؤمنين عليه السلام: ومن أين شُربك؟ قال: من دجلة. قال: ولِمَ لَمْ تحفر عيناً تشرب منها؟ قال: قد حفرتها وخرجت مالحة. قال: فاحتفر الآن بئراً اخرى. فاحتفرَ الراهب، فخرج ماؤها عذباً. فقال: يا حُباب! ليكن شربُك من هاهنا. ولا يزال هذا المسجد معموراً. فإذا خرّبوه وقطعوا ال نخلة، حلّت بهم (أو بالناس) داهية.
وفي رواية محمّد بن القيس: فأتى أمير المؤمنين عليه السلام موضعاً من تلك الملبّة[71] فركلها برجله، فانبجست عين خرّارة فقال: هذه عين مريم. ثمّ قال: فاحتفِروا هاهنا سبعة عشر ذراعاً (قَرابة ثمانية أمتار ونصف)، فاحتفَروا، فإذا صخرة بيضاء، فقال: هاهنا وضعت مريم عيسى من عاتقها، وصلّت هاهنا. فنصب أمير المؤمنين عليه السلام الصخرة، وصلى إليها، وأقام هناك أربعة أيّام.
وفي رواية الباقر عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: هذه عين مريم التي انبعت لها. واكشفوا هاهنا سبعة أذرع، فكشف، فإذا صخرة بيضاء- الخبر. وفي رواية: هذا الموضع المقدّس صلى فيه الأنبياء. وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: ولقد وجدنا أنّه صلى فيه قبل عيسى. وفي رواية: صلى فيه إبراهيم الخليل.
وروى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام صاح: يا بئر! -بالعبرانيّ- قرب إليّ. فلمّا عبر الإمام من المسجد، وكان فيه عوسج وشوك عظيم، فانتضى سيفه، وكسح ذلك كلّه، وقال: إنّ هاهنا قبر نبيّ من أنبياء الله.
وأمر الشمس أن ارجعي، فرجعتْ. وكان معه ثلاثة عشر رجلًا من أصحابه. فأقام القبلة بخطّ الاستواء وصلى إليها.
وأنشد العونيّ في وصف مسجد براثا وخصوصيّاته قائلًا:
وَقُلْتَ: بَرَاثَا كَانَ بَيْتاً لِمَرْيَمٍ *** وذَاكَ ضَعِيفٌ في الأسَانِيدِ أعْوَجُ
وَلَكِنَّهُ بَيْتٌ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمٍ *** ولِلأنْبِيَاءِ الزُّهْرِ مَثْوَى ومَدْرَجُ
وَلِلأوْصِيَاءِ الطَّاهِرِينَ مَقَامُهُمْ *** عَلَى غَابِرِ الأيَّامِ والحَقُّ أبْلَجُ
بِسَبْعِينَ مُوصى بَعْدَ سَبْعِينَ مُرْسَلٍ *** جِبَاهُهُمْ فِيهَا سُجُوداً تَشَحَّجُ
وَآخِرُهُمْ فِيهَا صَلَاةً إمَامُنَا *** عَلِيّ بِذَا جَاءَ الحَدِيثُ المُنَهَّجُ[72]
ومن جملة إخبار الإمام عليه السلام بالغيب حادثة وقعت مع راهب نصرانيّ في طريق صفّين إذ فلق الإمام صخرة فانبجس منها الماء. ونقل كبار أهل السير والتأريخ والحديث هذه القضيّة، كما ذكرها الخطيب في «تأريخ بغداد». ونحن ذكرناها أيضاً في الجزء الرابع، الدرس 46 إلى 51 من كتابنا هذا: «معرفة الامام».[73] وننقلها فيما يأتي بنحو مفصّل عن «الإرشاد» للمفيد رحمه الله: قال المرحوم المفيد: فصلٌ: ومن ذلك (أي من إخباره عليه السلام بالغائبات) ما رواه أهل السير، واشتهر الخبر به في العامّة والخاصّة، حتى نظمه الشعراء، وخطب به البلغاء، ورواه الفهماء والعلماء من حديث الراهب بأرض كربلاء، والصخرة. وشهرته تُغنى عن تكلّف إيراد الإسناد له.
وذلك أنّ الجماعة روت أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا توجّه إلى صفّين، لحق أصحابه عطش شديد ونفد ما كان عندهم من الماء. فأخذوا يميناً وشمالًا يلتمسون الماء، فلم يجدوا له أثراً. فعدل بهم أمير المؤمنين عليه السلام عن الجادّة، وسار قليلًا، فَلاحَ لهم دَيْرٌ في وسط البرّيّة، فسار بهم نحوه، حتى إذا صار في فِنائه، أمر من نادى ساكنه بالاطّلاع إليهم. فنادوه، فاطّلع.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: هل قُرب قائمك هذا ماء يتغوّث به هؤلاء القوم؟ فقال الراهب: هيهات. بيني وبين الماء أكثر من فرسخين، وما بالقرب منّي شيء من الماء، ولو لا أنّني اوتى بماء يكفيني كلّ شهر على التقصير، لتلفتُ عطشاً.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أسمعتم ما قال الراهب؟ قالوا: نعم، أ فتأمرنا بالمسير إلى حيث أومأ إليه لعلّنا ندرك الماء وبنا قوّة! فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا حاجة بكم إلى ذلك. ولوى عنق بغلته نحو القبلة، وأشار لهم إلى مكان يقرب من الدير، فقال: اكشفوا الأرض في هذا المكان. فعدل منهم جماعة إلى الموضع فكشفوه بالمساحي، فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع.
فقالوا: يا أمير المؤمنين، هنا صخرة لا تعمل فيها المساحي. فقال لهم: إنّ هذه الصخرة على الماء. فإن زالت عن موضعها، وجدتم الماء، فاجتهدوا في قلعها فاجتمع القوم وراموا تحريكها، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلًا، واستصعبت عليهم.
فلمّا رآهم عليه السلام قد اجتمعوا وبذلوا الجهد في قلع الصخرة، فاستصعبت عليهم، لوى عليه السلام رجله عن سرجه حتى صار على الأرض، ثمّ حَسَرَ عن ذراعيه، ووضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحرّكها، ثمّ قلعها بيده ودحا بها أذرعاً كثيرة. فلمّا زالت عن مكانها، ظهر لهم بياض الماء، فبادروا إليه فشربوا منه. فكان أعذب ماء شربوا منه في سفرهم وأبرده وأصفاه.
فقال لهم الإمام: تزوّدوا وارتووا. ففعلوا ذلك. ثمّ جاء إلى الصخرة فتناولها بيده ووضعها حيث كانت. وأمر أن يعفى أثرها بالتراب. والراهب ينظر من فوق ديره. فلمّا استوفى علم ما جرى، نادي: أيُّهَا النَّاسُ! أنْزِلُونِي فاحتالوا في إنزاله. فوقف بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له: يا هذا أنْتَ نَبِيّ مُرْسَلٌ؟ قال: لا. قال: فَمَلَكٌ مُقَرَّبٌ؟ قال: لا. قال: فَمَنْ أنْتَ؟
قال: وَصِيّ رَسُولِ اللهِ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ اللهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ. قال: ابسُطْ يدكَ اسلمُ للّه تبارك وتعالى على يديك. فبسط أمير المؤمنين عليه السلام يده، وقال له: اشهَدِ الشَّهادتين.
فقال الراهب: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وأشْهَدُ أنَّكَ وَصِيّ رَسُولِ اللهِ وأحَقُّ النَّاسِ بِالأمْرِ مِنْ بَعْدِهِ.
فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام عليه شرائط الإسلام، ثمّ قال: مَا الذي دَعَاكَ إلَى الإسْلَامِ بَعْدَ طُولِ مُقَامِكَ في هَذَا الدَّيْرِ عَلَى الخِلافِ؟
فقال: اخْبرك يا أمير المؤمنين إنّ هذا الدير بُني على طلب قالع هذه الصخرة ومُخرج الماء من تحتها. وقد مضى عالَم قبلي فلم يدركوا ذلك. وقد رزقنيه الله عزّ وجلّ. إنّا نجد في كتاب من كتبنا ونأثُرُ عن علمائنا أنّ في هذا الصقع عيناً عليها صخرة لا يعرف مكانها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ. وأنّه لا بدّ من وليّ للّه يدعو إلى الحقّ آيته معرفة مكان هذه الصخرة وقدرته على قلعها. وإنّي لمّا رأيتُكَ قد فعلتَ ذلك، تحقّقتُ ما كنّا ننتظره وبلغتُ الامنية منه. فأنا اليوم مسلم على يدك، ومؤمن بحقّك، ومولاك (أي: اقِرّ بولايتك على نفسي وشئوني).
ولمّا سمع ذلك أمير المؤمنين عليه السلام بكى حتى اخضلّت لحيته من الدموع، وقال: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي لَمْ أكُنْ عِنْدَهُ مَنْسِيّاً. الحَمْدُ لِلَّهِ الذي كُنْتُ في كُتُبِهِ مَذْكُوراً.
ثمّ دعا الناس فقال لهم: اسمعوا ما يقول أخوكم هذا المسلم. فسمعوا حالته، وكثر حمدهم للّه وشكرهم على النعمة التي أنعم بها عليهم في معرفتهم بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام. ثمّ ساروا والراهب بين يديه في جملة أصحابه حتى لقي أهل الشام. وكان الراهب من جملة من استشهد معه. فتولّى عليه السلام الصلاة عليه، ودفنه، وأكثر من الاستغفار له. وكان إذا ذكره يقول: ذَاكَ مَوْلَايَ (أي مَن عندي ولايته، فلا حجاب بيني وبينه إلّا من ماهيّة وإنِّيّة ذاتي وذاته).[74]
ذكر الشيخ المفيد هذا الخبر بنفس الألفاظ التي نقلناها، ثمّ قال: وفي هذا الخبر ضروب من المعجز: أحدها: علم الغيب، والثاني: القوّة التي خرق العادة بها، وتميّز بخصوصيّتها من الأنام، مع ما فيه من ثبوت البشارة به في كتب الله الاولى. وذلك مصداق قوله تعالى: ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ.[75]
وفي ذلك قال إسماعيل بن محمّد الحميريّ رحمه الله في قصيدته البائيّة المذهّبة:
وَلَقَدْ سَرَى فِيمَا يَسِيرُ بِلَيْلَةٍ *** بَعْدَ العِشَاءِ بِكَرْبِلَا في مَوْكِبِ
حتى أتى مُتَبتِّلًا في قَائِمٍ *** ألْقَى قَوَاعِدَهُ بِقَاعٍ مُجْدِبِ
يَأتِيهِ لَيْسَ بِحَيْثُ يَلْقَى عَامِراً *** غَيْرَ الوُحُوشِ وغَيْرِ أصْلَعَ أشْيَبِ
فَدَنَى فَصَاحَ بِهِ فَأشْرَفَ مَاثِلًا *** كَالنَّسْرِ فَوْقَ شَظِيَّةٍ مِنْ مَرْقَبِ
هَلْ قُرْبَ قَائِمِكَ الذي بَوَّأتَهُ *** مَاءٌ يُصَابُ فَقَالَ: مَا مِنْ مَشْرَبِ
إلَّا بِغَايَةِ فَرْسَخَيْنِ ومَنْ لَنَا *** بِالمَاءِ بَيْنَ نُقى ورِقيّ سَبْسَبِ
فَثَنَى الأعِنَّةَ نَحْوَ وَعْثٍ فَاجْتَلَى *** مَلْسَاءَ تَبْرُقُ كَاللُّجَيْنِ المَذْهَبِ
قَالَ اقْلِبُوهَا إنَّكُمْ إنْ تَقْلِبُوا *** تُرْوَوْا ولَا تُرْوَوْنَ إنْ لَمْ تُقْلَبِ
فَاعْصَوْ صَبُوا في قَلْعِهَا فَتَمنَّعَتْ *** مِنْهُمْ تَمَنُّعَ صَعْبَةٍ لَمْ تُرْكَبِ
حتى إذَا أعيَتْهُمُ أهْوَي لَهَا *** كَفّاً مَتَى تَرِدِ المَغَالِبَ تُغْلَبِ
فَكَأنَّهَا كُرَةٌ بِكَفِّ حِزَوَّرٍ *** عَبَلَ الذِّرَاعِ دَحَى بِهَا في مَلْعَبِ
فَسَقَاهُمُ مِنْ تَحْتِهَا مُتَسَلْسِلًا *** عَذْباً يَزِيدُ عَلَى الألَذِّ الأعْذَبِ
حتى إذَا شَرِبُوا جَمِيعاً رَدَّهَا *** ومَضَى فَخَلَتْ مَكَانَهَا لَمْ يُقْرَبِ[76]
لمّا سار أمير المؤمنين عليه السلام من الكوفة إلى صفّين اختار طريقاً يَبَساً، لا طريقاً مائيّاً بمحاذاة شطّ الفرات. فلهذا عطش جنوده. هذا من جهة، ومن جهة اخرى لمّا كان طريق الكوفة إلى الشام يمرّ من كربلاء، لذلك حدثت قصّة الراهب والصخرة وعين الماء في هذا المكان. وعلى ضوء هذا كلّه، نظم السيّد الحميريّ قصيدته.
وقال السيّد الحميريّ بعد هذه الأبيات:
أعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ الوَصِيّ ومَنْ يَقُلْ *** في فَضْلِهِ وفَعَالِهِ لَمْ يَكْذِبِ
لَيْسَتْ بِبَالِغةٍ عَشِيرَ عَشِيرِ مَا *** قَدْ كَانَ أُعْطَاهُ مَقَالَةُ مُطْنِبِ
صِهْرُ الرَّسُولِ وجَارُهُ في مَسْجِدٍ *** طُهْرٍ بِطَيْبَةَ لِلرَّسُولِ مُطَيَّبِ[77]
قال الشيخ المفيد في «الإرشاد» بعد نقله أبياتَ الحميريّ: وزاد فيها ابن ميمون قوله:
وَآيَاتُ رَاهِبهَا سَرِيرَةُ مُعْجِزٍ *** فِيهَا وآمَنَ بِالوَصِيّ المُنْجِبِ
وَمَضَى شَهِيداً صَادِقاً في نَصْرِهِ *** أكْرِمْ بِهِ مِنْ رَاهِبٍ مُتَرَهِّبِ
أعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ الوَصِيّ ومَنْ يَقُلْ *** في فَضْلِهِ وفَعَالِهِ لَمْ يَكْذِبِ
رَجُلًا كِلَا طَرَفَيْهِ مِنْ سَامٍ ومَا *** حَامٌ لَهُ بَأبٍ ولَا بَأبِ أبِ
مَنْ لَا يَفِرُّ ولَا يُرَى في مَعْرَكٍ *** إلَّا وصَارِمُهُ الخَضِيبُ المَضْرَبِ[78]
وكذلك قال الشيخ المفيد: وممّا رواه الحسن بن محبوب، عن ثابت الثماليّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن سويد بن غفلة أنّ رجلًا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّي مررت بوادي القُرَى فرأيتُ خالد بن عُرفُطَة قد مات بها.[79] فاستغفر له. فقال عليه السلام: إنّه لم يمت، ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن جمار.[80]
فقام إليه رجل من تحت المنبر، فقال: يا أمير المؤمنين، والله إنّي لك شيعة، وإنّي لك محبّ. قال الإمام: ومَنْ أنْتَ؟ قال: أنَا حَبِيبُ بْنُ جمار. قال: إيَّاكَ أنْ تَحْمِلَهَا، ولَتَحْمِلَنَّهَا فَتَدْخُلَ بِهَا مِنْ هَذَا البَابِ- وأوْمَأ بِيَدِهِ إلَى بَابِ الفِيلِ (أحد أبواب مسجد الكوفة)-.
فلمّا مضى أمير المؤمنين عليه السلام، ومضى الإمام الحسن عليه السلام بعده، وكان من أمر الإمام الحسين عليه السلام ومن ظهوره ما كان، بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام، وجعل خالد بن عُرفطة على مقدّمته، وحبيب بن جمار صاحب رايته. فسار بها خالد حتى دخل المسجد من باب الفيل.
وهذا أيضاً خبر مستفيض لا يتناكره أهل العلم والرواة للآثار. وهو منتشر في أهل الكوفة، ظاهر في جماعتهم لا يتناكره منهم اثنان. وهو من المعجز الذي ذكرناه.[81]
ورواه بهذا المضمون ابن شهرآشوب في مناقبه عن أبي الفرج الإصفهانيّ في «أخبار الحسن»،[82] وأيضاً رواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن الأعمش، وابن محبوب عن الثماليّ والسبيعيّ، وكلّهم عن سويد بن غفلة، وكذلك رواه أبو الفرج الإصفهانيّ في «أخبار الحسن».[83]
ورواه المجلسيّ أيضاً في «بحار الأنوار» بمضمون آخر عن «الاختصاص» للشيخ المفيد، و«بصائر الدرجات» للصفّار، فقد روى عن هذين العالمين الجليلين، عن عبد الله بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن سويد بن غفلة أنّه قال:
أنا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! جئتك من وادي القرى، وقد مات خالد بن عرفطة. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّه لم يمت. فأعادها عليه. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لم يمت. والذي نفسي بيده لا يموت. فأعادها عليه الثالثة. وأجابه الإمام نفس الجواب.
فقال الرجل: سبحان الله! اخبرك أنّه مات وتقول: لم يمت. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: والذي نفسي بيده لا يموت حتى يقود جيش ضلالة يحمل رايته حبيب بن جمار. فسمع بذلك حبيب، فأتاه، فقال له: اناشدك في وأنّي لك شيعة، وقد ذكرتني بأمر، لا والله ما أعرفه من نفسي. فقال له: إنْ كُنْتَ حَبِيبَ بْنَ جَمارٍ لَتَحْمِلَنَّهَا. فولّى حبيب. وقال الإمام مرّة اخرى: إنْ كُنْتَ حَبِيبَ بْنَ جمارٍ لَتَحْمِلَنَّهَا.
قال أبو حمزة الثماليّ راوي هذا الخبر عن سويد بن غفلة: والله ما مات حتى بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن عليّ عليه السلام، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته، وحبيب صاحب رايته.
وقال المجلسيّ بعد بيان هذا الخبر: رواه ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» عن كتاب «الغارات» لابن هلال الثقفيّ، عن ابن محبوب، عن الثماليّ، عن سويد بن غفلة.[84]
ومن هنا نفهم ما ورد في السِيَر والتواريخ والأحاديث من أنّ قاتلي سيّد الشهداء عليه السلام كانوا من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام الكوفيّين كحجّار بن أبجُر، وشَبَث بن رِبعي، ومحمّد بن الأشعث، وغيرهم. وكان كلّ منهم يقود أربعة آلاف جنديّ. وتحرّكوا بجيشهم البالغ ثلاثين ألفاً لحرب الحسين صلوات الله عليه، وعبّئوا أنفسهم من أجل حطام الدنيا، وجوائز يزيد، وابن زياد، ورئاسة مؤقّتة زائلة في مصر من الأمصار، وأمثال ذلك. وأراقوا دم بضعة المصطفى في صحراء كربلاء ظالمين له، وناهضين بوجه الحقّ والتوحيد والعدالة. وأعمتهم زخارف الدنيا الخدّاعة وطبعت على سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم حتى نسوا جميع الخطب التي خطبها إمام المتّقين وسيّد الأوّلين والآخرين أمير المؤمنين عليه السلام، وإخباره بالغائبات، وجهاده للّه ودينه. حقّاً حُبُّ الشَّيءِ يُعْمِي ويُصِمُّ. فمن أحبّ شيئاً، فإنّ عينه تعمى عن رؤية غيره، واذُنَه تصمّ عن سماع سواه، ولا يعد يدرك إلّا مطلوبه ومقصوده، ويختم بيده على قلبه وبصيرته، ويحبس نفسه في غار الشيطان المظلم الدامس، ومطمورة الجنّ، وهوى النفس الأمّارة.
و لعلّ حبيب بن جمار الذي جاء عند أمير المؤمنين عليه السلام كان يومئذٍ صادقاً فيما ادّعاه من تشيّعه، ولم يَدُر في خلده، ولم يَجُل في ظنّه أنّه سيحمل يوماً على كتفه راية يزيد وعمر بن سعد. بَيدَ أنّ الربّ الحكيم يفتن الناس ويبتليهم حتى تظهر بواطنهم، وتنكشف خفيّاتهم وما يخبّئون في سويداء قلوبهم، ممّا قد يعزب عنهم أنفسهم. وعندئذٍ يُساق إلى الجنّة من كان أهلًا لها، ويساق إلى جهنّم من كان أهلًا لها.
وكان البراء بن عازب من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن أنصار أمير المؤمنين عليه السلام، وكان حيّاً يوم استشهد أبو عبد الله الحسين عليه السلام بَيدَ أنّه لم يرفده ولم ينصره، فعاش متحسّراً حتى مماته، ولكن هل يغني التحسّر شيئاً! وما على المؤمن إلّا أن يكون بصيراً واعياً مغتنماً للفرصة في المواقف المطلوبة.
روى الشيخ المفيد، وابن شهرآشوب عن إسماعيل بن صبيح، عن يحيى بن المساور العابد، عن إسماعيل بن زياد أنّ عليّاً عليه السلام قال للبراء بن عازب يوماً: يَا بَرَاءُ! يُقْتَلُ ابْنِيَ الحُسَيْنُ وأنْتَ حَيّ لَا تَنْصُرُهُ.
فلمّا قُتِل الحسين عليه السلام، كان البراء بن عازب يقول: صدق والله أمير المؤمنين على بن أبي طالب. قُتل الحسين، ولم أنصره. ثمّ يظهر الحسرة على ذلك والندم.[85]
وكذلك روى الشيخ المفيد في «الإرشاد» عن عثمان بن قيس العامريّ، عن جابر بن الحرّ، عن جُوَيْرية بن مسهر العبديّ،[86] أنّه قال: لمّا توجّهنا مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى صفّين فبلغنا طفوف كربلاء، وقف عليه السلام ناحيةً من المعسكر، ثمّ نظر يميناً وشمالًا واستعبر، ثمّ قال: هَذَا واللهِ مُنَاخُ رِكَابِهِمْ ومَوْضِعُ مَنِيَّتِهِمْ. فقيل له: يا أمير المؤمنين!
ما هذا الموضع؟ قال: هَذَا كَرْبَلَاءُ، يُقْتَلُ فِيهِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ثمّ سار.
وكان الناس لا يعرفون تأويل ما قال حتى كان من أمر أبي عبد الله الحسين بن عليّ عليهما السلام وأصحابه بالطفِّ ما كان، فعرف حينئذٍ من سمع مقاله مصداق الخبر فيما أنبأهم به. وكان ذلك من علم الغيب والخبر بالكائن قبل كونه. وهو المعجز الظاهر والعلم الباهر حسب ما ذكرناه.[87]
وكان جويرية بن مُسهر العَبْديّ من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. وهو رجل عظيم الشأن جليل القدر. علّمه الإمام علم المنايا والبلايا. وكان له قلب نيّر وضمير متألّق تنعكس فيه مخبّآت المستقبل.
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يحبّه كثيراً حتى بلغ مبلغاً كان فيه من أخصّ خواصّه. وارتفع الحجاب والبينونيّة بينه وبين الإمام. استشهد قبل واقعة كربلاء إذ قطعت يده ورجله، وصُلب في حُبّ وولاية سيّد الأحرار أمير المؤمنين عليه السلام. وقال المفيد في «الإرشاد» وهو يتحدّث عن معجزات الإمام وإخباره بالغائبات: ومن ذلك ما رواه العلماء أنّ جويرية بن مسهر وقف على باب القصر (قصر الإمارة) بالكوفة. فقال: أين أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقيل له: نائم. فنادي: أيُّهَا النَّائِمُ اسْتَيْقِظْ! فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُضْرَبَنَّ ضَرْبَةً عَلَى رَأسِكَ تُخْضَبُ مِنْهَا لِحْيَتُكَ، كَمَا أخْبَرْتَنَا بِذَلِكَ مِنْ قَبْلُ.
فسمعه أمير المؤمنين عليه السلام، فنادي: أقْبِلْ يَا جُوَيْرِيَةُ حتى احَدِّثَكَ بِحَدِيثِكَ. فأقبل جويرية.
فقال عليه السلام: وأنْتَ والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُعْتَلَنَّ إلَى العُتُلِّ الزَّنِيمِ ولَيَقْطَعَنَّ يَدَكَ ورِجْلَكَ ثُمَّ لَتُصْلَبَنَّ تَحْتَ جِذْعِ كَافِرٍ.[88]
فمضى على ذلك الدهر، حتى وُلِّي زياد بن أبيه في أيّام معاوية، فقطع يده ورجله، ثمّ صلبه إلى جذع ابن مُكَعْبَر، وكان جذعاً طويلًا، فكان جويرية تحته. فلهذا عبّر عنه الإمام بقوله: ليصلبنّك تحت جذع ...[89].
وروى ابن شهرآشوب عن أبي حفص عمر بن محمّد الزيّات في خبر أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال للمسيِّب بن نجيّة: يَأتِيكُمْ رَاكِبُ الدَّغِيلَةِ يَشُدُّ حَقْوَهَا بِوَضِينِها، لَمْ يَقْضِ تَفَثاً مِنْ حَجٍّ ولَا عُمْرَةٍ فَيَقْتُلُوهُ. يُرِيدُ الحُسَيْنَ عَلَيهِ السَّلَامُ.[90]
قال المجلسيّ في شرح هذه العبارة: الدغيلة: الدغل والمكر والفساد. أي: يركب مكر القوم ويأتي لما وعدوه خديعة. ويحتمل أن يكون تصحيف الرعيلة، وهي القطعة من الخيل القليلة، والوضين بطان منسوج يشدّ به الرحل على البعير كالحزام للسرج. وشَدَّ حَقْوَهَا به كناية عن الاهتمام بالسير والاستعجال فيه. وعَدَمُ قَضَاءُ التَّفَث إشارة إلى أنّ الحسين عليه السلام لم يتيسّر له الحجّ، بل أحلّ وخرج من مكّة يوم التروية.[91]
وذكر ابن شهرآشوب أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه خاطب أهل الكوفة فقال لهم:
كَيْفَ أنْتُمْ إذَا نَزَلَ بِكُمْ ذُرِّيَّةُ نَبِيِّكُمْ فَعَمدتُمْ إلَيْهِ فَقَتَلْتُمُوهُ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللهِ لَئِنْ أتَانَا اللهُ في ذَلِكَ لَنَبْلُوَنَّ عُذْراً. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
هُمْ أوْرَدُوهُ في الغُرُورِ وغَرَّرُوا *** أرَادُوا نَجَاةً لَا نَجَاةٌ ولَا عُذْرُ[92]
وكذلك روى ابن شهرآشوب عن «المُسنَد» للموصليّ، عن عبد الله ابن يحيى، عن أبيه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين، نادي:
اصْبِرْ أبَا عَبْدِ اللهِ بِشَطِّ الفُرَاتِ. فَقُلْتُ: ومَا ذَا؟ فَذَكَرَ مَصْرَعَ الحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالطَّفِّ.[93]
وجاء في كتاب «الشافي في الأنساب» أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا قال هذا الكلام بأرض نينوى، قال أحد أصحابه: فطلبتُ ما اعلِمُ به الموضعَ، فما وجدتُ غير عظم جمل. فرميتُه في الموضع. فلمّا استُشهد الحسين عليه السلام، وجدتُ العظم في مصارع أصحابه.[94]
وذكر المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 592، طبعة الكمبانيّ، عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، عن نصر بن مزاحم بسنده المتّصل عن عروة البارقيّ أنّه قال: جئت إلى سعد بن وهب فسألته عن حديث حدّثناه عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام. قال: نعم، بعثني مخنف بن سليم إلى عليّ عليه السلام عند توجّهه إلى صفّين. فأتيته بكربلاء، فوجدته يشير بيده ويقول: هَا هُنَا هَا هُنَا.
فقال له رجل: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟
فقال: ثَقَلُ آلِ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ تَنْزِلُ هَا هُنَا، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْكُمْ ووَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ.
فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويل لهم منكم: تقتلونهم؟ وويل لكم منهم: يدخلكم الله بقتلهم إلى النار.
قال نصر: وقد رُوي هذا الكلام على وجه آخر، أنّه قال: فَوَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ، ووَيْلٌ لَكُمْ عَلَيْهِمْ.
فقال الرجل: أمّا ويلٌ لكم منهم، فقد عرفناه، فويل لكم عليهم ما معناه؟
قال: ترونهم يُقتلون لا تستطيعون نصرتهم!
وكذلك روى نصر بن مزاحم عن سعيد بن حكيم العبسيّ، عن الحكم الحسن بن كثير، عن أبيه أنّ عليّاً عليه السلام أتى كربلاء، فوقف بها. فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه كربلاء.
فقال: ذاتُ كربٍ وبَلا. ثمّ أومأ بيده إلى مكان فقال: هَا هُنَا مَوْضِعُ رِحَالِهِمْ ومُنَاخُ رِكَابِهِمْ. ثمّ أومأ بيده إلى مكان آخر فقال: هَا هُنَا مُرَاقُ دِمَائِهِمْ. ثمّ مضى إلى سَابَاطَ.[95]
وروى ابن أبي الحديد أيضاً في «شرح نهج البلاغة» عن نصر بن مزاحم في كتاب «صفّين» بسنده عن هرثمة بن سليم أنّه قال: غزونا مع عليّ صفّين. فلمّا نزل بكربلاء، صلى بنا. فلمّا سلّم، رفع إليه من تربتها فشمّها، ثمّ قال: وَاهاً لَكِ يَا تُرْبَةُ! ليُحْشَرَنَّ مِنْكِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.[96]
فلمّا رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء بنت سمير -و كانت من شيعة عليّ عليه السلام- حدّثها هرثمة فيما حدّث، فقال لها: ألا اعجبك من صديقكِ أبي حسن؟ قال: لمّا نزلنا كربلاء، أخذ حفنة من تربتها وشمّها وقال: وَاهاً لَكِ أيَّتُهَا التُّرْبَةُ لَيُحْشَرَنَّ مِنْكِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وما علمه بالغيب؟
فقالت المرأة له: دَعْنَا مِنْكَ أيُّهَا الرَّجُلُ، فَإنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَقُلْ إلَّا حَقَّاً.
قال سمير: فلمّا بَعثَ عبيدُ الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين عليه السلام، كنت في الخيل التي بعث إليهم. فلمّا انتهيتُ إلى الحسين عليه السلام وأصحابه، عرفت المنزل الذي نزلنا فيه مع على عليه السلام، والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول الذي قاله. فكرهت مسيري، فأقبلتُ على فرسي حتى وقفتُ على الحسين عليه السلام وسلّمت عليه وحدّثته بالذي سمعتُ من أبيه في هذا المنزل.
فقال الحسين عليه السلام: أمَعَنَا أمْ عَلَيْنَا؟
قلتُ: يا بن رسول الله! لا معك ولا عليك. تركتُ ولدي وعيالي أخاف عليهم من ابن زياد.
فقال الحسين عليه السلام: فَتَوَلَّ هَرَباً حتى لَا تَرَى مَقْتَلَنَا. فَوَ الذي نَفْسُ الحُسَيْنِ بِيَدِهِ لَا يَرَى اليَوْمَ مَقْتَلَنَا أحَدٌ ثُمَّ لَا يُعِينُنَا إلَّا دَخَلَ النَّارَ.
قال هرثمة: فأقبلتُ في الأرض اشتدّ هرباً حتى خفي عَلَيّ مقتلهم.[97]
روى الراوندي في «الخرائج والجرائح» عن الإمام الباقر عليه السلام، عن أبيه أنّه قال: مرّ عليّ عليه السلام بكربلاء. فقال لمّا مرّ به أصحابه وقد اغرورقت عيناه يبكي: هَذَا مُنَاخُ رِكَابِهِمْ، وهَذَا مُلْقَى رِحَالِهِمْ، هَا هُنَا مُرَاقُ دِمائِهِمْ. طُوبَى لَكِ مِنْ تُرْبَةٍ عَلَيْهَا تُرَاقُ دِمَاءُ الأحِبَّةِ.[98]
قال الباقر عليه السلام: خرج عليّ عليه السلام يسير بالناس حتى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل، تقدّم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له المقذفان فقال:
قُتِلَ فِيهَا مِائَتَا نَبِيّ ومِائَتَا سِبْطٍ كُلُّهُمْ شُهَدَاءُ، ومُنَاخُ رُكَّابٍ ومَصَارِعُ عُشَّاقٍ، شُهَدَاءُ لَا يَسْبِقُهُمْ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، ولَا يَلْحَقُهُمْ مَنْ بَعْدَهُم.[99]
وروى عن «عيون أخبار الرضا» بالأسانيد الثلاثة عن الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أنّه قال:
كَأنِّي بِالقُصُورِ قَدْ شُيِّدَتْ حَوْلَ قَبْرِ الحُسَيْنِ. وكَأنِّي بِالمَحَامِلِ تَخْرُجُ مِنَ الكُوفَةَ إلَى قَبْرِ الحُسَيْنِ. ولَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي والأيَّامُ حتى يُسَارُ إلَيْهِ مِنَ الآفَاقِ. وذَلِكَ عِنْدَ انْقِطَاعِ مُلْكِ بَنِي مَرْوانَ.[100]
ولا غرو من بكاء أمير المؤمنين عليه السلام عند مروره بكربلاء ونينوى، فقد بكى قبله رسول الله صلى الله عليه وآله على الحسين عليه السلام، ودفع إلى امِّ سلمة قارورة فيها تربة الحسين، وقال لها: إذا صار ما في القارورة دماً عبيطاً، فاعلمي أنّ ولدي الحسين قد قتل. وسبق رسول الله في البكاء على الحسين عليه السلام أنبياء الله الماضون كآدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام. كما بكت عليه ملائكة السماء.
وقال القاضي الجليس أحد شعراء القرن السادس، واسمه أبو المعالي عبد العزيز بن حسين بن حُباب الأغلبيّ، في قصيدة له:
لَهْفِي لِقَتْلَى الطَّفِّ إذْ *** خَذَلَ المُصَاحِبُ والعَشِيرُ
وَوَافَاهُمُ في كَرْبَلَا *** يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرُ
دَلَفَتْ لَهُمْ عُصَبُ الضَّلَالِ *** كَأنَّمَا دُعِيَ النَّفِيرُ
عَجَباً لَهُمْ لَمْ يَلْقَهَمْ *** مِنْ دُونِهِمْ قَدْرٌ مُبِيرُ
أيُمَارُ فَوْقَ الأرْضِ فَيْضٌ *** دَمِ الحُسَيْنِ ولَا تَمُورُ؟
أتَرَى الجِبَالَ دَرَتْ ولَمْ *** تَقْذِفْهُمُ مِنْهَا صُخُورُ؟
أمْ كَيْفَ إذْ مَنَعُوهُ وِرْدَ *** المَاءِ لَمْ تَغُرِ البُحُورُ؟
حَرُمَ الزُّلالُ عَلَيْهِ لَمَّا *** حُلِّلَتِ لَهُمُ الخُمُورُ[101]
وله قصيدة ذات عشرين بيتاً، منها الأبيات الآتية التي نتبرّك بذكرها ونختم عندها بحثنا:
حُبِّي لآلِ رَسُولِ اللهِ يَعْصِمُنِي *** مِنْ كُلِّ إثْمٍ وهُمْ ذُخْرِي وهُمْ جَاهِي
يَا شِيعَةَ الحَقِّ قُولِي بِالوَفَاءِ لَهُمْ *** وفَاخِرِي بِهِمُ مَنْ شِئْتِ أوْ بَاهِى
إذَا عَلَقْتِ بِحَبْلٍ مِنْ أبِي حَسَنٍ *** فَقَدْ عَلَقْتِ بِحَبْلٍ في يَدِ اللهِ
حَمَى الإلَهُ بِهِ الإسْلَامَ فَهُوَ بِهِ *** يُزْهَى عَلَى كُلِّ دِينٍ قَبْلَهُ زَاهِ
بَعْلُ البَتُولِ ومَا كُنَّا لِتَهْدِيَنَا *** أئِمَّةٌ مِنْ نَبِيّ اللهِ لَوْ لَا هِي
نَصَّ النَّبِيّ عَلَيْهِ في الغَدِيرِ فَمَا *** زَوَاهُ إلَّا ظَنِينٌ دِينُهُ وَاهِ[102]
[1] الخبّ: الخدّاع والمحتال. الضبّ: الحسود والحقود بحقد خفيّ. ويقال في المحاورات: فلان خبّ ضبّ، أي: مراوغ. والمراوغ هو الذي يصارع بخدعة فيصرع منافسه على الأرض.
[2] جاءت هذه الكلمة بالواو وتشديد الجيم في «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد بطبعتيه: طبعة بيروت ذات الأجزاء الأربعة، وطبعة مصر ذات الأجزاء العشرين. ويبدو أنّه سهو. والصحيح هو فَخّ بالفاء والخاء المشدّدة. كما نقلها الشارح الميرزا حبيب الله الهاشميّ الخوئيّ في شرحه، ج 7، ص 83 من الطبعة الحديثة في شرح هذه الخطبة، وذلك عن ابن أبي الحديد. وواقعة فَخّ مشهورة كالشمس في كبد السماء. وفَخّ موضع بين مكّة والتنعيم، على بعد فرسخ عن مكّة. وتكرّرت فيها قصّة عاشوراء بمواصفاتها كلّها، لكنّها كانت في سنة 169 ه-، أي بعد واقعة الطفّ بثماني ومائة سنة. واستشهد فيها الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام. وهو حفيد الحسن المثلّث ومن أولاد الإمام الحسن المجتبي عليه السلام. ويقال له: الحسين بن عليّ شهيد فَخّ في مقابل شهيد كربلاء الحسين بن عليّ شهيد الطفّ. وما ورد من الأخبار في شهداء فَخّ الذين كانوا قرابة ثلاثمائة، كلّه مدح وثناء وتمجيد بهم، ذلك أنّ الحسين بن على شهيد فخّ لم يخرج من أجل الرئاسة والمنصب، بل نهض من أجل صدّ الظلم. إذ كان والى المدينة في عصره من أحفاد عمر بن الخطّاب، وقد شدّد النكير على العلويّين إلى درجة أنّه قال: إذا غاب العلويّ الفلانيّ، ولم يعرّف نفسه كلّ يوم، فسأقتلكم جميعاً إن لم تحضروه. وكان هذا الخطاب موجّهاً إلى العلويّين. وحينئذٍ وقع العلويّون في مأزق لم يجدوا منه محيصاً إلّا الخروج. وكان خروجهم ذهاباً من المدينة إلى مكّة بتأييد الإمام الصادق عليه السلام. وكان معهم ولده عبد الله بن جعفر. وتوجّهوا إلى مكّة ليس لهم شغل بأحد حتى فاجأهم جيش موسى الهاديّ العبّاسيّ فقتل ذلك السيّد الجليل مع جميع أهل بيته وأصحابه. والأخبار المأثورة عن الأئمّة عليهم السلام تثني عليهم ثناءً بليغاً. ومنها قول أمير المؤمنين عليه السلام: هم خير أهل الأرض؛ من خير أهل الأرض. وأمّا وجّ فلم نظفر بمعنى مناسب لها. وذكر ياقوت في «معجم البلدان» أنّ وجّ اسم الطائف. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ آخر وطأة للّه يوم وجّ. والمراد بلدة الطائف. وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله.
[3] كان امراء مصر والقيروان من الإسماعيليّة.
[4] التارّ: الممتلئ جسمه وعظمه ريّاً.
[5] أولاد بويه الثلاثة هم: عماد الدولة عليّ بن بويه، ركن الدولة حسن بن بويه، معزّ الدولة أحمد بن بويه.
[6] الزاب موضعٌ فرّ إليه مروان الحمار للتخلّص من هجوم الجيش العبّاسيّ. وذكر ابن الأثير الجَزَريّ في كتاب «الكامل في التاريخ» ج 5، ص 417 إلى 429، طبعة بيروت سنة 1385 ه-، قصّة فراره إلى ذلك المكان وإلى مناطق اخرى، ومن ثمّ قتله وانقراض ملك بني اميّة.
[7] الآيتان 61 و62، من السورة 33: الأحزاب.
[8] إنّ ما ذكره ابن أبي الحديد من وعد طلحة والزبير وعائشة بالجنّة ينطلق من مذهبه وهو مذهب العامّة. ولكنّ أصحابنا الإماميّة لا يقرّون بهذه الأخبار، وأثبتوا بطلانها في كتبهم الكلاميّة مفصّلًا. وتستبين هذه الحقيقة أيضاً ممّا ذكرناه في أجزاء كتابنا هذا «معرفة الإمام» من دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة، لأنّنا لو فرضنا صحّة الخبر القائل بوعدهم الجنّة، فإنّه يدلّ على حالهم أو عملهم الذي يستوجبون به الجنّة، أي في خصوص ذلك الظرف، ولا يدّل أبداً على أنّ ذلك العمل الجزئيّ يوجب الخلود في الجنّة، وإن صدرت بعده أعمال سيّئة يستحقّ صاحبها النار. وبغضّ النظر عن الروايات التي لا تحصى، وقد وضعها الوضّاعون لتزكية كثير من الصحابة الذين يعنيهم أمر الخلافة والشهادة لهم بأنّهم من أصحاب الجنّة، كما دلّ ذلك على التأريخ الصحيح، فإنّ رواية ما، لو وردت في مدحهم أحياناً، فهو مدح الجملة، وفي زمن خاصّ وظروف خاصّة. ومن الواضح أنّ المدح لا معنى له إذا زالت موجباته. مثلًا لو جاء غريب إلى منزلك يوماً، وتغدّى عندك، وقام بخدمة لك في البيت إذ كنسه، وسقى الأوراد، وشذّب الأشجار، فاستحسنتَ عمله وباركته، فلا يدلّ هذا على أنّ جميع أعماله حسنة. وربّما قام هذا الضيف الغريب ليلًا، وواقع زوجتك. وذبح ابنك، وسرق ذهبك وجواهرك وولّى. فلو قبضتَ عليه، فإنّه لا بدّ أن يرجم لزناه بزوجتك قسراً، ولا بدّ أن يقتل لقتله ولدك، ولا بدّ أن تقطع يده لسرقته مالك، وحينئذٍ ليس له أن يقول لك: أنت مدحتني ورحبّت بعملي وباركته. ومضافاً إلى أنّه ليس من حقّك أن تقتصّ منّي وتعاقبني، فعليك أن تبيّتني في منزلك الليلة كما بتُّ فيه البارحة جزاء لما قمتُ به من عمل حسن لك. إن طلحة والزبير آمنا برسول الله وجاهدا، ولكن لو خالفا ونكثا البيعة، وقاما حبّاً للجاه والمنصب والتأمّر مع معرفتهما التامّة لأمير المؤمنين عليه السلام، فهل يتركا، ولا يعاقبا وإن جمعا اثني عشر ألف مسلم وأتيا بهم إلى البصرة للقتل؟ هل يبقى عملهما بلا عقوبة؟ إنّ جزاء قتل المسلم هو القصاص والخلود في جهنّم. أليس جزاء تعريض أكثر الناس للقتل الخلود في جهنّم؟ فكيف إذا كان ذلك بغياً وإشهاراً للسيف بوجه إمام زمانهم وحجّة دهرهم؟ وذلك هو في حكم محاربة رسول الله، بل محاربة الله ذاته! وهنا يكمن دليل الشيعة ومنطقهم ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. (الآية 182، من السورة 3: آل عمران؛ والآية 51، من السورة 8: الأنفال). وأمّا عائشة بما حملته من حقد وضغن على أمير المؤمنين، والزهراء عليهما السلام خاصّة، فإنّها لو تحرّكت من الحرم النبويّ قائدة للجيش، وركبت ناقتها متوجّهة من المدينة ومكّة إلى البصرة، وعرّضت اثنى عشر ألفاً من الناس للقتل، فهل تستحقّ الجنّة ومجاورة رسول الله والنوم معه؟ وتلك هي عائشة التي لم تتب من عملها، وكانت تتحسّر حتى آخر عمرها على وصول الخلافة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وفرحت عند ما سمعت باستشهاده. وتلك هي عائشة التي فعلت مع بضعة الرسول ما فعلت، وسُرّت بموتها، ولم تحضر عزاءها متمارضة كما نطق بذلك التأريخ الصحيح. وتلك هي عائشة التي شوّشت تأريخ الإسلام وقلبته، فهل تدخل الجنّة يوم القيامة؟ وتتّكي مع رسول الله على سرير واحد؟ وتظهر هناك عداوتها للزهراء أيضاً، وتقول: أنا حبيبة رسول الله، لا آذن للحسن أن يدخل بيت رسول الله كما لا آذن بدفنه عند جدّه في الدنيا؟! وهنا ينبغي لقرّائنا الكرام من أهل السنّة أن يعيدوا النظر في عقائدهم عاجلًا، ولا يشيّدوا الدين القائم على العقل والمنطق على عواطفهم وأوهامهم. وعلى ضوء عقيدة العامّة ورواياتهم، نزلت آيات الإفك (تهمة الزنا) في عائشة فحسب. أمّا عند الشيعة، فقد نزلت في مارية القبطيّة. وفي كلتا الطائفتين من الروايات إشكال ذكره العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله سرّه في تفسير «الميزان» ج 15، ص 104 إلى 116 عند تفسير آيات الإفك. وهب أنّ آية الإفك نزلت في عائشة. فلا تدلّ على شرف وميزة لها، بل تدلّ على أنّه لا يجوز للمسلمين أن يقذفوا أحداً بالزنا. ومن الثابت أنّ الشيعة ينزّهون ساحة أزواج النبيّ صلى الله عليه وآله عن مثل هذه الفواحش، سواء كانت عائشة أم غيرها. بل يطهّرون ساحة أزواج الأنبياء جميعهم من لوث الزنا، وإلّا لَتخلخل تبليغ الرسالة، وبطلت دعوة الرسول لِتنفّر الناس واستيائهم منه. وبعبارة اخرى، أنّ آيات الإفك تنفي إثباتاً وثبوتاً قذف حريم رسول الله بالزنا، سواء كانت عائشة أم مارية. ولا غمز في هذا الموضوع، كما أنّه ليس دليلًا على منقبة وفضيلة. وأنّ آلاف النساء المسلمات لا يزنين، وعائشة واحدة منهنّ. بَيدَ أنّ في القرآن الكريم سورة، وهي سورة التحريم نزلت في ذمّ عائشة وحفصة وانتقادهما، قال تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ والْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ* عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأَبْكاراً. إلى أن بلغ قوله في الآية التي يشبّه فيها عائشة وحفصة بامرأتي النبيّين نوح ولوط اللتين خانتا زوجيهما فقيل لهما ادخلا جهنّم: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ وورد في تفاسير العامّة والخاصّة أنّ هذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة. وقال الزمخشريّ في تفسير «الكشّاف» ج 2، ص 471، الطبعة الاولى، طبعة المطبعة الشرفيّة، في ذيل الآية: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما : خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في معاتبتهما. وعن ابن عبّاس: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر عنهما حتى حجّ وحججتُ معه. فلمّا كان ببعض الطريق، عدل وعدلت معه بالإداوة. فسكبتُ الماء على يده، فتوضّأ. فقلتُ: من هما؟ فقال: عجباً يا ابن عبّاس -كأنّه كره ما سألتُه عنه- ثمّ قال: هما حفصة، وعائشة - انتهى.
[9] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 2، ص 174 إلى 179، طبعة بيروت، دار المعرفة؛ وطبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة: ج 7، ص 44 إلى 60.
[10] «بحار الأنوار» ج 9، ص 592 إلى 594، طبعة الكمبانيّ.
[11] «شرح نهج البلاغة» للخوئيّ، ج 7، ص 69 إلى 96 الطبعة الحديثة واستظهاره في ص 91. ووردت كلمة أهل صفّين في ص 93.
[12] «شرح نهج البلاغة» للخوئيّ، ج 7، ص 69 إلى 96 الطبعة الحديثة واستظهاره في ص 91. ووردت كلمة أهل صفّين في ص 93.
[13] «شرح نهج البلاغة» للخوئيّ، ج 7، ص 92.
[14] «نهج البلاغة» الخطبة 59، ص 107 و108، طبعة مصر مع تعليقة محمّد عبده.
[15] ذكرنا ترجمة عكرمة مولى عبد الله بن عبّاس في الجزء الثالث من كتابنا هذا عند شرح آية التطهير، في الدرس 40 إلى 45. وعلمنا أنّه كان يرى رأي الخوارج. وذهب صاحب «تنقيح المقال» إلى هذا الرأى أيضاً في كتابه المذكور: ج 2، ص 256. وأمّا مالك بن أنس الأصبحي صاحب كتاب «المُوَطّأ» وأحد أئمّة العامّة الأربعة، فلم يلاحظ في كتاب ما أنّه خارجيّ. وله ترجمة في «روضات الجنّات» ص 583، الطبعة الحجريّة، عدّه مؤلّف الكتاب فيها أوّل من ابتدع العمل بالرأي والقياس. ولد سنة 95 ه- ومات سنة 179 ه- وله من العمر 84 سنة. وكان يعيش في عصر الإمام الصادق عليه السلام. وأخذ منه الرواية والعلم. وكما ذكر العلّامة المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن أبي نعيم، فإنّ مالك بن أنس، وشعبة بن الحجّاج، وسفيان الثوريّ من الأئمّة الذين أخذوا العلم من الإمام. وقال غير أبي نعيم: إنّ مالكاً، والشافعيّ، والحسن بن صالح، وأبا أيّوب السجستانيّ، وعمر بن دينار، وأحمد بن حنبل أخذوا العلم منه عليه السلام. وقال مالك بن أنس: مَا رَأتْ عَيْنٌ ولَا سَمِعَتْ اذُنٌ ولَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ أفْضَلَ مِنْ جَعْفَرٍ الصَّادِق عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضْلًا وعِلْمَاً وعِبَادَةً ووَرَعَاً، إلى آخر ما ذكره في أفضليّة الإمام صلوات الله عليه.
[16] جاء في الشرح المطبوع بمصر في عشرين جزءاً والمحقَّق من قبل محمّد أبو الفضل إبراهيم: الأعفر بالعين المهملة. والأعفر نوع من الظباء وهو من أبطأها عدواً. ولكن في الشرح المطبوع ببيروت في أربعة أجزاء: الأغفر بالغين المعجمة. ولمّا كان الغَفْر والغُفر هو وعل الجبل الذي له قرنان منحنيان، ويقال للعِجل: غفر أيضاً، فإنّ معناه هو أنّهم حاربوا من أجل الثريد الذي فيه لحم الوعل أو العجل.
[17] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 1، ص 446 و447، طبعة بيروت، دار المعرفة؛ وطبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة: ج 5، ص 76 و77.
[18] «شرح نهج البلاغة» ج 5، ص 78 و79، طبعة مصر، دار إحياء الكتب العربيّة.
[19] قال محمّد عبده في التعليقة: جاء في نسخة: قبل قتل عثمان.
[20] الخطبة 71. ومن «نهج البلاغة» طبعة مصر بتعليقة عبده، ج 1، ص 123 و124. وفي عبارة عبده: لَغَدَرَ بِسَبْتِهِ. وفسّرها بالإست. ولكنّ ابن أبي الحديد ذكرها في شرحه الذي حقّقه محمّد أبو الفضل إبراهيم كالآتي: بِسُبَّتِهِ. ومن الواضح أنّ معناها الإست. فالمعنى واحد في كلتا الصورتين. ولمّا كان الإنسان يصرّ كثيراً على إخفاء إسته (حلقة دبره)، فإنّ الإمام استعمل هذه الكلمة كناية عن غدر مروان ومكره الخفيّ تحقيراً له، إذ حتى لو بايع بيده علناً، فإنّ كفّه يهوديّة. وهو يخفى غدره ومكره.
[21] «شرح نهج البلاغة» ج 6، ص 146 إلى 148، طبعة مصر، دار الإحياء.
[22] «بحار الأنوار» ج 9، ص 594، طبعة الكمبانيّ.
[23] «نهج البلاغة» الخطبة 99، ج 1، ص 194 و195، تعليق محمّد عبده، طبعة مصر.
[24] «بحار الأنوار» ج 9، ص 595، طبعة الكمبانيّ.
[25] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 7، ص 99 و100، طبعة مصر، دار الإحياء.
[26] «بحار الأنوار» ج 9، ص 595، طبعة الكمبانيّ.
[27] «نهج البلاغة» ج 1، ص 244 و245، الخطبة 126، طبعة مصر بتعليقة محمّد عبده. وذكر ابن شهرآشوب القسم الأوّل من الخطبة في «المناقب» ج 1، ص 429، الطبعة الحجريّة.
[28] «بحار الأنوار» ج 9، ص 590 و591، طبعة الكمبانيّ.
[29] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 125 إلى 214، طبعة دار الإحياء وتحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
[30] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 126 إلى 129.
[31] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 129، طبعة دار الإحياء.
[32] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 130، طبعة دار الإحياء.
[33] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 133، طبعة دار الإحياء.
[34] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 148، طبعة دار الإحياء.
[35] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 149، طبعة دار الإحياء.
[36] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 149 و150، طبعة دار الإحياء. وذكر الزركليّ في «الأعلام» ج 5، ص 140 و141 ترجمته، فقال: صاحب الزنج المقتول سنة 270 ه-: عليّ بن محمّد الورزنينيّ العلويّ الملقّب بصاحب الزنج، من كبار أصحاب الفتن في العهد العبّاسيّ، وفتنته معروفة بفتنة الزنج، لأنّ أكثر أنصاره منهم. ولد ونشأ في ورزنين، إحدى قرى الري. وظهر في أيّام المهتديّ العبّاسيّ سنة 255 ه-. وكان يرى رأي الأزارقة. والتفّ حوله سودان أهل البصرة ورعاعها. فامتلكها، واستولى على الأبلة، وتتابعت لقتاله الجيوش. فكان يَظهرُ ويشتّتها. ونزل البطائح، وامتلك الأهواز، وأغار على واسط، وبلغ عدد جيشه ثمانمائة ألف مقاتل. وجعل مقامه في قصر اتّخذه بالمختاره. وعجز عن قتاله الخلفاء حتى ظفر به الموفّق بالله، فقتله، وبعث برأسه إلى بغداد. قال المرزبانيّ: تروي له أشعار كثيرة في البسالة والفتك كان يقولها وينحلها غيره. وفي نسبه طعن وخلاف. وقال في هامش كتابه المذكور: سمّاه ابن خلدون في تاريخه ج 4، ص 18: عليّ بن عبد الرحيم. وقال هو من بني عبد القيس، من قرية دريفن من قرى الري. سار إلى البحرين سنة 249 ه- فادّعى أنّه علويّ واتّبعه كثير من أهل هَجَر، ثمّ تفرّقوا عنه، ولحق بالبصرة، فكان منه ما كان. وقال الشيخ عبده في هامش الخطبة 100 من «نهج البلاغة»، طبعة مصر، ص 196: صاحب الزنج عليّ بن عبد الرحيم من بني القيس، ادّعى أنّه علويّ... إلى آخر كلامه.
[37] الآية 34، من السورة 31: لقمان.
[38] الخطبة 128 من طبعة عبده ج 1، ص 245. وذكر ابن شهرآشوب أوّلها في مناقبه، ج 1، ص 429.
[39] «بحار الأنوار» ج 9، ص 591، طبعة الكمبانيّ.
[40] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 215 إلى 243، طبعة دار الإحياء.
[41] الآية 170، من السورة 3: آل عمران.
[42] «شرح نهج البلاغة» ج 8، ص 217 و218، طبعة دار الإحياء.
[43] «بحار الأنوار» ج 9، ص 590، طبعة الكمبانيّ.
[44] «نهج البلاغة»، الخطبة 100، من طبعة مصر وتعليقة محمّد عبده: ج 1، ص 196 و197.
[45] «شرح نهج البلاغة» ج 7، ص 104، طبعة دار الإحياء.
[46] «نهج البلاغة» ج 1، ص 201، قسم من الخطبة 103، طبعة مصر بتعليقة محمّد عبده.
[47] «شرح نهج البلاغة» ج 7، ص 120 و121 طبعة دار الإحياء.
[48] «نهج البلاغة» ج 1، ص 230، قسم من الخطبة 114، طبعة مصر، تعليقة محمّد عبده.
[49] الحِرباء والحِرباءَة: ضرب من الزحافات تتلوّن في الشمس ألواناً مختلفة. وقال الشاعر سعدى في كتابه «گلستان» يصف بستاناً أرضه ملوّنة: «باد در ساية درختانش گسترانيده فرش بوقلمون»: بسط النسيم في أفياء أشجاره فراشاً ملوّناً.
[50] «شرح نهج البلاغة» ج 7، ص 279 إلى 281، طبعة دار الإحياء. ونقل المجلسيّ هذه المعلومات كلّها عن ابن أبي الحديد، في كتابه «بحار الأنوار» ج 9، ص 590، طبعة الكمبانيّ.
[51] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 429، الطبعة الحجريّة.
[52] «بحار الأنوار» في طبعة الكمبانيّ: ج 9، ص 592؛ وفي الطبعة الحديثة: ج 41، ص 341؛ و«شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 289، طبعة دار الإحياء.
[53] «اللهوف»، ص 88؛ و«نفس المهموم» ص 150؛ و«مقتل الخوارزميّ» ص 7؛ و«تحف العقول» ص 242؛ و«الاحتجاج» ج 2، ص 25.
[54] ذكرنا نبذة يسيرة من ترجمة الحجّاج في الجزء العاشر من كتابنا هذا، الدرس 136 إلى 141.
[55] «المناقب»، ج 1، ص 425 و426 الطبعة الحجريّة؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 585، طبعة الكمبانيّ.
[56] «قصص العلماء» للتنكابنيّ، ص 52، في أحوال السيّد الباب الشيرازيّ، الطبعة الحجريّة.
[57] «المناقب» ج 1، ص 418، الطبعة الحجريّة.
[58] «المناقب» ج 1، ص 419، الطبعة الحجريّة: وورد الحديث في «بحار الأنوار» ج 9، ص 583، طبعة الكمبانيّ، عن «المناقب» و«الخرائج والجرائح».
[59] «المناقب» ج 1، ص 419، الطبعة الحجريّة؛ وذكره في «بحار الأنوار» ج 9، ص 583 عن «المحاضرات».
[60] قال في «القاموس»: الخورنق قصر للنعمان الأكبر معرّب خورنگاه. أي: موضع الأكل.
[61] وقال: السدير كزُبير قاع بين البصرة والكوفة، وموضع بديار غطفان. وكأمير نهر بناحية الحيرة.
[62] الآية 71، من السورة 17: الإسراء.
[63] «المناقب» ج 1، ص 420 و421 الطبعة الحجريّة؛ وذكره المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 578، طبعة الكمبانيّ، نقلًا عن «الخصال» للصدوق، كما ذكره نقلًا عن «الخرائج والجرائح» للراونديّ، و«بصائر الدرجات»، و«الفضائل» لابن شاذان.
[64] «المناقب» ج 1، ص 422، الطبعة الحجريّة.
[65] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 422.
[66] المصدر السابق.
[67] المصدر السابق.
[68] «المناقب» ج 1، ص 422 و423 الطبعة الحجريّة؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 584 و585، طبعة الكمبانيّ، عن «المناقب» لابن شهرآشوب.
[69] «المناقب» ج 1، ص 421؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 584، عن «المناقب» ابن شهرآشوب.
[70] «بحار الأنوار» ج 9، ص 582، في باب معجزات كلامه وإخباره بالغائبات وعلمه باللغات، طبعة الكمبانيّ.
[71] الملبّة: اسم مكان من اللب: ما استرق من الرمل. (م)
[72] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 423 و424 الطبعة الحجريّة. وبراثا مسجد بين الكاظميّة وبغداد. وهو مسجد ذو أجواء روحيّة ومعنويّة عظيمة. وهناك تعاليم في الأخبار حول الصلاة فيه.
[73] ذكرناها نقلًا عن الخطيب في «تاريخ بغداد» ج 12، ص 305؛ و«ديوان الحميريّ» ص 278؛ كما رواها المجلسيّ أيضاً في «بحار الأنوار» ج 9، ص 576، طبعة الكمبانيّ، عن «المناقب» لابن شهرآشوب.
[74] «الإرشاد» ص 184 إلى 186. وروى ابن أبي الحديد مختصرها في «شرح نهج البلاغة» ج 1، ص 288 و289، طبعة اوفسيت، بيروت، دار المعرفة، عن كتاب «وقعة صفّين» لنصر بن مزاحم عن عبد العزيز بن سباع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد التيميّ المعروف بعقيصاء. وذكر المجلسيّ عين هذا الخبر في «بحار الأنوار» عن شرح ابن أبي الحديد (طبعة الكمبانيّ، ج 9، ص 594). ونقله النباطيّ البياضيّ العامليّ في «الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم» ج 2، ص 37، وقال: اشتهرت هذه القصّة في الأمصار والأعصار شهرة أغنتنا عن ذكر سندها. ذلك أنّ جميع العباد تلقّوها بالقبول.
[75] وسط الآية 29، من السورة 48: الفتح.
[76] «الإرشاد» للشيخ المفيد، ص 186 و187، الطبعة الحجريّة وتبلغ أبيات القصيدة مائة وثلاثة عشر بيتاً كما جاء في «ديوان الحميريّ» ص 83 إلى 114، ومطلعها:
هَلَّا وَقَفْتَ عَلَى المَكَانِ المُعْشِبِ *** بَيْنَ الطَّوَيْلِعِ فَاللّوى مِنْ كَبْكَبِ
وقال العلّامة الأمينيّ في «الغدير» ج 2، ص 214: هذه القصيدة ذات 112 بيتاً. تسمّى بالمذهّبة لأهمّيّتها. شرحها الشريف المرتضى علم الهدى. وطبع شرحه بمصر سنة 1313. وشرحها أيضاً الحافظ النسّابة الأشرف بن الأغرّ المعروف بتاج العلى الحسينيّ المتوفّى سنة 610 ه- انتهى. وكذلك ذكرها برّمتها العلّامة السيّد محسن الأمين العامليّ في «أعيان الشيعة» ج 2، ص 222 إلى 236، الطبعة الاولى سنة 1358. وذكر شرحها في الهامش. والبيت الأخير فيها هو قوله:
يَمْحَوْ ويُثْبِتُ مَا يَشَاءُ وعِنْدَهُ *** عِلْمُ الكِتَابِ وعِلْمُ مَا لَمْ يُكْتَبِ
والأبيات التي نقلناها هنا موجودة في ديوان الشاعر، ص 90 إلى 92.
[77] «ديوان الحميريّ» ص 92 و93.
[78] «الإرشاد» ص 187.
[79] ذكر ابن حجر العسقلانيّ الشافعيّ ترجمته في كتابه: «الإصابة» ج 1، ص 409 وقال: عُرفُطة بضمّ العين المهملة والفاء بينهما راء ساكنة. قال عمرو بن شبّة في «أخبار مكّة»: «قدم خالد بن عرفطة مكّة صغيراً فحالف بني زهرة... ولّاه سعد بن أبي وقّاص يوم القادسيّة. وكان معه في فتوح العراق. وكتب إليه عمر يأمره أن يؤمّره، واستخلفه سعد على الكوفة. ولمّا بايع الناس معاوية، ودخل معاوية الكوفة، خرج عليه عبد الله بن أبي الحوساء بالنخيلة. فوجّه إليه معاوية خالداً هذا فحاربه حتى قتله. وعاش خالد إلى سنة 60 أو 61. وذكر ابن المعلّم المعروف بالشيخ المفيد الرافضيّ في «مناقب عليّ» من طريق ثابت الثماليّ، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة أنّ رجلًا جاء إلى عليّ فقال: إنّي مررت بوادي القرى فرأيت خالد بن عرفطة قد مات بها، فاستغفر له. فقال عليّ: إنّه لم يمت». ونقل ابن حجر هنا قصّة خالد بن عرفطة وحبيب بن جمار كلّها بهذه الألفاظ. وهي التي نقلناها في المتن عن «الإرشاد» للشيخ المفيد.
[80] لم نعثر في معاجم الرجال على شخص باسم حبيب بن جمار، واسم أبيه جمار بالجيم المعجمة. وعند ما ذكر صاحب «الإصابة» ترجمة خالد بن عرفطة، نقل اسم حبيب عن الشيخ المفيد على أنّه حبيب بن حمار بالحاء المهملة. بَيدَ أنّ مؤلّف «الإصابة» نفسه ضبطه مع حبيب بن حمّاد الأسديّ بالحاء والدال المشدّدة وقال في كتابه المذكور، ج 1، ص 305: من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله. شهد معه الأسفار. ونقل عنه حديثاً. ولمّا قال صاحب «الإصابة»: وله ذكر في ترجمة خالد بن عرفطة يأتي، فيستبين أنّ صاحب راية خالد كان حبيب بن حمّاد نفسه.
[81] «الإرشاد»، ص 128.
[82] «مناقب آل أبي طالب» ج 1، ص 427، الطبعة الحجريّة.
[83] «بحار الأنوار» ج 9، ص 585، طبعة الكمبانيّ. أقول: وذكره السيّد ابن طاووس في «الملاحم والفتن» ص 92، طبعة النجف، المطبعة الحيدريّة.
[84] «بحار الأنوار» طبعة كمباني، ج 9، ص 578 و579، طبعة الكمبانيّ؛ وذكره ابن أبي الحديد في شرحه على النهج طبعة مصر، دار الإحياء، ج 2، ص 286 و287 عن أبي هلال الثقفيّ في كتاب «الغارات» عن الحسن بن محبوب، عن ثابت الثماليّ، عن سويد بن غفلة.
[85] «الإرشاد» ص 183؛ و«المناقب» ج 1، ص 427؛ وروى في «بحار الأنوار» ج 9، ص 585، عن «المناقب».
[86] جاء في «تنقيح المقال» في ترجمة جويرية أنّه ابن مُسْهِر على وزن مُحسن.
[87] «الإرشاد» ص 183، الطبعة الحجريّة؛ وورد مختصرة في «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 428، الطبعة الحجريّة، وكذلك رواه صاحب «بحار الأنوار»
ج 9، ص 586، وأيضاً في ص 578.
[88] روى المجلسيّ هذه الفقرة من الحديث في «بحار الأنوار» ج 9، ص 582 عن «الخرائج والجرائح» للراونديّ؛ ونقل أيضاً قصّة جويرية في كتابه المذكور، ج 9، ص 593؛ ومن الطبعة الحديثة ج 41، ص 342، و343 وذلك عن «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد: روى إبراهيم بن ميمون الأزديّ عن حبّة العُرَنيّ قال: كان جويرية بن مسهر العبديّ صالحاً، وكان لأمير المؤمنين عليه السلام صديقاً، وكان عليه السلام يحبّه. نظر يوماً إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يسير، فناداه: يَا جُوَيْرِيَةُ! ألْحِقْ بِي فَإنِّي إذَا رَأيْتُكَ هَوَيْتُكَ. قال إسماعيل بن أبان: حدّثني الصباح، عن مسلم، عن حبّة العرنيّ قال: سرنا مع عليّ عليه السلام يوماً، فالتفت فإذا جويرية خلفه بعيداً، فناداه: يَا جُوَيْرِيَةُ! ألْحِقْ بِي لَا أباً لَكَ! ألَا تَعْلَمْ أنِّي أهْوَاكَ واحِبُّكَ؟ فركض جويرية نحوه، فقال له: إنّي محدّثك بامور فاحفظها، ثمّ اشتركا في الحديث سرّاً. فقال له جويرية: إنّي رجل نسيّ. فقال الإمام: أنا اعيدُ عليك الحديث لتحفظه. ثمّ قال له في آخر ما حدّثه إيّاه: يَا جُوَيْرِيَةُ! أحْبِبْ حَبِيبَنَا مَا أحَبَّنَا، فَإذَا أبْغَضَنَا فَأبْغِضْهُ، وأبْغِضْ بِغَيضَنَا مَا أبْغَضَنَا فَإذَا أحَبَّنَا فَأحْبِبْهُ. فكان ناس ممّن يشكّ في أمر عليّ عليه السلام يقولون: أنراه جعل جويرية وصيّه كما يدّعي هو من وصيّة رسول الله صلى الله عليه وآله. يقولون ذلك لشدّة اختصاصه له حتى دخل على عليّ عليه السلام يوماً وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه، فناداه جويرية: أيُّهَا النَّائِمُ! اسْتَيْقِظْ. ثمّ ذكر جميع المطالب التي أوردناها في المتن كالمحاورة، وخضاب اللحية من دم الرأس، وقطع اليد والرجل والصلب، ذكرها كلّها بنفس الألفاظ. («شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 290 و291، طبعة دار الإحياء).
[89] «الإرشاد» ص 178، الطبعة الحجريّة.
[90] «المناقب» ج 1، ص 427؛ و«بحار الأنوار» عن «المناقب» ج 9، ص 585، طبعة الكمبانيّ.
[91] نقل المجلسيّ هذه الرواية في «بحار الأنوار» ج 9، ص 585، طبعة الكمبانيّ؛ وفي الطبعة الحديثة: ج 41، ص 314، عن «المناقب» لابن شهرآشوب.
[92] نقل المجلسيّ هذه الرواية في «بحار الأنوار» ج 9، ص 585، طبعة الكمبانيّ؛ وفي الطبعة الحديثة: ج 41، ص 314، عن «المناقب» لابن شهرآشوب.
[93] المصدر السابق.
[94] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 427 و428، الطبعة الحجريّة؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 586.
[95] إنّ ما نقلناه هنا عن «بحار الأنوار»، عن ابن أبي الحديد، عن نصر بن مزاحم موجود في كتاب «صفّين» الطبعة الثانية بالقاهرة، شرح عبد السلام محمّد هارون، ص 141 و142. وجاء في «شرح نهج البلاغة» طبعة مصر، دار الإحياء، ج 3، ص 169 إلى 171 عن نصر بن مزاحم.
[96] روى السيّد ابن طاووس في «الملاحم والفتن» ص 92 و93، طبعة النجف، عن كتاب «الفتن» للسليليّ بسنده المتّصل عن عطاء بن السائب، عن ميمون، عن شيبان قال: أقبلنا مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام من صفّين حتى نزلنا كربلاء، وهو على بغلة له، فنزل عن البغلة، فأخذ كفّاً من تحت حافر البغلة فشمّها ثمّ قبّلها ووضعها على عينيه وبكى وقال: وأي حَبِيب يُقْتَلُ في هَذَا المَوضِعِ، كَأنِّي أنْظُرُ إلَى ثَقَلٍ مِنْ آلِ رَسُولِ اللهِ قَدْ أنَاخُوا بِهَذَا الوادِي، فَخَرَجْتُمْ إلَيْهِمْ فَقَتَلْتُمُوهُمْ. وَيْلٌ لَكُمْ مِنْهُمْ، ووَيْلٌ لَهُمْ مِنكُمْ. مَا أعْلَمُ شُهَدَاء أفْضَلُ مِنْهُمْ إلَّا شُهَدَاء خلقهم مَعَ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ بِبَدْرٍ. ثُمَّ قَالَ: إيتُونِي بِرِجْلِ حِمَارٍ أوْ فَكِّ حِمَارٍ. قال شيبان: فأتيته برِجل حمار ميّت فأوتده في موضع حافر البغلة. فلمّا قُتِلَ الحسين صلوات الله عليه، جئتُ فاستخرجتُ رِجل الحمار من موضع دمه عليه السلام، وإنّ أصحابه لربض حوله.
[97] «بحار الأنوار» ج 9، ص 591 و592؛ وجاء هذا الخبر كلّه في كتاب «صفّين» ص 140 و141، الطبعة الثانية، القاهرة، شرح عبد السلام محمّد هارون.
[98] (1 و2)- «بحار الأنوار» ج 9، ص 580.
[99] (1 و2)- «بحار الأنوار» ج 9، ص 580.
[100] «بحار الأنوار» ج 9، ص 578.
[101] «الغدير» ج 4، ص 386.
[102] «الغدير» ج 4، ص 386.
الاكثر قراءة في الامامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)