تحديد سعر الصرف:
كأي سلعة يتحدد سعر العملة الوطنية بالنسبة للعملات الاجنبية تبعاً لمقدار المطلوب والمعروض منها في الاسواق الاجنبية (1)، فاذا تم تحديد سعر الصرف للعملة عن هذا الطريق فإننا نتكلم عن سعر الصرف الحر (Free Exchange Rate) وهذا يختلف عن سعر الصرف الرسمي الثابت (Fixed Exchange Rate) الذي تحدده السلطات النقدية في الدولة بطريقة ما قد تأخذ في اعتبارها ظروف العرض والطلب او قد تهملها تماماً.
ويوجد بين هذين النظامين نظام آخر يمكن تسميته بنظام المرونة المقيدة (Managed Flexibility)، وفي هذا النظام نجد ان اسعار الصرف لا تبقى ثابتة عند مستويات محددة كما هو الحال في اسعار الصرف الثابتة، كما لا يسمح لها بحرية التغيير المطلق كما هو الحال في نظام سعر الصرف الحر (وان كان هناك في بعض الاحيان تدخل حتى في نظام سعر الصرف الحر) (2)، فعلى الرغم من انه يتم تحديد هذا السعر وفق اسس موضوعة ومتفق عليها بشكل مسبق الا انه لا يهمل قوى العرض والطلب الى حد كبير. هذا وسنتطرق الى هذه الانواع الثلاثة وأثرها على التجارة الخارجية للدول بنوع من التفصيل لاحقاً.
1- تحديد سعر الصرف الحر :
سوف نفترض الآن للتبسيط ان التعامل التجاري والمالي يتم بين الاردن وبريطانيا بنوعين من العملات (الدينار الاردني والجنيه الاسترليني) ونحاول تحديد سعر الصرف الحر بينها بطريقة بيانية، فنجد من خلال الرسم التالي (الشكل 1-7) ان الطلب على الجنيه الاسترليني (ط) يتحدد باستيراد الاردن من بريطانيا، أي يتحدد بطلب الاردن على السلع والخدمات البريطانية، في حين يتحدد عرض الجنيه الاسترليني (ع) في السوق الاردني بتصدير الاردن الى بريطانيا اي بطلب البريطانيين على السلع والخدمات الاردنية، ويتحدد سعر الصرف الحر للجنيه الاسترليني بالنسبة للدينار الاردني عند التقاطع (ص) اي عند مستوى (1,150) دينار اردني لكل جنيه استرليني واحد، ويبقى هنا الملاحظة ان ارتفاع سعر الصرف الاجنبي معناه انخفاض القيمة الخارجية للعملة الوطنية والعكس صحيح فارتفاع سعر صرف الاسترليني من (1,150) الى (1,300) يعني انخفاض قيمة الدينار بـ 13%.

وعلى ضوء هذه المفاهيم العامة نريد ان نبين ما يلي:
1- ان رفع قيمة العملة الوطنية اي تحديد سعر الصرف للعملة الاجنبية عند مستوى اقل مما كان عليه سوف يؤدي الى زيادة الطلب على العملة الاجنبية طالما كانت مرونة الطلب على الواردات الاجنبية تساوي اي شيء أكبر من الصفر، وكلما زادت مرونة الطلب على الواردات الاجنبية عن الوحدة كلما كبرت الزيادة في الطلب على العملة الاجنبية، وكلما انخفضت مرونة الطلب على الواردات الاجنبية كلما قلت الزيادة في الطلب على العملة الاجنبية.
فان تخفيض سعر الجنيه الاسترليني من (1,150) الى (1000) فلس يعني ان المستوردات من بريطانيا ستصبح أكثر إغراءً للمستورد الاردني لأنه يدفع (1000) فلس بدلا من (1,150) فلس مقابل كل استرليني، مما سيدفعه الى الاستيراد الاكثر، في حين انها ستكون اقل اغراء للمصدر الذي سيستلم (1000) فلس بدلاً من (1,150) فلس مقابل كل جنيه تصدير.
ولتوضيح ذلك بياناً فان انخفاض الاسترليني الى (1000) فلس يزيد كمية الاسترليني المطلوبة من س الى سَ لان الطلب على الاسترليني ط قد زاد، والطلب على الاسترليني يتحدد كما بينا سابقاً بطلب الاردن على السلع البريطانية وسوف يعتمد حجم الانفاق الجديد مقدراً بالدينار الاردني على مرونة الطلب على السلع البريطانية، فيزيد عن حجم الانفاق السابق اذا كان الطلب يتمتع بمرونة اكبر من الوحدة، وينخفض عن حجم الانفاق السابق اذا ما كانت مرونة الطلب اقل من الوحدة، ولا يتغير عن حجم الانفاق السابق اذا كانت المرونة تساوي الوحدة، ولكن حيث ان الكمية المطلوبة من السلع البريطانية سوف تزداد في اية حالة طالما كانت درجة المرونة اكبر من الصفر، وبافتراض ان اسعار هذه السلع بالإسترليني لم تتغير فان طلب الاردنيين على الاسترليني لا بد وان يزداد.
2- ان تخفيض قيمة العملة الوطنية اي رفع سعر الصرف الاجنبي لا بد وأن يؤدي الى نقص كميات الواردات وقيمتها بالعملة الاجنبية، طالما كانت مرونة الطلب على الواردات تساوي اي شيء أكبر من الصفر، ومن ثم يؤدي الى نقص المطلوب من العملة الاجنبية، ويتوقف مقدار هذا النقص على مرونة الطلب من الواردات، فكلما كانت مرونة الطلب الداخلي على الواردات كبيرة كلما كان النقص في الطلب على العملة الاجنبية كبيراً وبالعكس.
فاذا حدث مثلاً ان قامت السلطات النقدية في الاردن بتنفيذ سياسة تخفيض قيمة العملة الوطنية فإننا نتساءل ما الذي سيحدث بالنسبة للإنفاق على الواردات من بريطانيا؟
ان اسعار السلع البريطانية المستوردة مقدرة بالدينار الاردني سترتفع بفعل السياسة المذكورة وسوف يؤدي هذا الى انخفاض كمية الطلب من على هذه السلع ويتحدد حجم الانفاق الجديد بالدينار الاردني تبعاً لمرونة الطلب، فيصبح أكبر من حجم الاتفاق السابق إذا كانت المرونة اقل من الوحدة وينخفض عن حجم الانفاق السابق إذا كانت المرونة أكبر من الوحدة، ولا يتـغـيـر عن حجم الانفاق السابق إذا كانت المرونة تساوي الوحدة. ولكن ما هو وضع الانفاق الجديد مقدرا بالإسترليني؟
ان المنطق المستخدم في تحليل هذه الحالة هو نفس المنطق الذي استخدم في تحليل الحالة السابقة. فحيث ان الكميات المطلوبة من السلع البريطانية قد انخفضت في اي حالة من الحالات - طالما ان المرونة تساوي اي شيء أكبر من الصفر – وحيث ان اسعار السلع البريطانية بالإسترليني ما زالت ثابتة لم تتغير، فان حجم الانفاق الجديد مقدرا بالجنيه الاسترليني لا بد وان ينخفض عن الحجم السابق.
الان وبعد ان بينا أثر رفع وتخفيض العملة الوطنية على الطلب على العملة الاجنبية اي الطلب المحلي على الاستيراد من السلع البريطانية نريد ان نبين ماذا سيكون الاثر على عرض العملة الاجنبية اي الطلب الأجنبي على السلع المحلية، أي التصدير حيث يظهر (الشكل 2-7) ما يلي:
1 - ان رفع قيمة العملة الوطنية، اي انخفاض سعر الصرف الاجنبي، يرفع اسعار الصادرات من المنتجات الوطنية، فاذا كانت مرونة الطلب الاجنبي على الصادرات أكبر من الوحدة فان ذلك سيؤدي الى انخفاض عرض العملة الاجنبية.

2- ان تخفيض قيمة العملة الوطنية اي ارتفاع سعر الصرف الاجنبي يؤدي الى انخفاض اسعار الصادرات من المنتجات الوطنية، فاذا كانت مرونة الطلب على الصادرات أكبر من الوحدة فان ذلك سيؤدي الى زيادة عرض العملة الاجنبية.
وباختصار فان عرض العملة الاجنبية لدى البلد يتناسب طردياً مع سعر الصرف الاجنبي في حالة واحدة وهي ان تكون مرونة الطلب الاجنبي على الصادرات أكبر من الوحدة.
وقد يتغير عرض العملة الاجنبية عكسياً مع التغير في سعر الصرف الاجنبي، ولتحقيق هذه الحالة لا بد ان تكون مرونة الطلب الأجنبي على الصادرات اقل من الوحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كل العوامل الاساسية (Fundamental Factors) التي تؤثر على سعر العملة تؤثر عليها من واقع العرض والطلب، الا انه لا يمكن إهمال العوامل الفنية (Technical Factors) ايضاً.
(2) لذلك يسمى نظام سعر الصرف الحر الحالي بنظام التعويم غير النظيف (Dirty Floating) او التعويم المراقب لأنه يتم في بعض الاحيان التدخل من قبل البنوك المركزية المعنية للتأثير عليه عند حدود معينة.