إنَّ الرّضا بقضاء الله تعالى من منافعه أنّ الدّاعي يتضرّع إلى الله تعالى ويستغيث؛ حتّى لا يطلب من الباخلين المانعين، ومن البديهي عند العقل أنّ الأوّل متعيّن، والمندوحة: السعة، والاستئثار التفرّد بشيء من دون غيره، بمعنى إنّ في الرضا بقضائه الله تعالى سعة عن طلب ما في أيدي المدّخرين للأموال والحرص عليها.
إنَّ البخل رذيلة من الرَّذائل، كما أنَّ الإسراف رذيلة، فالأخلاق دائمًا تكون بين الإفراط والتّفريط، وحتى ننبّه إلى نقطة مهمّة قبل أن ندخل إلى الاستفادة من هذه الفقرة نذكر صفة الخوف وفرقه عن الجُبن فإنَّ الجبن هو سكون النّفس عمّا يستحسن شرعًا وعقلاً من الحركة إلى الانتقام أو شيء آخر، ثم إنَّ الخوف على نوعين: أحدهما مذموم بجميع أقسامه، وهو الذي لم يكن من الله ولا من صفاته المقتضية للهيبة والرّعب، ولا من معاصي العبد وجناياته، بل يكون لغير ذلك من الأمور التي يأتي تفصيلها، وهذا النوع من نتائج الجبن. وثانيهما محمود وهو الذي يكون من الله ومن عظمته أو على دين الله تعالى، ولذلك من الخطأ أن يُشكِل شخص على قصيدة السّيّد جعفر الحلّي (رضوان الله عليه) حينما يقول:
خرج الحسين من المدينة خائفاً *** كخروج موسى خائفاً يتكتمُ
فيأتي ليقول: إنَّ الشاعر قد توهّم فالحسين (عليه السلام) لم يخف، وهذا المستشكل واهم؛ لأنَّ بيت الشعر يشرح نفسه كخروج موسى (عليه السلام) خائفاً، والقرآن الكريم أثبت هذا يقول: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: 67]، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21].
وبعبارة أخرى: إنَّ الخوف أحد الغرائز الموجودة في النفس البشريّة، ووجود هذه الصفة حالة طبيعيّة، وليست مذمومة. والمذموم من هذه الصّفة هو ترتيب الأثر الخاطئ على هذه الغرائز، فحينما يكون عند الإنسان حزن، هذا شعور غريزي في كلّ إنسان، وليس مذمومًا. ويصبح مذمومًا عندما يتحوّل إلى جزع، ويخالف الرضا بقضاء الله تعالى، وكذلك الخوف، غريزة في داخل الإنسان، ولكن يكون مذمومًا عندما يؤثّر الخوف على الإنسان، فيمنعه أن يقوم بواجبه، كأن يُدعَى إلى الجهاد، فيقول: أنا خائف. أمّا إذا لم يمنعه الخوف من ذلك، ولذلك فإنَّ قضيّة نبي الله موسى بن عمران (عليه السلام)، عندما خرج من تلك البلدة إلى تلقاء مدين، وكان خائفًا مترقّبًا، فخوفه ذاك ليس مذمومًا؛ لأنَّه لم يترتّب عليه موقف عمليّ مخالف للرسالة، أو مخالف للموقف المطلوب، وإنَّما كانت لهذا الخوف جهة رساليّة (خَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا)، فقد كان خائفًا على رسالته، ودينه الذي جاء به، وهذا الخوف يُثاب عليه الإنسان.
وخوف سيد الشّهداء صلوات الله عليه كان على رسالة جدّه المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)، ولذلك من نَقَد الشاعر لم يكن نقدًا صحيحًا؛ لأنَّه لم يُفرّق بين الإفراط والتّفريط في الخوف، هذه نقطة أحببت أن أشير إليها لأهمّيّتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد: 2 / 583.
(2) السيد أبو يحيى جعفر بن أبي الحسين حمد بن محمد حسن بن أبي محمد عيسى بن كامل بن منصور بن كمال الدين بن منصور بن زويع بن منصور بن كمال بن محمد بن منصور بن أحمد بن نجم بن منصور بن شكر بن أبي محمد الحسن الأسمر ابن النقيب شمس الدين أحمد ابن النقيب أبي الحسن علي بن أبي طالب محمد بن عمر بن يحيى بن الحسين النسّابة ابن أحمد المحدّث ابن عمر بن يحيى بن الحسين ذي الدمعة ابن زيد الشهيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) الحسيني الحلي النجفي الشاعر المعروف بالسيّد جعفر الحلي. ولد يوم النصف من شعبان سنة 1277هـ في قرية من قرى العذار تعرف بقرية السادة وتوفّي فجأة في النجف الأشرف في شعبان لسبع بقين منه سنة 1315هـ ودفن هناك.
كان فاضلا مشاركا في العلوم الآليّة والدينيّة، أديبا محاضرا شاعرا قوي البديهة حسن العشرة رقيق القشرة صافي السريرة حسن السيرة. (أعيان الشيعة: 4 / 97)
(3) سحر بابل وسجع البلابل، السيد جعفر الحلي النجفي (ت: 1315هـ)، تحقيق: الشيخ محمد آل كاشف الغطاء، الشريف الرضي، الأولى، 1411هـ: ص 429.