الانسان يتميز عن بقية المخلوقات بأشياء كثيرة، اهمها انه يفكر ويخطط لحاضره ومستقبله بواسطة العقل الذي ركبه الله تعالى فيه، فيتعلم ان هنالك انظمة في هذه الحياة محكومة بها وهنالك الانسان هو ذلك الكائن الذي يغير بعض تفاصيل الحياة الظاهرة، والا لو تركت الارض وحدها لا يتغير منها سوى ما يتأثر بالظواهر الطبيعية كالرياح والحرارة والرطوبة وغيرها، فالإنسان هو العنصر الفعال في هذه الارض الكبيرة وهو من يغير معالمها بالنحو الذي يريده، من هنا يكون لزاماً ان توسع الحديث عن الانسان اولاً وقدرته من خلال:
ـ الانسان الطاقة الكبيرة
الانسان كائن يستطيع ان يفعل كل شيء عظيم، له قدرة وله خيال وله قوة وله استعداد، يتضح ذلك من خلال العرض القرآني لهذه الحقيقة فربنا اعطى قيادة الحياة للإنسان سواء كان سلباً ام ايجاباً، يقول تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].
طريقان امام الانسان وعليه ان يختار بدقة ايهما يسير عليه، والتكليف الالهي يريد منه طريق الخير والشيطان وجنوده يريدون منه طريق الشر، وبين هذا الصراع يتمتع الانسان بالقدرة والعقل وهما اعظم اسلحته لمواجهة اي شيء، تنبثق فكرة ان الانسان طاقة هائلة بهذا الكون من خلال الاشياء التي أنيطت به والتكليف الذي وقع على عاتقه فكان الانسان خليفة الله تعالى اول يوم وضع رجله على الارض، وهذه الفكرة تسحب لنا بجلاء اهمية الانسان في هذه الأرض، فيمكن ان يقال انها تحت تصرفه تماماً وهذا لا يعني عزل الدور الالهي او تعطيله وانما تلك عقيدة لها ادلتها ولا يسمح لنا البحث بإيراد جوانب الموضوعات وتفاصيلها، فللإنسان القدرة والارادة في افعاله وما نسمعه احياناً من ان الانسان واقع تحت القدر الالهي وليس له قدرة او اي ابداع غير صحيح، فإننا في هذه الحياة لنا الحرية في افعالنا وكل ما يصدر منا وفي نفس الوقت لا نخرج عن قدرة الله تعالى، لكنه اتاح لنا الاختيار والعمل وهو من سيحاسبنا يوم القيامة، فطاقة الانسان ذلك الموجود المخلوق الذي يستطيع ان يغير الحياة وكل واحد منا يشهد بذلك، لكن بعض الناس لا يثقون بأنفسهم فيصبحون في متاهات الضعف والوسوسة، تجده يقول: انا لا أصلح لهذا العمل، انا لست قادراً، انا ضعيف وهكذا عشرات التبريرات التي لا داعي لها، وقد تسمع أكثر من ذلك، في يوم من الايام شاهدت رجلاً بيده علبة سجائر سعرها أكثر من وجبتي طعام، وكان يقول: أطفالي جائعون ولم اجد عملاً اعمله كي اوفر لهم الطعام، رد عليه احدهم قائلاً: اتعلم ان هذه العلبة التي بيدك مبلغها يوفر وجبة كاملة لعيالك، لم يكن الرد نافعاً، ولم نغير في نفسه شيئاً، كان الأحرى بنا ان نقول له: انت رجل قادر ولك شخصية تستطيع ان تعمل وتنتج كان علينا تشجيعه، دون ان نركن الى آخر الحلول ونوبخه، فأنا اعلم ان كثيراً من الناس وبخته لكن لم ينفع ذلك، اغلب الناس لا يعرفون الطاقات التي يمتلكونها ولم يكتشفوها والسبب ان بعضهم لا يعلم انه قادر على العمل والانتاج والابداع والرقي، واشتهر هذا القول:
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي بأحرفه يظهر المضمر (1)
فهذا قول بليغ موجه للإنسان في هذه الحياة حتى يعي انه ليس كائناً بسيطاً لا يفقه شيئاً خلق ليأكل ويرتع، فالغاية اعلى واجل من ذلك، وفيه بيان للناس على قدر المسؤولية التي يتحملونها والله لا يكلف نفساً الا وسعها، فلا يمكن ان نقبل بالفكرة التي تصغر من حجم الانسان وقابلياته وطاقاته، فالأرض لم تعمر لولا الانسان والحياة لم تتقدم لولا الانسان، فهو عنصر الابداع في هذه الأرض وربنا (عز وجل) هو من اعطاه هذه القابليات والاستعدادات وزوده بأندر النوادر (العقل)، فاعرف قدرك أيها الانسان واعرف مقامك واكتشف قابلياتك، فانت القائد في هذه الأرض وانت القادر على التغيير، فلك القدرة على تغيير نفسك ومن ثم واقعك، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].
البشرية هي من تختار حياتها فان رب العباد يمدهم بالقوة والطاقة، فالمتخاذل هو من وضع نفسه موضع الخذلان، والمنافق كذلك، والمؤمن هو من سعى الى الايمان والناجح ذلك الشخص الذي لم يرض بضعفه ولم يهتم لصعوبة الحياة وانما شغله المستقبل واهتمامه في قضيته ثم صبر فحصل على ما كان يصبو اليه.
ـ الشخصية الفاعلة حقيقة ام خرافة؟
قد يراود اي واحد منا هذا السؤال هل ان الشخصية الفاعلة وجودها اعلامي ولفظي فحسب ام وجودها حقيقي؟ هل ثمة واقع لوجود هذا العنوان؟ ثم إذا كانت موجودة فهل لها اوصاف تعرف بها؟ حدثني عن الشخصية الفاعلة!
الشخصية الفاعلة لها وجود حقيقي في واقعنا، ولا يمكن لأي أحد نكران ذلك، وهذا لا يعني اننا نهجرها اذا وصف بعض الفاشلين شخصيته بالفاعلة، كما يدعي ذلك عدد من اهل الخداع والكذب، وقد تكون شخصية فاعلة بالمنظار الذي يعتبره صاحبها او المحيط الذي يعيش فيه، لان هذا المصطلح كبير وواسع، فالمنافق يعتبر شخصيته شخصية فاعلة في بعض المواقف بينما نظرة الاسلام الاصيل لا تعتبر تلك الشخصية فاعلة ولو بدرجة قليلة، فعلى المستوى الوجودي انتهى الكلام، واما اوصاف الشخصية الفاعلة فيمكن لنا ان نتكلم عنها بقطع حتى يدركها القارئ بسهولة ويسر:
1ـ الشخصية الفاعلة تمتاز بلونها القاتم في الظروف الصعبة والمتعبة، وبلونها الشفاف في وقت الربيع، وتتمتع باسترخاء الفكر الى ابعد الحدود.
2ـ الوقار والجاذبية أحد اهم الابعاد التي تتمتع بها الشخصية الفاعلة، وقد لا يلاحظ عليها ذلك في بعض مواقف الحياة بسبب الموقع والوظيفة وغيرها.
3ـ يستخدم صاحب الشخصية الفاعلة عقله في ادارة حياته أكثر من اي شيء آخر، وفي بعض الاحيان يتمسك بالتجربة معيناً ومنقذاً، فينظر في سيرة من كان قبله ويتمعن بها جيداً.
4ـ التفكير الجاد والنظرة المستقبلية تكاد تكون من أبرز صفات وسمات الشخصية الفاعلة، اذ يعتبر المستقبل الرمز المقدس الذي تدور حوله كل المحاور، وهو بحق كذلك فمن لم يخطط لما سيحدث غداً لا يمكن له ان يضع قدماً على طريق النجاح.
5ـ الشخصية الفاعلة عطاؤها بلا حدود فهي منتجة في جميع الاوقات ومختلف الظروف لا تعرف التوقف والتذبذب ولا التهاون.
6ـ قدرتها على احتواء المشاكل والتكيف مع مختلف الظروف، فلا وقت لديها حتى تشغلها العوارض والقضايا الهامشية.
ـ الشخصية الفاعلة، كلام وحوار
كل فعل يصدر من الانسان له صدى سواء أكان ضعيفاً ام قوياً، فنحن نشاهد الناس وادوارهم في الحياة، فالرسول يقوم بأفعال واعمال لكنها تختلف تماماً من جهات عديدة عن تلك الافعال التي يقوم بها غيره، فقصد النبي يختلف تماماً عن قصد اي انسان، حتى ان فعله يأخذ مدى اكبر واوسع، فهنالك شخصية فاعلة داخل المجتمع وهنالك شخصية على قدرها لا تخرج ابداً عن ساحتها، وهذا يرجع الى الفكر والايمان الذي يتمتع به كل واحد منهم، ويشمل ذلك كل الافعال سواء اكانت ايجابية أم سلبية، واثر افعال الانسان حاضرة امامنا، ونستقرأ منها جهتين:
الأولى: افعال فردية لا تؤثر الا على نفسه وهي تكون العمد الرئيس في تقويم شخصية الانسان، مثلاً تهذيب النفس ترجع فائدته للشخص نفسه، او التواضع او التكبر وغيرها من الاخلاق والافكار الفردية الشخصية، سواء كانت ايجابية ام سلبية فان فائدتها اولاً واخراً ترجع لذات الانسان.
الثانية: افعال تأثيرية ونقصد بها الافعال التي يقوم بها الانسان وفائدتها ترجع للجميع، كبناء دار للأيتام او بناء مسجد او كلمة طيبة تصلح بها بين متخالفين، ولا يكون ذلك قولاً أو فعلاً فقط وانما تشمل الفكر والسلوك، فلهما الأثر الواضح في ساحة الانسان المعاصر بل حتى الانسان القديم، فهنالك من يكون ثلجاً يذوب لغيره، ومن يعطي دمه بيده كما فعل ذلك عظماء الكون، فانهم قدموا انفسهم وجادوا بها حتى تبقى كلمة الحق تسود بين الناس وهذه الصورة من اعظم صور خدمة البشرية، فان كثيراً من الناس يرغبون في بذل مهجهم دون الدين والعقيدة وخدمة الكلمة الحقة، فأدوار هؤلاء لها اثرها في واقع كل فرد، فعمل رجل الامن الذي يوفر الامن للناس اجتماعي وخدمي، وكذلك مختلف افراد المجتمع الذين يقومون بأعمال لها الأثر في حياة الامة، فكل انسان له دور فردي او ايجابي في هذه الحياة او ان يقتصر على نفسه ولا يخرج عنها او يكون دوره وفعله أوسع من ذاته وكيانه فيسمى التأثير الفاعل في المجتمع سواء كان سلباً ام ايجاباً، فالنبي يقدم الدور الايجابي من خلال الاصلاح الذي يقوم به على جميع المستويات، فيكون بمثابة الشمس التي تشرق على الظلام، ومقابله شخصية فعالة لكن اثرها سلبي تماماً كفرعون وامثاله الذين يبثون الظلم في الارض، وهذه القاعدة قد طرحها الدين الاسلامي بشكل واضح تماماً، ففي الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (أيما عبد من عباد الله سن سنة هدى كان له أجر مثل أجر من عمل بذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وأيما عبد من عباد الله سن سنة ضلال كان عليه مثل وزر من فعل ذلك من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) (2).
فالورقة التي تكتبها لا تظن انها محيت من سجل الزمن فان كانت خيراً سوف تدر عليك جبالاً من الفوائد غير ربوية ولله الحمد، واما إذا كان الكلام فيه المنكر والشر ويؤدي الى انحراف البشرية فانه سوف ينزل عليك بالعذاب الى يوم القيامة، وهكذا الكثير من الافعال والاقوال والكلمات، كقارئ القرآن الكريم وحسناته والمغني وسيئاته، فكل فعل له أثره وصداه في الحياة.
اتصور ان الشخصية الفاعلة اتضحت اهميتها فيصبح كل شخص منشداً لان يكون شخصاً ناجحاً ومؤثراً في مدينته او بلده او العالم بشكل عام، ولا يأتي ذلك بيوم وليلة واحدة فعليك بمواصلة الجهد ودراسة النفس وخفاياها واتخاذ الصبر وسيلة والعلم قائداً لنيل الفضيلة والتفكير الجاد لنيل شهادة الوثوق بالنفس وقدرتها في تحمل المسؤولية، واعتقد ان بناء شخصية فاعلة بحاجة الى تحقيق وتدقيق فاللعب والتيهان ليست قواعد لبناء شخصية فاعلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ شعر نسبه محمد الباعوني الشافعي لأمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه جواهر المطالب في مناقب الامام علي (عليه السلام)، ج 2، ص 136.
2ـ ثواب الاعمال: الشيخ الصدوق، ص 132.